
اشتباك جيوسياسي.. الأخطار الكامنة وراء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين أردوغان والسراج
في محاولة يائسة لإعادة تشكيل جغرافيا البحر المتوسط، وقع الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” ورئيس حكومة الوفاق الليبية “فايز السراج”، اتفاقية لترسيم الحدود البحرية وتضمن الاتفاق الثنائي منح تركيا النفوذ على مناطق ساحلية لا تملك حكومة السراج أي نفوذ فيها. قوبلت الاتفاقية بالرفض وعدم الاعتراف بشرعيتها من قبل بعض الدول المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط مصر واليونان وقبرص وإسرائيل. في حين اقتصر موقف الاتحاد الأوروبي على التنديد بالاتفاقية فقط.
وكانت الحكومة التركية قد أطلقت اسم مشروع “الوطن الأزرق” على المنطقة محل الاتفاق، كما حرصت على أداء تدريبات عسكرية بحرية واسعة النطاق خلال العام الماضي، لاستعراض قوتها العسكرية، ومن خلال الاتفاق المبرم مع ليبيا وسعت تركيا مطالباتها في شرق البحر المتوسط من 150 ألف كيلومتر مربع إلى 190 ألف كيلومتر مربع، وهو ما يزيد على ثلاثة أمثال المنطقة البحرية التي تخصصها اليونان لتركيا.
ويُجري مجلس النواب الليبي تحركات كثيرة متوازية لمواجهة المذكرة التي وقعها السراج مع الرئيس التركي، ففي الوقت الذي توجه رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، على رأس وفد كبير إلى قبرص، تقدم مجلس النواب بدعوى أمام القضاء الليبي، وتحديداً أمام الدائرة المدنية في محكمة الاستئناف لإبطال المذكرة. حيث جاء الاتفاق في الوقت الذي أعلن فيه الجنرال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يحاصر طرابلس، أنه يطلق المعركة الحاسمة والأخيرة على العاصمة. وزودت تركيا طرابلس بطائرات دون طيار وعربات مدرعة لمساعدة حكومة الوفاق الوطني على صد الهجوم.
ما هو مغزى توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية؟
طُرحت الاتفاقية التي لا يمكن فصلها عن مجمل التطورات التي طرأت على الساحة الليبية في الفترة الأخيرة، عوامل رئيسة تقف وراء الدافع منها يتمثل أبرزها في:
- معارضة تركيا الطويلة الأمد لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، والتي رفضت التوقيع عليه مع إسرائيل والولايات المتحدة. وذلك لأنه في ضوء القرب الجغرافي بين تركيا والجزر اليونانية وقبرص، كان من المتوقع أن يحد تطبيق مبادئ قانون البحار بدرجة كبيرة من المياه الإقليمية التركية. ونظرًا لاعتماد تركيا اعتمادًا كبيرًا على واردات الطاقة، جاءت معارضتها لبعض مبادئ قانون البحار بالتزامن مع اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط في السنوات الأخيرة.
- حالة الإحباط التي انتابت أنقرة من توقيع العديد من الاتفاقيات بين جيرانها في السنوات الأخيرة، والتي تنظر إليها على أنها تتعارض مع المصالح التركية في المنطقة، ومن هذه الاتفاقيات، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الإقليمية التي وقعتها قبرص مع مصر في عام 2003، ومع لبنان عام 2007، ومع إسرائيل في عام 2010. وبصورة عامة، يمكن القول إن أنقرة تنظر إلى تطور التعاون بين مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، والذي تم بلورته في عام 2019 بإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، بأنه محاولة لعزل تركيا. وقد ساهم دعم واشنطن لهذه الاتفاقيات في تعزيز مخاوف أنقرة. ووفقًا لهذه الرؤية، جاءت الاتفاقية التركية الليبية كرد فعل عكسي لإثبات ما تعتقد تركيا أنها تملكه.
- عرقلة تركيا جهود مصر وقبرص واليونان وإسرائيل للتوسع في عمليات التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، واضعة حاجز أمام خط أنابيب مقترح يمتد من مياه إسرائيل إلى المياه اليونانية القبرصية حتى جزيرة كريت اليونانية والبر الرئيسي لليونان وإلى شبكة الغاز في أوروبا عبر إيطاليا. وسيتعين أن يمر خط الأنابيب، الذي تتراوح تكلفته بين سبعة إلى تسعة مليارات دولار، في المنطقة الاقتصادية التركية-الليبية المزمعة.
- تنفرد الاتفاقية الليبية التركية بأن استمرارها يُعد نجاحًا كبيرًا لتركيا، حيث لم يسبق لتركيا أن توصلت حتى الآن إلى اتفاق بشأن حدودها البحرية إلا مع الجمهورية التركية في شمال قبرص عام2011، وهي كيان غير معترف به دوليًا إلا من خلال تركيا.
- تسعى تركيا لتجد موضع قدم جديدًا لها في ليبيا كما فعلت في العراق وسوريا، وهو ما يعني سيطرة أنقرة على مساحة شاسعة في المنطقة وتحقيق نفوذ قوي لم يسبق لها الحصول على مثله منذ انهيار الخلافة العثمانية.
