
ألمانيا.. كلمة السر في تنامي نفوذ جماعات العنف والتطرف
شهدت ألمانيا في السنوات الأخيرة، تنامي نشاط التنظيمات والجماعات المرتبطة بالعنف والتطرف، وأصبحت ملاذاً لجماعة الإخوان الإرهابية والجماعات المرتبطة بها للانطلاق نحو أوروبا. وشكلت الأموال الأجنبية من تركيا وقطر أحد العوامل الدافعة لتوسع نشاط تلك التنظيمات، وأصبح أعضاء جماعة الإخوان يسلكون طرقا متعارضة ومتناقضة مع الدستور والقانون الألماني. ما أدى إلى تصاعد استشعار الخطر تجاه الجماعة.
اعترفت المخابرات الداخلية الألمانية بأن جماعة الإخوان نجحت في بناء شبكة قوية وواسعة النطاق في ألمانيا. واكتسبت نفوذًا في السنوات الأخيرة، وأصبحت أخطر من تنظيمي داعش والقاعدة. وعلى الرغم من أن الجماعة تملك وجودا قويا عبر 1350 قياديا وعشرات المؤسسات والجمعيات المنتشرة في ولايات البلاد الـ16، لكن ما زالت الاستخبارات الداخلية تصنف الجماعة “معادية للدستور والديمقراطية”، وتخضعها للرقابة فقط.
وفي سابقة تُعد الأولى من نوعها أفردت صحيفة تاجس تسايتونج الألمانية TAZ، لـ خالد سويد رئيس منظمة التجمع الإسلامي بألمانيا (DMG) التي تراقبها هيئة حماية الدستور، مكانًا بالصحيفة وسمحت له بكتابة مقال للدعاية لمنظمته المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية تحت عنوان “حلقة مفرغة من الإقصاء“، والتي تحدث فيها عن الإقصاء المُفرط الذي يتعرض له المسلمون من المانيا.
وأشار في مقاله إلى أن السلطات الأمنية والسياسيين ووسائل الإعلام لديهم أحكام مُسبقة ضد قدرة المسلمين على تطبيق الديمقراطية. وأن الجمعيات الإسلامية لا تزال متهمة بأنها تهدف إلى اختراق المجتمع لإقامة الدولة الدينية. وهذا لن يمنح تلك الجمعيات فرصة تُذكر لإقناع المجتمع بالتزامها بالديمقراطية، على الرغم من الاندماج الجيد الذي دام لعقود.
وأعرب سويد عن أسفه لذكر منظمة التجمع الإسلامي(DMG) في التقرير الحالي لهيئة حماية الدستور، حيث قال: إن “ألمانيا مازالت بحاجة إلى الكثير لتتمكن من اللحاق بالركب فيما يتعلق بالقبول والتنوع”. ولكنها بهذه الطريقة تقوي من المسلمين المتطرفين الذين يعملون حقا ضد الاندماج. كما أن الاعتقاد الراسخ بأن ما يُسمى” بالإسلام السياسي” يسعى لاختراق الدولة الألمانية، إنما يشوه كل مبادرة مهما كانت كبيرة، ويخلق مناخًا من عدم الثقة، وهكذا تقع المنظمات الإسلامية في دائرة مفرغة.
ومن الجدير بالذكر أن خالد سويد كان رئيسًا للجالية المسلمة في ألمانيا، التي كانت تُعرف حتى وقت قريب باسم الجماعة الإسلامية ولا يوجد ذكر لإعادة التسمية هذه على الصفحة الرئيسية للمنظمة. وهذا ما يلاحظه مكتب حماية الدستور وينظر إليه على أنه التمثيل الألماني لجماعة الإخوان الإرهابية. وقد استخدم سويد في مقاله بشكل غير مباشر مطالب حزب البديل من أجل ألمانيا بحظر مراقبة المنظمات الإسلامية لدرء الانتقاد الموجه لجمعيته والتحذيرات من خططها المتطرفة، ويخدم سويد بذلك النفور المنتشر في الدوائر اليسارية ضد اختراق الحماية الدستورية المزعومة لليمين.
هيئة حماية الدستور.. تزايد نفوذ جماعة الإخوان
حذر تقرير المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية) الصادر في يوليو الماضي من تزايد نفوذ جماعة الإخوان الإرهابية، وأكد استمرار انتشار الجماعة في ألمانيا. وذكر في هذا الصدد تحديدًا، أن عدد المنضمين الجدد تجاوز الألف شخص تقريبًا. كما لفت أن تقديراته لهذا العدد ترجع إلى عدد المساجد والمنظمات التي تشكل شبكة العمل السرية للجماعة.
