
“سقوط هش”.. كيف سقطت أفغانستان في يد “طالبان”؟
15 أغسطس 2021، هو التاريخ الذي ستسجله “طالبان” على أنه يوم انتصارها، بعد أن سقطت المدن الأفغانية مثل أحجار “الدومينو” واحدة تلو الأخرى وعلى رأسها العاصمة كابول في يد مقاتلي الحركة، الذين دخلوا القصر الرئاسي واستولوا على السلطة، وسط حالة نزوح “مخز” للقوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي “ناتو”، والدبلوماسيين والبعثات الأجنبية، ومغادرة الرئيس الأفغاني أشرف غني، البلاد، لتنزلق أفغانستان في حالة من الفوضى وتتجه نحو مصير “الدولة الفاشلة” وحرب أهلية يزدهر فيها تنظيم القاعدة.
سقوط “كابول” والسيطرة عليها يحظى بأهمية استراتيجية بالغة وورقة ضغط بيد “طالبان”، التي تسعى للإستيلاء على السلطة بالقوة وإعادة تأسيس “إمارة إسلامية”، فطالبان لا ترضى بأقل من حكم أفغانستان، وتفردها بالحكم سيجعلها تسعى إلى تحقيق عدد من الأهداف المباشرة: تتمثل في تعزيز بعض الشرعية المحلية لوجودها، من خلال عقد اجتماعات مع الزعماء الأفغان التقليديين، وإقامة حكومة تشاركية في أفغانستان، وطمأنة الشعب الأفغاني أنه لن يكون هناك انتقام من أي أحد، فضلاً عن إقامة علاقات تجارية مع الصين، باكستان، إيران ودول آسيا الوسطى لضمان استمرار الإمدادات من المواد الغذائية والمعدات العسكرية.
في المقابل، فإن إنشاء قيادة إقليمية سيشكل تحديًا للقيادة المركزية لطالبان، التي سيتعين عليها الآن التعامل مع طموح الفصائل بالإضافة إلى إدارة تطلعات القادة “العرقيين المحليين” الذين سيسعون إلى صفقاتهم الخاصة. وبالتالي، من المرجح أن يكون حفاظ “طالبان” على السلطة أصعب من الاستيلاء عليها.
كيف سقطت أفغانستان
ويعكس التقدم السريع لمقاتلي طالبان، إخفاق جهود الولايات المتحدة، الرامية إلى تحويل الجيش الأفغاني، إلى قوة قتالية قوية ومستقلة. فقد أنفقت الولايات المتحدة خلال 20 عاماً، أكثر من 88 مليار دولار في تسليحه (الجيش الأفغاني)، وتزويده بالمعدات والتدريب، لكن ذلك لم يمنع القوات الأفغانية من الانهيار أمام هجوم طالبان التي تملك ترسانة هائلة حصلت عليها من “العدو”، وتسارعت وتيرة سقوط أفغانستان تحت قبضة “طالبان” على خلفية عدد من العوامل ساهمت في ذلك، أبرزها:
- استسلام قوات الجيش والشرطة لمقاتلي الحركة: تمكنت طالبان على مدى الشهور الماضية، من محاصرة الجنود الحكوميين في نقاط الحراسة، بالمناطق الريفية، وقدمت وعودا لهم بعدم التعرض إذا ما استسلموا وتركوا معداتهم . ومع انسحاب قوات التحالف الدولي، لم تبد وحدات الجش الأفغاني أي مقاومة تجاه “طالبان”، وفي كثير من المدن الأفغانية، طلب حكام المقاطعات من قوات الأمن الاستسلام أو الفرار، لتجنب إراقة الدماء لأن الهزيمة أصبحت أمرا حتميا.