بالإضافة إلى ما سبق، تشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن حوض شرق المتوسط يحتوي على غاز طبيعي بقيمة 700 مليار دولار. لكن مفتاح الوصول إلى قيمة الغاز هو الصادرات ولا توجد طريقة سهلة للقيام بذلك. فخط الأنابيب المقترح ذو تكلفة مرتفعة وسيمتد على عمق ثلاثة آلاف متر في بعض أجزائه. ويضع الاتفاق بين تركيا وليبيا عقبة جديدة أمام جعله قابلا للتحقيق. وفي حين أنه توجد حالات سابقة لعبور خطوط أنابيب في مناطق اقتصادية خالصة لدول أخرى، فإن تركيا لن تجعل الأمر سهلا. وعلاوة على ذلك، ستستخدم أنقرة الاتفاق لتكثيف مطالباتها للتنقيب عن مصادر الطاقة في مياه قبالة قبرص، حيث أرسلت على مدى أشهر سفنا للتنقيب، وأطلقت في الأيام القليلة الماضية طائرات مسيرة لعمليات استكشاف.
وعلى هذا فإن الاتفاقية من المحتمل أن يكون لها ثلاثة تداعيات رئيسية هي
أولاً: التأثير السلبي على علاقات تركيا الثنائية مع مختلف دول شرق البحر المتوسط، يشكل الاتفاق تحديًا للعلاقات التركية اليونانية المتوترة. حيث لا تزال العلاقة بين أنقرة وأثينا تتميز بوجود قنوات اتصال مفتوحة، حيث اجتمع رئيسي الدولتين في قمة الناتو في لندن في أوائل شهر ديسمبر الجاري. ومع ذلك، هناك شعور متزايد بالخوف من احتمال نشوب صراع عسكري بين البلدين، قد يعززها توقيع أنقرة لهذا الاتفاق. أما فيما يتعلق بالعلاقات التركية القبرصية، والتي عانت أكثر غيرها من دول المنطقة من رغبة تركيا في فرض وجودها في الشرق الأوسط، فمن المتوقع أن تؤدي الاتفاقية إلى عزوف الشركات الأجنبية عن مشاركتها في اكتشافات الغاز الطبيعي في قبرص. وقد تثير الإجراءات التركية شعورًا بالإلحاح للعودة إلى المفاوضات بشأن التوصل إلى حل سياسي في قبرص.
وفيما يتعلق بمصر، لم تقتصر ردود الفعل المصرية على الاتفاقية بالتصريحات السلبية فقط، وذلك في ظل التوتر المستمر بين مصر وتركيا، ولكن حذرت الحكومة المصرية من عدم وقوف مصر مكتوفة الأيدي في ضوء تنامي النفوذ التركي في ليبيا، وهو ما تنظر إليه القاهرة على أنه أحد أسباب عدم الاستقرار في ليبيا، ومصدرًا محتملًا للتهديدات الإرهابية على أراضيها.
ثانيًا: تراجع احتمالات إنشاء خط أنابيب الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط (مشروع شرق المتوسط)، أضافت الاتفاقية الليبية التركية تأثير سلبي على مشروع إنشاء خط أنابيب غاز شرق المتوسط، التي تقضي خطته إلى نشر خط أنابيب يبلغ طوله 1300 كم في البحر و600 كم على الأرض، يمتد من حقول الغاز الطبيعي قبالة الساحل الإسرائيلي إلى قبرص ومن قبرص إلى جزيرة “كريت”، ومن جزيرة “كريت” إلى شبه جزيرة “بيلوبونيز” ومن هناك إلى غرب اليونان، ليتصل بخط أنابيب آخر وهو خط “بوسيدون” ومنه إلى إيطاليا. وقد عقب على ذلك الرئيس التركي عندما قال إن اتفاقه مع ليبيا يعني: “أن قبرص واليونان ومصر وإسرائيل لن تكون قادرة على إنشاء خط لنقل الغاز دون الحصول أولاً على موافقة من تركيا”. من ناحية أخرى، في حال نجحت مصر في تنفيذ خط أنابيب للغاز في الشرق الأوسط، سيساهم هذا الخط في دعم الجهود المصرية لجعل مصر مركزًا إقليميًا للطاقة، حيث أنها تمتلك بالفعل مرافق تسييل الغاز الطبيعي، تُمكنها من تصدير الغاز إلى أوروبا والأسواق الأخرى.
ثالثًا، قد يؤدي الاتفاق، الذي رافقه تفاهم لتعزيز التعاون الأمني مع القوات التابعة لحكومة ليبيا في طرابلس، إلى تفاقم خطورة التدخل الأجنبي في الحرب الأهلية الليبية المستمرة. حيث قامت تركيا بالفعل، وقبل توقيع الاتفاقية، إلى مد حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بالأسلحة، التي تضمنت طائرات بدون طيار وعدد من المركبات المدرعة، كما ساعدت تركيا حكومة طرابلس في تدريب الميليشيات التابعة لها. وحذرت قوى سياسية وشعبية ليبية من أن هذه الاتفاقية تشرع لتقسيم ليبيا ورهن جزء من أراضيها إلى تركيا التي لا تتوقف عن التورط عسكريا في أكثر من جبهة.أخيرًا، تأثير الاتفاق على العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية في المنطقة، وذلك من خلال التأكيد على أن إسرائيل لديها مصلحة واضحة في أن يبقى الشرق الأوسط دون صراع وتتمثل هذه المصلحة في دفع تعزيز العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص في السنوات الأخيرة. حيث قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى إعلان تضامنها مع قبرص ردًا على إطلاق سفينة الحفر التركية في مياهها الإقليمية، وإعلان تضامنها مع اليونان ردًا على الاتفاقية التركية الليبية. وتشير هذه التصريحات غير المسبوقة إلى أن إسرائيل ستواجه صعوبة في اتخاذ موقف محايد، في ظل صراع سينشب بين جيرانها في شرق البحر المتوسط. وقد أجبرت السفن التركية سفينة التنقيب الإسرائيلية التي تعمل بموافقة الحكومة القبرصية في منطقة المياه الإقليمية القبرصية على مغادرة المنطقة.