أشار التقرير إلى وجود زيادة في عدد المتطرفين بنسبة 5.5% من 26.560 في عام 2018 إلى 28.020 في عام 2019. وكانت أكبر زيادة لعدد المنضمين إلى الجماعة من “منظمة التجمع الإسلامي” في ألمانيا، وفيها ارتفع عدد الأشخاص من 1.040 إلى 1.350 شخصًا، وهو ما يعد زيادة بنسبة 30% تقريبًا.
وأوضح تقرير هيئة حماية الدستور، أن جماعة الإخوان تنشط بشكل خاص في ولاية شمال الراين-فيستفاليا، التي تعتبر أكثر الولايات الألمانية تجمعاً للأجانب، وانتشاراً للمراكز الإسلامية التابعة للحكومة التركية، التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية، المقرب من جماعة الإخوان. ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الفيدرالية عن وجود 310 مؤيد جديد لهذا التيار المتطرف، أفاد مكتب ولاية شمال الراين لحماية الدستور عن وجود حوالي 185 مؤيدًا جديدًا للإخوان. وإذا تم أخذ كلا الرقمين في الاعتبار، فإن هذا يؤدي إلى استنتاج مفاده أن عدد أتباع الجماعة في ولاية شمال الراين يزداد بشكل أسرع من جميع الولايات الألمانية الخمس عشرة الأخرى مجتمعة.
ويعتبر تقرير هيئة حماية الدستور أن الإخوان أكثر خطورة من تنظيمي القاعدة وداعش، حيث يشير إلى أنهم لم يسعوا جاهدين لتحقيق أهدافهم بالعنف ولكن بـ”العمل عبر المؤسسات”. وهذا يجعل التعرف على أنشطتهم أكثر صعوبة. وأبدى التقرير مخاوفه من تسلل الجماعة إلى النخبة المثقفة في ألمانيا، حيث تعتمد في المقام الأول على النخب، وثبت أن إشكالية جماعة الإخوان على وجه التحديد تكمن في أن المنظمة تستهدف جذب أشخاص مدربين أكاديمياً لعضويتها. ويفضل أن يكون لديهم القدرة على التحدث وأن يكونوا جديرين بالثقة لتمثيلهم. ولفت التقرير أن الخطر في أن أعضاء جماعة الإخوان المتخفيين يظهرون غالبًا في أعين السياسيين والشركاء الاجتماعيين، كمحاورين جاديين وموثوق بهم.
ولكن يؤخذ على تقرير هيئة حماية الدستور نقطة هامة جداً، حيث لم يعلن عن أماكن انتشار المنضمين الجدد للجماعة والذي ذكر بأن عدهم وصل إلى 1350 شخص، وذلك على عكس الجماعات اليمينية واليسارية المتطرفة، التي تعلن بدقة عن أماكن تواجدهم والجمعيات التي ينظمون أنفسهم فيها. ولا يزال من المستغرب كيف يتم تجاهل الخطر المحتمل للإخوان من قبل المخابرات الداخلية الألمانية، على الرغم من إعلانها أن جماعة الإخوان ومنظمة التجمع الإسلامي DMG المنسوبة للإخوان تهدف إلى تغيير طويل المدى في المجتمع واختراقه بهدف إقامة نظام اجتماعي وسياسي محتمل قائم على الشريعة. وهو ما يعني وجود روابط هيكلية وأيديولوجية وثيقة بين الجماعة ومنظمة التجمع الإسلامي.
وعلى الرغم من نفي منظمة التجمع الإسلامي المتكرر وجود أي صلة لها بجماعة الإخوان، وأبدت مراراً التزماً بالقانون الأساسي والنظام الليبرالي الديمقراطي، لكن هذا ما هو إلا جزء من نهج تآمري وازدواجية في خطاب المنظمة. حيث تشير وثيقة مسربة أنه عندما توفي الرئيس السابق، محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان الإرهابية، دعا أكثر من 300 مسجد في ألمانيا لإقامة صلاة الجنازة عليه، ترتبط غالبيتها بالتجمع الإسلامي، وتعتقد ألمانيا أن الجماعة ممولة من تركيا عبر الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية. كما يحصل الإخوان على مساعدات من الحكومة التركية الحالية. كما وثّق المكتب الاتحادي لحماية الدستور وجود 900 مسجد يديرها الاتحاد الإسلامي التركي، تخدم نحو ثلاثة ملايين مسلم تركي، ويُعتقد أن قرابة 10% من تلك المساجد تخضع لإشراف وثيق من قبل الاستخبارات التركية.
