الصحافة الدولية

البي بي سي وتوظيف أيديولوجيا العداء.. من حرب السويس وحتى أزمة الإيجور في الصين

عرض – نرمين سعيد

 نشر موقع “روسيا اليوم” النسخة الإنجليزية بتاريخ  الخامس من فبراير الجاري، تقريرًا يعد خلاصة أشهر طويلة قضاها الكاتب والباحث السياسي البريطاني “Tom Fody” في تحليل التغطية الإخبارية التي تقدمها قناة بي بي سي عن الصين.

وحسب التقرير المنشور فإن هيئة الإذاعة البريطانية لطالما وصفت نفسها بأنها المصدر الإعلامي الأكثر مصداقية. وعلى الرغم من أن هذا قد يبدو موضوعيًا للبعض لأن هيئة الإذاعة البريطانية هي مؤسسة عريقة شكلت مدرسة في عالم التقارير ورسمت لنفسها أسلوبًا أصيلًا وكلاسيكيًا.

ولذلك لا يمكننا أن ننفي أنها تتمتع بشعبية كبيرة كمصدر للمعلومة والترفيه على مستوى العالم، ولكننا لا يجب أن نخطئ الفهم ونعتقد أنها مؤسسة بلا أجندة؛ إذ تتبع الهيئة حيلة انطلت على الكثيرين تتضمن التخفي وراء سمعتها كقناة رائدة في الموضوعية، في الوقت الذي تمارس فيه الأيديولوجيا العنيفة والعدوانية في سياستها الخارجية، ممزوجة بدفاع مستميت عن القيم الغربية التي تخدم النخبة البريطانية.

وحسب الكاتب، فإن المواد التي تنشر في هيئة الإذاعة البريطانية عن الصين وحدها تكشف حجم العدائية التي توظفها كمصدر إعلامي في تناول أخبار بكين؛ إذ إنها لا تتوانى عن تخمير التوترات الجيوسياسية وهدم القيم التي تدعو هي نفسها لها بشكل يوضح أن كل ما كان مفهومًا عن الهيئة مجرد أكاذيب ضخمة.

ابنة الإمبراطورية

لفهم سياسات البي بي سي ينبغي لنا الرجوع إلى وقت نشأتها، فلا نغفل أنها نشأت في كنف الإمبراطورية البريطانية. وبناء عليه فقد كان المستهدف منها الترويج للنخبوية الغربية وقيم الإمبريالية البريطانية خصوصًا في خمسينيات القرن الماضي عندما تدهور النفوذ البريطاني في مستعمراتها حول الكوكب.

على جانب آخر، قد كان للتطورات الجيوسياسية أثر كبير على تشكيل هيئة الإذاعة البريطانية كمؤسسة، ومن ضمن تلك الأحداث التي شكلت تحولًا في التاريخ السياسي للعالم الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.

وفي إطار التدليل على طرحه أشار الكاتب إلى ما ذكره “غاري دي راونسلي” في منتجه الفكري تحت عنوان: “دبلوماسية الراديو والدعاية: بي بي سي وإذاعة صوت أمريكا في السياسة الدولية” والذي تضمن أن هيئة الإذاعة البريطانية ستكون خاضعة في ولايتها القضائية لوزارة الخارجية البريطانية، وهو ما يتعارض بشكل أساسي مع المبادئ التي تدعي البي بي سي نفسها اعتناقها.

وقد كانت نقطة التحول التي شكلت هزة في النظرة لهيئة الإذاعة البريطانية عام 1956 خلال أزمة السويس وكيف عرضت الهيئة في وقتها الأيديولوجيات المعارضة للوجود البريطاني والحركات القومية المعادية للغرب. وإن كانت إرهاصات التحيز بدأت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، فقد استمرت بصورة أكثر وضوحًا في أزمة إيرلندا الشمالية وحرب الفوكلاند والعراق. وفي الوقت الذي تصنف فيه البي بي سي نفسها كمؤسسة مستقلة عن الدولة، تعد من أكثر الوسائط الإعلامية تبعية.

