
فصول كورونا تتوالى.. وفرنسا تتهيأ للأسوأ
بينما كان “كوفيد-19” يضرب الصين وبقوة، مضت فرنسا في الإعداد للانتخابات المحلية وإصلاح نظام التقاعد. حيث كان الاعتقاد السائد لدى الأوساط السياسية والشعبية أن هذا الوباء لن يصل إليهم. وعندما وصل الوباء إلى إيطاليا المجاورة بكثافة مرعبة حيث تم عزل مدن بكاملها، دق ناقوس الخطر عند الفرنسيين الذين استيقظوا على وقع تغطية قنوات الأخبار المتواصلة وهي تتحدث عن ظهور أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد في 24 يناير الماضي، لتتضاعف الأعداد بصورة مفزعة وتصبح فرنسا ثالث بلد أوروبي بعد أسبانيا وإيطاليا من حيث الإصابات والوفيات.
كشف النهج الفرنسي في التعامل مع الأزمة، أن الحكومة لم تقيم خطور الوضع بجدية، وتأخرت في اتخاذ خطوات ملموسة للحد من تفشي الجائحة، وارتفعت أصوات من المشهد السياسي والوسط الطبي تحاول مقاضاة السلطات الفرنسية وتحميلها مسئولية اتخاذ قرارات متأخرة صحية وأمنية واقتصادية لحماية صحة الفرنسيين. فبينما كانت إيطاليا تتصدر بؤرة الوباء في العالم، تم السماح بلقاء كروي بين فريقين فرنسي وإيطالي وفتح الأبواب أمام جمهور إيطالي يقدر بثلاثة آلاف شخص للقدوم إلى فرنسا.
فشل النهج الاستراتيجي في التعامل مع الأزمة، تكشفه مقارنة بسيطة بالأرقام، بين فرنسا وتايوان، التي لم يفصل بينهما سوى يومين فقط في الإعلان عن تسجيل أول حالة إصابة، ومع كتابة هذه السطور، فإن تايوان التي ترتبط بعلاقات تاريخية وثقافية بالصين لم تسجل سوى 379 حالة إصابة توفى منهم خمس حالات فقط. بينما سجلت فرنسا أكثر من 110 ألف حالة إصابة وارتفع عدد الوفيات إلى أكثر من 10 آلاف شخص. وفي ظل هذه الأعداد تعلن فرنسا أنها لم تصل إلى ذروة انتشار الوباء بعد.
فضلا عن ذلك، شكلت سياسة الحكومة تجاه اختبارات الكشف عن الإصابة، موضع جدل، نظرا لأن الحكومة ترفض إجراؤها لمن يريد أو من يشتبه بإصابته بالفيروس، وإنما تقتصر على الإصابات الواضحة، المسنون والحوامل، بينما يترك المشتبه في إصابتهم في الحجر الصحي في منازلهم دون التحقق من ذلك، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة وتفشي الوباء.
خطوات فرنسا في بداية الأزمة
عمل النهج الفرنسي في اتجاه السيطرة على الفيروس، والحد من انتشاره، وحصره في مناطق بعينها داخل أقاليمها الجغرافية، من خلال العزل الصحي، وعبر ما يُسمى بسياسة “تسطيح المنحنى” من خلال مستويين:
المستوى الأول، القيام بعملية توعية للرأي العام عبر مراسلة الفرنسين وشرح مختلف الخطوات الاستباقية التي يجب عليهم القيام بها لمحاربة العدوى وهي تطال بالأساس اللجوء إلى تصرفات حول النظافة وطريقة التعامل بعض الأماكن العامة مثل المواصلات. تزامنت هذه الحملة مع وضع كل الأشخاص الذين قضوا أياما في مناطق تبين أن فيروس كورونا نشط فيها مثل دول الصين وإيران وإيطاليا تحت الحجر الطبي لمدة أسبوعين كما منعت الأطفال الذين قضوا عطلتهم المدرسية في احدى هذه الدول من الالتحاق بمدارسهم قبل التأكد من سلامتهم. وقد اتخذت الحكومة الفرنسية قرارًا مهمًا بمنع التجمعات التي يتجاوز المشاركون فيها الخمسة آلاف شخص طال هذا القرار صالات العروض الفنية بكل أنواعها وغلق متحف اللوفر.
المستوى الثاني، كان محل جدل سياسي حيث تأخرت الحكومة في غلق الحدود، وارتفعت أصوات من اليمين واليمين المتطرف تطالب الحكومة بغلق الحدود البرية مع إيطاليا وبوقف شامل لكل الرحلات الجوية القادمة من دول مثل الصين وإيران. ولكن عارضت الحكومة الفرنسية الاقتراح، واستغلت بعض القوى السياسة هذا الجدل لتوجيه أصابع الاتهام للحكومة الفرنسية ووصف خياراتها بالتقصير في حماية أمن الفرنسيين. وأكد الرئيس الفرنسي أنه ما من إغلاق للحدود في الوقت الراهن، وإن كان من المحتمل أن يكون ذلك ضروريا، وتأزم المشهد السياسي عندما اتخذت الحكومة الفرنسية قرارا سياسيا مدويا باللجوء إلى مادة في الدستور تسمح لها بتمرير أي مشروع قانون في البرلمان دون مناقشته من طرف النواب.