- فساد الجيش الأفغاني: رغم، أن العدد المسجل لأفراد الجيش الأفغاني يبلغ 300 ألف جندي، فإن الموجود على الأرض، لا يتجاوز 60 ألفا فقط، وأنه جرى التلاعب بالعدد، بفعل الفساد والسرية، التي تميز تعامل المسؤولين الأفغان مع القضية. كما أن القادة الرئيسيين في الجيش كانوا يتصرفون طوال السنوات الماضية كـ”أمراء حرب”، ويعتبرون الجيش مؤسسة كبرى للحصول على المزايا، وبناء شبكة من المنافع والمحسوبيات، عبر دوائر عائلية ومناطقية، تفتقد لروح العقيدة العسكرية المتماسكة. وهذا النمط غير المنضبط ساهم في تفكك، وفرار عناصر الجيش حتى قُبيل دخول المعارك أمام مقاتلي طالبان. كما أن اعتماد الجيش الأفغاني على مرتزقة يتقاضون رواتب شهرية، ليست لديهم رغبة في القتال، سيتوقفون عن التحرك مع توقف الرواتب التي كانوا يحصلون عليها، بل أن بعضهم بادر بالانسحاب من مواقعه قبل وصول حركة “طالبان”.
- الحصول على أسلحة متقدمة: لدى حركة “طالبان” كميات مهولة من الأسلحة الأمريكية الحديثة، حصلوا عليها من مخازن الجيش الأفغاني، واستولوا على طائرات هليكوبتر عسكرية أمريكية من مطار قندهار، كما استولوا على مركبات تكتيكية وعربات “همفي” وأسلحة صغيرة وذخيرة، قدمتها واشنطن للجيش الأفغاني، تصل قيمتها إلى 88 مليار دولار منذ عام 2002. إلى جانب ذلك، تمتلك الحركة أسلحة أخرى مخزنة منذ عهد الاحتلال السوفياتي في ثمانينيات القرن المنصرم، ومعها أسلحة إيرانية وباكستانية، وكانت تلك الأسلحة تُستعمل بكثافة عالية أثناء المعارك.
- عدم استعداد الحكومة الأفغانية لتبعات الانسحاب: الحكومة الأفغانية لم تكن مستعدة بشكل جيد لتبعات انسحاب القوات الأجنبية من البلاد، خصوصاً أن الاعتماد عليها في توفير الأمن وتحقيق الاستقرار كان واضحا، ولم تهيئ نفسها على مدار السنوات الماضية لهذه اللحظة. كما أن حكومة “أشرف غني” لم يكن لديها رؤية تجاه البلاد بشكل واضح، ولا تتعامل معها بقدر من المسؤولية، وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، ظهر الزعماء السياسيون الأفغان فاقدين لأية قدرة على تقديم مشروع وطني لبناء دولة وحكومة في أفغانستان، في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي. بالإضافة إلى عدم وجود تجانس بين أعضاء الحكومة، ووجود خلافات أيديولوجية وفكرية بينهم، لأن عددا ليس بالقليل منهم جاء لتولي منصبه بعدما عاش فترات طويلة في الخارج، ومن ثم حاولوا تطبيق مفهوم للديمقراطية بنفس النموذج الغربي في بلد يعاني من الفقر والحرمان.
كيف فشلت واشنطن في أفغانستان
بينما تسارع الولايات المتحدة الخطى لإجلاء رعاياها من أفغانستان، تؤكد أن الهدف الرئيسي من تدخلها في أفغانستان قبل 20 عاما كان ملاحقة مدبري هجمات 11 سبتمبر، وأن واشنطن نجحت في تحقيق هذا الهدف.
فقد دخلت الولايات المتحدة، أفغانستان، للقضاء على نفوذ “طالبان” وإعادة بناء الدولة على أسس وقيم الحرية والديمقراطية، ورغم المعارك والجهود التي بذلت والأموال التي أنفقت، لم تحقق نصراً يذكر، وانتقلت واشنطن في سياق مواجهتها للمعضلة الأفغانية من سياسة إعادة البناء إلى سياسة الحد من الخسائر بعد الاعتراف بالفشل في إقامة بناء نظام قابل للحياة في أفغانستان.
الانسحاب الأمريكي من أفغانستان أضر بمصداقية بايدن الذي يتحدث دوماً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارها محور أجندته للسياسة الخارجية، وذلك بعد أن تخلى عن حكومة أفغانية منتخبة ديمقراطيا. وسيقلل الانسحاب من مكانة الولايات المتحدة على المسرح العالمي، وسيسجل التاريخ أن بايدن، صاحب الخبرة الطويلة في السياسة الخارجية، فشل في المهمة الأكثر أهمية في رئاسته، فالصور المنتشرة عن مغادرة القوات الأمريكية والقوات المكلفة إجلاء الدبلوماسيين من السفارة، لا تجعل الولايات المتحدة تبدو كقوة عظمى تستحق التنافس مع الصين، التي تراقب كل هذه الأحداث وتشعر بالسعادة مع رؤية الولايات المتحدة في وضع مهين بعد 20 عاماً من الحرب هناك.
وكان بوسع بايدن أن يعتمد نهجاً أكثر حكمة يسمح بجدول زمني أطول لانسحاب القوات الأمريكية بدرجة عالية من الأمان، بالتوازي مع نشر مؤقت لقوات أمريكية إضافية لضمان عدم تعطيل الدعم العسكري للقوات الحكومية، ما كان سيحقق فرقاً كبيراً على الأرض. ولكن ما حدث، سيجعل أفغانستان أكثر خطورة على الولايات المتحدة أكثر مما كانت عليه قبل 11 سبتمبر. فأفغانستان بقيادة طالبان توفر ملاذًا آمنًا للإرهابيين من جميع أنحاء العالم، مع الأخذ في الاعتبار أن لديهم الآن ميزة وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات عبر الإنترنت لتعزيز قدرتهم بشكل كبير على التخطيط والتنظيم والتجنيد وتنفيذ العمليات في الولايات المتحدة وأي مكان آخر.
لقد رأى بايدن أن حرب أفغانستان عاصرت أربعة رؤساء، هو من ضمنهم، ولن يدعها تعبر للرئيس الخامس، لكن انسحابه من أفغانستان بهذا الشكل، وعودة طالبان، يعني أن بايدن مرر أزمة أفغانستان للأجيال القادمة، والرؤساء القادمين، وبدأ بنفسه. كما كشفت خطته للانسحاب عن فشل في جميع جوانبها، تمثل في:
- سوء التقدير: أكد بايدن أن الانسحاب الأمريكي لا يعني استيلاء طالبان على السلطة، لأن القوات الأفغانية تقدر بـ300 ألف جندي مدربين جيدا، ومجهزين بقدر تجهيز أي جيش في العالم وقوات جوية، في مقابل وجود نحو 75 ألفا من عناصر طالبان. كما حاول بايدن التقليل من إمكان المقارنة بين الانسحاب من أفغانستان والنهاية البائسة للحرب في فيتنام. ولكن، بحكم الواقع والتاريخ، يصعب منع المقارنة بين اليوم وما حدث في فيتنام قبل نحو 46 عاماً. حيث قاتلت القوات الأمريكية في فيتنام لمدة ثماني سنوات، بينما تقاتل في أفغانستان منذ 20 عاماً، واستغرق الأمر أكثر من عامين حتى سقطت فيتنام الجنوبية في يد قوات فيتنام الشمالية الشيوعية، بعد الانسحاب الأمريكي، أما أفغانستان فقد سقطت في يد طالبان قبل أسبوعين من انتهاء الانسحاب الأمريكي المقرر في 31 أغسطس الجاري.
- عدم الإصغاء لنصائح العسكريين الأمرييكين: إن الطريقة التي أعلن بها بايدن انسحاب القوات الأمريكية ورحيلها النهائي من دون تنسيق كاف مع الحكومة الأفغانية، هو ما أدى إلى الوضع الحالي. وعدم استماع بايدن لنصائح المخططين العسكريين الأمريكيين الذين يعلمون جيداً أن للحرب في أفغانستان نمطاً موسمياً، إذ تتراجع قيادة طالبان كل شتاء إلى قواعدها في باكستان أو بالقرب منها، ثم تبدأ حملة القتال في الربيع وتصل إلى ذروتها في الصيف بعد حصاد “الخشخاش”. وكان ينبغي على الولايات المتحدة أن تستمر في دعم الحكومة الأفغانية خلال هذه الفترة لمساعدتها في تخفيف حدة هجوم طالبان، وكسب الوقت للتخطيط لمستقبل خال من المساعدة العسكرية الأمريكية.
- التوصل لصفقة في صالح طالبان: الصفقة الحالية التي توصلت إليها الولايات المتحدة و”طالبان” بعد مفاوضات شاقة مع إدارة ترامب السابقة، كانت في صالح الحركة فقط، فهي لم تضمن انفصال “طالبان” عن القاعدة، ونزعت الشرعية عن الحكومة الأفغانية لأنها لم تكن طرفا في المفاوضات، فضلاً عن أنها رفعت مكانة طالبان في المجتمع الدولي. وخلال المفاوضات، أظهرت حركة “طالبان” القليل من الاهتمام بالتسويات اللازمة للتوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة.