ولذلك فإنه ليس من قبيل المفاجأة أن البي بي سي لم تكن مطالبة بشكل من الأشكال بتقديم تقارير محايدة مع الصين، خصوصًا في الفترة التي شهدت تصاعدًا في التوترات بين الصين والغرب، فقد وظفت خطابًا غاية في العدائية ضد الصين، وفي الوقت الذي أمعنت فيه القناة في انتقاد الصين وملف حقوق الإنسان، لم تتعرض لإسرائيل ولو لمرة واحدة.

وحسب الكاتب، فإنه بعد سنوات من بحث المواد المنشورة حول الصين فقد تم الكشف عن أن البي بي سي وظفت الخطاب العدائي ضد الصين بلا هوادة، وفي 2021 على سبيل المثال نشرت 51 مقالًا عن اضطهاد السلطات الصينية للإيجور بمعدل مقال في الأسبوع. واحتوى 10% من العناوين على كلمة إبادة جماعية، رغم أنها غير ثابتة على أرض الواقع، إضافة إلى 100 مقال آخر ينتقد قوانين الأمن القومي في هونج كونج، بجانب أنها أعادت نشر تقارير منظمة العفو الدولية، بل قامت بتضخيمها مرات مضاعفة في الوقت الذي لم تنشر فيه أي مواد عدائية ضد إسرائيل.

الأكثر مأساوية من ذلك، الأوقات التي نشرت فيها البي بي سي التقارير عن إقليم شينج يانج في الفترة من يناير 2021 وحتى مارس من نفس العام لتتوافق مع خطاب بايدن ضد الصين والذي استخدم أيضًا تعبير الإبادة الجماعية لوصف ممارسات الصين ضد الإيجور وذلك في خطابات ترشحه.

وهو ما يشير إلى التوافق بين الرؤية البريطانية والأمريكية في هذا المجال، مع الوضع بالاعتبار أن معظم التقارير وظفت النواحي العاطفية، وعزفت نغمة الاغتصاب الجماعي والقتل الجماعي دون ترك أي مساحة لوجهة النظر المضادة. أما في الربع الثاني من العام فقد غيرت الهيئة نغمتها وبدأت في العزف على وتر العمالة القسرية وهاجمت الشركات الصينية دون أي دليل، ولسنا بحاجة للتأكيد على أن ذلك كان متماشيًا مع المزاج الأمريكي في ذلك التوقيت.

ثم كانت هناك فترة خفوت في تناول البي بي سي للمحتوى الذي ينتقد التعامل مع الإيجور، ليعود ويستعر مرة أخرة في الفترة من نوفمبر وحتى الآن؛ تمهيدًا لضرب دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين فنشرت 24 قصة خبرية عن لاعب تنس صيني قالت إنه مفقود.

ويشير الكاتب إلى أنه حتى على مستوى الضيوف الذين تمت استضافتهم لتناول الشأن الصيني ظهر التحيز بطريقة فجة؛ فقد لجأت البي بي سي إلى الاستشهادات من معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي، وهي مجموعة تمولها وزارة الدفاع الأمريكية وصناعة الأسلحة. وبوجه عام، فإذا كانت هناك أي مجموعة أو منظمة معينة تنشر تقريرًا ينتقد الصين ، فإن البي بي سي تمنحها دائمًا أقصى قدر من الدعاية ، بينما لا يتم تقديم هذه السياسة في  أي قضية أخرى.

ويختتم الباحث تقريره المهم بالتأكيد على أن بحثه وإن كان سلط الضوء على الصين كدراسة حالة إلا أنه يقدم نظرة عامة حول كيف يتم تعامل  البي البي سي كقناة موجهة من قبل الحكومة، والذي يتضمن الإفراط في الإبلاغ عن مواضيع معينة؛ عناوين رئيسة عاطفية تحركها الفظائع ومحتوى يميل إلى وجهة نظر واحدة فقط؛ الغياب التام للجانب الآخر من الحجة؛ الاستخدام المستمر لمصادر من مؤسسات مدفوعة بجدول الأعمال؛ أنماط يمكن تحديدها في مخرجات التقارير التي تتداخل بشكل ملائم مع تطورات أو أهداف معينة في السياسة الخارجية في لندن وواشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى