
“ما بعد ميركل”.. تحديات أمام المستشار الألماني الجديد
بعدما قررت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” الانسحاب من الحياة السياسية بعد 16 عامًا على رأس أكبر بلد أوروبي، فإن ألمانيا مقبلة الآن على نقطة تحول سياسي، وخطوة أولى نحو اختيار خليفة لميركل.
نتائج الانتخابات التشريعية الألمانية المقرر إجراؤها في 26 سبتمبر الجاري، سيكون لها أهمية استثنائية لأنها ستؤسس لمرحلة جديدة في ألمانيا وأوروبا، وسيراقب نتائجها عن كثب قادة الاتحاد الأوروبي لمعرفة من الذي سيخلف المستشارة الألمانية التي تركت بصمتها السياسية في بروكسل وشكلت استجابة أوروبا لبعض أعظم أزماتها، خاصة أن ميركل ستغادر الحكم وسط حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي والأمني نتيجة تداعيات جائحة كورونا، والوضع الأمني المضطرب في الاتحاد الأوروبي عقب انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وما سيتبعه من موجات لجوء جديدة تعاني منها أوروبا في المستقبل القريب.
بحلول 26 سبتمبر، ستصبح ألمانيا ومن خلفها أوروبا بدون “السيدة الحديدية” التي شكلت قيادتها البراجماتية والهادئة رصيدا مهما للاتحاد الأوروبي في الأوقات المضطربة. وساهمت بدور كبير في حل الأزمات الأوروبية والدولية بفضل مهاراتها التفاوضية ومكانتها الدولية وخبرتها الطويلة في العمل السياسي الذي بدأته كنائبة في عام 1989، لترتقي في سلم المسؤوليات السياسية تباعاً، وصولاً إلى تزعمها “الحزب الديموقراطي المسيحي”، عام 2000، ثم المستشارية الألمانية في عام 2005، كأول امرأة تتولى أرفع منصب في الدولة.
وصول ميركل إلى السلطة في عام 2005، جعلها واحدة من أطول المستشارين خدمة في تاريخ الجمهورية الاتحادية. وقادت القارة العجوز لعبور منحنيات شائكة من الأزمات، بدءا بالأزمة المالية العالمية (2007-2008)؛ وأزمة الديون السيادية الأوروبية اللاحقة (2012-2013)؛ وأزمة الهجرة الأوروبية (2015)؛ ثم عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (2016-2020)، والتي ستظل على جدول أعمال الاتحاد الأوروبي لفترة؛ وأخيرا، أزمة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” في عام 2020. وإدارة علاقات أكثر تعقيدا من أي وقت مضى مع الولايات المتحدة والصين
تحديات أمام المستشار الألماني الجديد
سيترك رحيل ميركل “فراغاً كبيرا” ً، لا يمكن لأي زعيم في الاتحاد الأوروبي “سده” بشكل موثوق، وسوف يواجه خليفة ميركل، عددا من التحديات على المستويين الوطني والأوروبي.
فمنصب المستشار الألماني القادم ليس فقط خدمة المصالح الوطنية، بل أيضا ممارسة الأدوار العديدة التي اعتادت ميركل أن تلعبها على الساحة الدولية. واعتمادا على مدى نجاح المستشار الجديد في تحقيق الأهداف الوطنية والأوروبية، فقد تضطر ألمانيا إلى إعادة النظر في هيمنتها على سياسات الاتحاد الأوروبي على الأقل حتى التكيف مع المسار السياسي الجديد. وسواء كان المستشار المقبل هو “آرمين لاشيت” مرشح حزب المحافظين، أو “أنالينا بيربوك” مرشحة حزب الخضر أو “أولاف شولتس” مرشح الحزب الاشتراكي، عليه أن يثبت نفسه كبديل جدير لاستعادة المصداقية التي بنتها ميركل على مدى السنوات الماضية.
داخليًا، استطاعت ميركل خلال فترة حكمها خفض معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، والتغلب على الأزمة المالية العالمية. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، هناك مخاوف تنتاب الألمان إلى جانب الأوروبيين من عدم قدرة من يخلفها في المنصب أياً كانت مؤهلاته، على سد الفراغ الذي تخلفه، فألمانيا واحدة من أكثر الجهات الفاعلة تأثيرا في تشكيل سياسة الاتحاد الأوروبي، وأكبر قوة اقتصادية في أوروبا وأكبر مساهم في ميزانية الاتحاد. بالإضافة إلى دورها المعروف في المحافظة على تماسك الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه، ثم جاءت تداعيات جائحة كورونا لتزيد من تصدع الاتحاد الأوروبي، ويزيد من أهمية الدور الألماني للخروج من الأزمة عبر المساعدة في إقرار خطة الانعاش الاقتصادي وتوفير اللقاحات وتوزيعها على دول الاتحاد.
وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، عندما أدت أنجيلا ميركل اليمين الدستورية في عام 2005، كانت الولايات المتحدة شريكًا مستقرًا لهيكل الأمن الأوروبي وكانت روسيا جارة في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي “الناتو”. ولكن خلال الـ 16 عامًا التي قضتها ميركل في السلطة تبدلت سياسة الولايات المتحدة تجاه الاتحاد الأوروبي خاصة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وأصبحت روسيا مهدد رئيسي للأمن القومي الأوروبي خاصة بعد ضمها شبه جزيرة القرم في 2014، واشتعلت موجات الربيع العربي التي أدت إلى حروب أهلية مدمرة في ليبيا وسوريا واليمن، وتم استغلاله من قبل قوى أجنبية لتوسيع دائرة نفوذهم مثل روسيا في سوريا وتركيا في ليبيا وقوات التحالف الدولي في اليمن.
ونتيجة لهذا فإن كل دول الاتحاد الأوروبي، تتساءل عما إذا كان لاشيت أو بيربوك سوف يقودان الحكومة الألمانية الجديدة، وأي الأحزاب سوف تشكل الائتلاف، وما هي سياسة ألمانيا المقبلة في الاتحاد الأوروبي. وإذا شكل الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاجتماعي المسيحي حكومة وأصبح لاشيت المستشار الاتحادي الجديد، فإن من غير المتوقع حدوث تغييرات كبيرة في سياسة برلين في الاتحاد الأوروبي، وإذا نجح الخضر في تعيين مستشار أو أصبحوا شركاء حكوميين، فقد تكون التدابير الراديكالية لحماية البيئة والمناخ مطروحة على الطاولة على مستوى الاتحاد الأوروبي وفي ألمانيا على حد سواء، لكن سيكون هناك اختلاف كبير على مستوى القضايا الخارجية.
أولاً: تحديات متعلقة بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي
- خطة الانعاش الاقتصادي: وافق الاتحاد الأوروبي على خطة الإنعاش للتعافي من التداعيات الاقتصادية لكوفيد – 19 وقيمتها 750 مليار يورو. وبالتالي سيتعين على صانعي القرار في ألمانيا أن يلاحظوا أن الاختلافات الأساسية بين الاقتصادات الوطنية في الاتحاد الأوروبي سوف تزداد سوءا بسبب وباء كوفيد-19، وسوف يرتفع الدين الوطني لإسبانيا وإيطاليا واليونان بشكل كبير، على سبيل المثال في إيطاليا، سترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 134٪ إلى 155٪ وفي فرنسا سترتفع من 98.1٪ إلى 115٪، مما سيحد من خياراتهم بشأن الإنفاق على التعافي، على عكس ألمانيا التي أعلنت عن أكبر خطة انتعاش اقتصادي في تاريخها، وهي حزمة تحفيز بقيمة 130 مليار يورو. إذاً فإن التفاوت الكبير بين الاقتصادات الوطنية في الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يزيد من صعوبة تماسك منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي بالنسبة لألمانيا، خاصة وأن تعافي الاقتصاد الألماني من الجائحة مرتبط بقدرة دول الاتحاد الأخرى على التعافي.
- حلف شمال الأطلسي “الناتو”: سيواجه المستشار الألماني الجديد تحدي خاص تجاه حلف شمال الأطلسي. فقد دأبت ميركل الدفاع في عن الحلف وأهميته لأوروبا وألمانيا بشكل خاص، وانتقدت علانية تصريحات الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” التي قال فيها أن الحلف في حالة “موت دماغي”، وانتقدت التوترات المتزايدة بين تركيا واليونان وفرنسا بسبب الأزمة الليبية، ورأت أنها خلافات تخل بقدسية حلف الناتو. كما أن القوة العسكرية المتنامية لروسيا في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي وخروج الولايات المتحدة وروسيا من معاهدات الحد من التسلح النووي أدت في الوقت الحالي إلى اتجاه جديد نحو إنتاج أسلحة فرط صوتية. وجعل من الضروري إلزام القادة السياسيين وصانعي القرار الألماني بالقيام بالمزيد من أجل الحلف وأعضاءه للحفاظ عليه كمنظمة للدفاع الجماعي في أوروبا. خاصة أن تصدع حلف الناتو من شأنه أن يضع ألمانيا تحت ضغط لبناء هيكل أمني جديد لأوروبا، في حين تعمل روسيا والصين على توسيع نفوذهما في القارة الأوروبية. ومن أجل تعزيز حلف شمال الأطلسي، يتعين على ألمانيا زيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي، برغم التأثير الثقيل الذي أحدثه وباء كوفيد-19 على وضع الميزانية الألمانية.
- زيادة الإنفاق على المنظمات الدولية: تحتاج الحكومة الألمانية الجديدة إلى زيادة إنفاقها على المنظمات الدولية مثل برنامج الأغذية العالمي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والتي تعتبر ضرورية لدعم اللاجئين ووقف النزوح الذي يعد في مصلحة ألمانيا الحيوية منذ أزمة الهجرة في عام 2015.
ثانيًا: تحديات خارجية
- الدول الاستبدادية: بالنظر إلى التحديات الخارجية التي تواجه ألمانيا وأمنها القومي ومصالحها، من الضروري مواجهة التحديات التي تفرضها الدول الاستبدادية الأخرى مثل تركيا والصين على النظام العالمي الغربي الليبرالي. وسيتعين على الحكومة الألمانية الجديدة تقبل أن القادة الاستبداديين مثل أردوغان وبوتين وجينبينج موجودون للبقاء في السلطة لفترات طويلة: فقد تم انتخاب شي جين بينغ كرئيس مدى الحياة في عام 2018 ، وفاز بوتين مؤخرًا باستفتاء دستوري يسمح له للبقاء في السلطة حتى عام 2036، ووسع أردوغان سلطته أيضًا من خلال استفتاء عام 2017 يسمح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2029. وبالتالي، فإن الحكومة الألمانية الجديدة تحتاج إلى مواجهة هذا السلوك، الذي يتعارض مع مصالح ألمانيا.
- وفيما يتعلق بالصين، أحد أهم الشركاء التجاريين لألمانيا، يمكن للحكومة استخدام علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة الأمريكية للتوسط بينهما، في مقابل، تعزيز الديمقراطية من خلال دعم سيادة تايوان وحركة الديمقراطية في هونج كونج، ومن خلال فرض عقوبات على المسؤولين الحكوميين في هونج كونج، واستبعاد شركات التكنولوجيا الصينية مثل هواوي أو تطبيق “تيك توك” من المشاركة في السوق الأوروبية الموحدة إذا لم تلتزم الصين باحترام حقوق الإنسان. كما يتعين على المستشار الألماني الجديد أن يعزز علاقاته مع الهند وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا، من خلال اتفاقيات تجارية جديدة مثل اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي واليابان أو زيادة المناورات العسكرية بين دول حلف شمال الأطلسي والدول المجاورة الإقليمية للصين.
- شرق المتوسط: سيتعين على الحكومة الألمانية القادمة متابعة التطورات في شرق المتوسط، وخاصة ليبيا وأن تظل داعمة للقضية الليبية والوقوف بشكل دائم لمتابعة تنفيذ مخرجات مؤتمر برلين، والوقوف في وجه تركيا التي تسعى للسيطرة على ليبيا من خلال السلاح والمرتزقة. ولوقف السلوك العدواني لتركيا في المنطقة، يجب على الحكومة الألمانية الجديدة زيادة دعمها لليونان وإسرائيل وقبرص، وإمداد حلفائها الإقليميين بالأسلحة وفرض عقوبات على الاقتصاد التركي، إذا لم تتوقف تركيا عن التنقيب على الغاز في شرق المتوسط بشكل غير قانوني.
- وفي لبنان، على الحكومة الألمانية مساندة لبنان التي باتت على وشك الانهيار، لا سيما بسبب كثرة اللاجئين السوريين الذين يعيشون هناك، فضلاً عن المخاطر الأمنية المحتملة التي تشكلها على إسرائيل حليفة ألمانيا. يمكن أن تكون الخطوة الأولى هي زيادة التمويل للاجئين في لبنان، من خلال تعزيز مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وإرسال مساعدات وخبراء مباشرة لمساعدة الحكومة.
ختامًا،
ستواجه الحكومة القادمة والمستشار الذي سيصل إلى السلطة مجموعة من التحديات من حقبة ميركل وتحديات جديدة ومتطورة، من الساحل الليبي إلى بحر الصين الجنوبي. ولكن من خلال تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، ودعم الديمقراطيات في آسيا، وزيادة المساعدات المالية والسياسية للمنظمات الدولية مثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، يمكن لألمانيا تحسين سياستها الخارجية للسيطرة على هذه التحديات. يمكن لألمانيا أيضًا زيادة أمنها وأمن حلفائها من خلال التزام واضح بالديمقراطية والقيم الغربية، والتي سيتم فرضها بخطوط حمراء على سيادة القانون والحريات المدنية والسلام والتجارة.