اتجاه نحو حظر جماعة الإخوان
عقب صدور تقرير المخابرات الداخلية الألمانية في ولاية بادن فورتمبيرغ في يونيو الماضي، والذي وصف الجماعة بالخطر الذي يهدد الولاية وأمنها، تصاعدت الدعوات لاتخاذ إجراءات أكثر تصعيداً ضد الجماعة على غرار تصنيف حزب الله ضمن القوى التي تشكل خطراً على الأمن القومي الألماني. خاصة وأن عدد أعضاء حزب الله في الولاية وصل خمسة وسبعين شخصا، في حين أن عدد أعضاء جماعة الإخوان الإرهابية وصل مائة وتسعين شخصاً.
التحرك الألماني الجديد ضد الجماعة في ولاية بادن فورتمبيرغ، تدعمه عدد من الولايات الأخرى التي تتجه بشكل فعلي للتعامل مع خطر الجماعة على الأمن القومي، خاصة في ظل توتر العلاقات بين ألمانيا وتركيا، وإمكانية استخدام تركيا لنفوذ الجماعة داخل البلاد، كورقة ضغط ضد الحكومة الألمانية.
تمويل قطري للمساجد التابعة للجماعة
تعد ألمانيا وجهة أساسية لأموال قطر، كما أن التنظيمات المرتبطة بالإخوان تعد شريكا مهما للدوحة، ومتلقي أساسي للدعم القطري. فقد مولت قطر حوالي 140 مسجدًا ومركزًا إسلاميًا تابع لجماعة الإخوان بحوالي 72 مليون يورو عبر أوروبا من خلال منظمة قطر الخيرية، وبالتالي تدفقت الأموال أيضًا إلى ألمانيا. حتى أن مساجد في (شتوتجارت وأولم) قد طلبت أيضًا الحصول على منح مالية من قطر.
كما مولت عشرة مؤسسات ومشاريع تابعة للجماعة. وضخت أكثر من 5 ملايين يورو في مؤسسات الإخوان، بواقع 96 ألف يورو لمنتدى الإسلام في مدينة ميونخ، و400 ألف يورو في مركز ومسجد دار السلام في برلين، و300 ألف يورو لمؤسسة في بلدة دينسلاكن بولاية شمال الراين ويستفاليا. كما منحت قطر تمويلا ضخما بلغ 4.4 مليون يورو لصالح مؤسسة مركزية للإخوان في برلين.
ويحصل الإخوان على الدعم عبر مؤسسة “قطر الخيرية” التابعة للحكومة، بينما تحصل المجموعات السلفية الأخرى على مختلف أنواع الدعم من مؤسسة “عيد الخيرية”. وهاتين المؤسستين لا توفران الدعم المالي للجماعة فحسب، بل تعملان كذلك كغطاء لأنشطة الكثير من الفروع التابعة للجماعة.
وتتعاون مؤسسة “عيد الخيرية” التي أسسها القطري “عبد الرحمن النعيمي”، المدرج على قائمة الإرهاب العالمية منذ عام 2013، بسبب تمويله تنظيم القاعدة في العراق وسوريا، بشكل وثيق مع المنظمات السلفية في ألمانيا، وأطلقت مؤخراً مشروعات خاصة بها في ألمانيا، تعمل على نشر رسائل متطرفة موجهة إلى الأوروبيين بشكل أساسي. وتؤكد المعلومات أن حكومة قطر هي التي تمول أنشطة “عيد الخيرية”، بينما توفر تركيا حاضنة جغرافية لجميع مؤتمراتها السنوية. وقد أصبح مستشار أردوغان الشخصي ياسين أقطاي، هو مَن ينسق كل اجتماعات الإخوان والمنظمات الإسلامية الأخرى على الأراضي التركية.
وأكد تقرير لإذاعة صوت ألمانيا “دويتشه فيله”، أن قطر احتضنت الجيش الإلكتروني لداعش، ووصف الدوحة بأنها أكبر حاضنة لحسابات أنصار التنظيم الإرهابي على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أظهر تحليل حسابات تويتر في قطر أ ن في كل ثانية تصدر تغريدة تحمل خبراً داعماً ومؤيداً لداعش، وأن 50% من تغريدات قطر تدعم وتساند التنظيم الإرهابي.
ألمانيا.. الملاذ الآمن لنشاط حزب الله
كانت ألمانيا ملاذاً آمناً لأنشطةِ حزب الله، إلى أن تم إعلان حظر التنظيم اللبناني المتطرف في 30 أبريل الماضي، حظراً تاماً، وتصنيفه بجناحيه، السياسي والعسكري منظمة إرهابية. وجاءت هذه الخطوة بناء على تقرير هيئة حماية الدستور، الذي حذر من أن حزب الله يستغل البلاد لتوفير الدعم المالي واللوجيستي لقياداته وعملياته، ويمتلك نحو 30 منظمة ومسجدا في ألمانيا، وتنشط عناصره المؤثرة في جمع التبرعات والتجنيد وغسيل الأموال.
يعود تواجد حزب الله في ألمانيا إلى عشرين عاماً مضت، سعى خلالها إلى تشكيل شبكات مالية ومصرفية وتجارية عبر عدد من المهاجرين اللبنانيين المناصرين له. ويعمل الحزب من خلال شبكة متشابكة إلى حد يصعب معه تحديد كل المؤسسات التابعة له. ووفقاً لتقرير نشرته قناة Fox News بالاستناد إلى تقارير المخابرات الألمانية الصادرة العام الماضي، فإن هناك 1050 من عناصر حزب الله النشطين في ألمانيا، وفي برلين، يتواجد مركز الإمام رضا الذي يعد مركز شبكة المليشيات اللبنانية في ألمانيا، والمحرك الأساسي لأنشطتها المشبوهة. كما كشف تقرير القناة أيضاً عن معلومات استخباراتية صادرة في مدينة بريمن، تفيد بأن “مركز المصطفى المجتمعي” الذي يسيطر عليه حزب الله، هو مركز رئيسي لجمع التبرعات للحزب، وعمل على إرسال الأموال مباشرةً إلى مقره في بيروت.
كما كشفت هيئة الاستخبارات الألمانية أن حزب الله خزن بجنوب ألمانيا ما يسمى بـ”الحزم الباردة” (Cold-Packs)، التي تحتوي على نيترات الأمونيوم، والتي تسببت في انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس. وقد عثرت الاستخبارات على مخزن النيترات في مايو الماضي لتتأكد لدى السلطات الألمانية صحة الخطوة التي اتخذتها برلين في حظر تحركات الحزب.
على جانب آخر، لم ترتبط مشكلة الحكومة الألمانية مع أنشطة حزب الله بالإرهاب فقط، وإنما امتدت إلى نشاط شبكات الحزب بالجريمة المنظمة، حيث ظهرت تجارة المخدرات بين أنشطة الحزب في ألمانيا عبر بعض العائلات الموالية له، واستندت إلى الفتوى الصادرة عن مرجعياته الدينية عام 1980، والتي بررت عمليات الاتجار، وقالت إن هذه المخدرات تتجه للشيطان، “أمريكا واليهود”، وإذا لم يتمكن الحزب من قتلهم بالسلاح، فسوف يقتلهم بالمخدرات. وقد تصاعد نشاط تجارة المخدرات في ألمانيا خلال السنوات السابقة، على اعتبار أن الحزب بدأ يستشعر بالأزمة المالية الكبيرة، بسبب الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران من قبل الغرب، إلى جانب تنشيط أعمال غسل الأموال.
ومول النظام القطري أيضًا حزب الله بالسلاح، ووفقا لتقرير صادر عن قناة Fox News، فقد اخترق المحقق الأمني الخاص، جيسون جي، أعمال شراء الأسلحة في قطر، وكشف أن “أحد أفراد العائلة المالكة” سمح بتسليم عتاد عسكري لتنظيم حزب الله اللبناني. ووثق ملف قدمه جيسون جي، الدور الذي لعبه عضو العائلة الملكية منذ عام 2017، في مخطط مترامي الأطراف لتمويل الإرهاب. وبحسب الملف، فقد حاول سفير قطر لدى بلجيكا وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، عبد الرحمن بن محمد الخليفي، دفع مبلغ 750 ألف يورو لجيسون جي، بهدف إخفاء دور النظام القطري في إمداد حزب الله بالأموال والأسلحة.
لكن جيسون جي، الذي يستخدم اسماً مستعاراً لحماية نفسه، قال في المقابل إن هدفه “وقف تمويل قطر للمتطرفين”، مؤكدا أنه يجب إزالة التفاحة الفاسدة من السلة”، في إشارة إلى الدور الذي تلعبه الدوحة في النظام الدولي ودعم الإرهاب والتطرف.