- الفشل في تعطيل مشروع بناء دولة “طالبان”: إن الهدف الرئيسي لطالبان هو العودة إلى السلطة، واستعادة إمارة أفغانستان الإسلامية (الاسم الرسمي لحكومتهم من عام 1996 إلى عام 2001)، وفرض شريعتهم القاسية على الشعب الأفغاني. وكان يجب على إدارة بايدن الاحتفاظ بوجودها في البلاد، فيمكن للقوات الأمريكية أن تواصل تدريب ودعم القوات الأفغانية التي تقاتل طالبان. وأن تظل القوة الجوية الأمريكية بمثابة أداة رقابة فعالة على طالبان، ففي منتصف أكتوبر 2020، ساعد الدعم الجوي الأمريكي الحكومة الأفغانية على منع عاصمة إقليم هلمند من السقوط في أيدي طالبان.
- فشل الحفاظ على الخيارات العسكرية مفتوحة: إذا كانت الولايات المتحدة لا ترغب في الاحتفاظ بقواتها في أفغانستان، فلا يزال لديها الوسائل للمساعدة في إبطاء عودة طالبان إلى السلطة وعودة ظهور القاعدة، ولكنها لم تفعل ذلك، فبإمكان واشنطن أن تستمر في تقديم المساعدة العسكرية والدعم الاقتصادي والدبلوماسي للحكومة الأفغانية وقواتها. وكان يمكن للولايات المتحدة أيضًا أن تشجع الدول الإقليمية التي لديها مصالح في رؤية فشل طالبان، مثل الهند، أن تدعم الحكومة الأفغانية.
- فشل عزل طالبان دبلوماسيًا: كان يجب على الولايات المتحدة أن تتراجع عن جهودها لإضفاء الشرعية على طالبان كجهة فاعلة مسؤولة في أفغانستان وفي المجتمع الدولي. وإغلاق المكتب السياسي لطالبان في الدوحة على الفور. حيث تستخدم طالبان هذا المنصب للترويج لنفسها على أنها الحكومة الحقيقية لأفغانستان وكذلك لجمع الأموال وتطوير الاتصالات في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه. وكان يجب أن ينتهي الحديث عن شطب قادة طالبان من نظام عقوبات الأمم المتحدة. وإضافة قادة ونشطاء طالبان السياسيين والعسكريين إلى قائمة عقوبات الأمم المتحدة.
- اعتماد طالبان على باكستان كملاذ آمن: حيث تدير طالبان مكاتب التجنيد ومعسكرات التدريب والمدارس الدينية ومستودعات تخزين الأسلحة والذخيرة والمستشفيات والبيوت الآمنة في باكستان. وتعيش عائلات كبار قادة طالبان وذوي المستوى المتوسط في باكستان بموافقة الحكومة. ويوفر الجيش الباكستاني ومديرية المخابرات الداخلية التابعة له الأسلحة والذخائر والمشورة لجيش طالبان. لذا كان يجب على الولايات المتحدة أن تمارس ضغطًا حقيقيًا على باكستان لحملها على إنهاء هذا الدعم. وتطبيق نظام عقوبات مشابه للنظام الذي يستهدف إيران للضغط على الحكومة الباكستانية لوقف دعمها لطالبان.
ختاما، لقد كانت الإرادة السياسية لضمان عدم استعادة “طالبان” للسلطة وعدم احتفاظ تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى بملاذات آمنة في أفغانستان غائبة عبر الطيف السياسي الأمريكي والإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 2001. فالعلاقات بين “طالبان” و”القاعدة” ظلت قوية كما كانت دائمًا. وطالبان اليوم أقوى من أي وقت مضى منذ 11 سبتمبر، ولا تزال القاعدة تشكل تهديدًا قويًا للولايات المتحدة. لذلك، فإن للولايات المتحدة مصالح أمنية قومية ملزمة في منع “طالبان” من استعادة السيطرة على أفغانستان والحد من التهديد الإرهابي النابع من جنوب آسيا. وكان يجب على إدارة “بايدن” تنفيذ العديد من السياسات لتحقيق هذه الغاية لكنه فشل وتعجل الانسحاب.