كيف تم إغلاق فرنسا

إجراءات وتدابير بدأت بالتزام طوعي للمنازل، مروراً بحظر التجول والطوارئ الصحية، وصولاً إلى إعلان حالة طوارئ العامة في 17 مارس، وإعلان الحكومة الفرنسية الإغلاق الكامل، وفرض حجراً صحياً كاملاً على مواطنيها البالغ عددهم 67 مليون نسمة، وذلك بعد أن ارتفع عدد الضحايا بنسبة 20% في غضون 24 ساعة. وسعياً لاحتواء انتشار الفيروس، أعلن تمديد تدابير الحجر المنزلي الساري المفعول لأسبوعين إضافيين حتى 15 أبريل، وهذه الفترة يمكن تمديدها إذا تطلب الوضع الصحي ذلك.
أوصى المجلس العلمي، الذي يقدم المشورة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون فيما يتعلق بأزمة كورونا، أن الإغلاق هو الاستراتيجية الفعالة الوحيدة في الوقت الحالي “ويتعين تنفيذه بشكل صارم. وإذا التزمت الحكومة الفرنسية بمشورة المجلس العلمي، فإن الإغلاق سيستمر حتى 28 أبريل المقبل. وأعلنت الحكومة عن إجراءات لدعم الشركات والمؤسسات التي تعاني من آثار الوباء، وتعهدت بأن الدولة ستتحمل تكلفة رواتب الآباء الذين سيضطرون للبقاء في المنازل لرعاية الأطفال بسبب إغلاق المدارس.
وطبقت فرنسا إجراءات عزل صارمة على مدى شهر تقريبا. فمن يخرج من منزله عليه أن يحمل وثيقة تبين سبب الخروج كالتسوق أو ممارسة الرياضة ضمن دائرة تبلغ كيلومتراً واحداً من مكان السكن أو لزيارة الطبيب. وقد فرضت الشرطة غرامات على مئات آلاف الأشخاص المخالفين. ويقوم عشرات الآلاف من عناصر الشرطة بدوريات في الشوارع وإصدار غرامات تتراوح بين 38 و135 يورو (42 دولارًا – 150 دولارًا) للمتجولين بدون تصريح مكتوب لتبرير أسباب خروجهم.
المستشفيات الفرنسية في مواجهة العاصفة

كانت تُعد فرنسا في صدارة البلدان المتقدمة التي لديها منظومة صحية جيدة ومتكاملة وعادلة، ولكن ركزت الحكومات المتعاقبة على التوفير والتقشف في قطاع الصحة، حيث تم إلغاء حوالي 17500 سرير في المستشفيات الفرنسية خلال السنوات الست الماضية. وشهد القطاع قبل أشهر، إضرابات واحتجاجات متتالية على خلفية خفض الميزانيات وقلة الموارد، ومخاوف من انهيار المنظومة. وأظهرت الأزمة التي أثارها فيروس كورونا أن البنية التحتية الفرنسية تنقصها أبسط المعدات لمحاربة الوباء مثل الأقنعة الواقية والكمامات الطبية وأجهزة التنفس. وأمام تدهور الوضع الصحي يخشى كثير من موظفي هيئات الصحة من الذهاب إلى المعركة دون سلاح.
عدم وجود طواقم طبية كافية زاد من تأزم الوضع في المستشفيات التي تتوقع أن الأصعب آت مع سرعة انتشار الوباء. وتحاول السلطات امتصاص الصدمة وتفادي استنفاد قدرات المستشفيات من خلال إجلاء عشرات المرضى في قطارات وطائرات عسكرية من الشمال إلى مناطق حيث الوباء أقل تفشياً. ويطالب العاملين في المستشفيات الحكومة بضرورة التحرك والقيام بما ينبغي لتلافي كوارث إنسانية قد يفرضها واقع الحال.
النقص في الطواقم الطبية دفع فرنسا إلى استدعاء الأطباء البيطريين للمساعدة. وأبدى خمسة آلاف بيطري، من أصل ثمانية عشر ألفاً، استعدادهم لمساندة الأطباء في المستشفيات. يقتصر دورهم على القيام بالفحوصات المختبرية أو بفرز الحالات. وبهذه الطريقة، يتيحون المجال أمام الأطباء المختصين بتكريس وقتهم للاهتمام بالحالات الأكثر خطورة.
وفيما تتفاقم أزمة اكتظاظ المستشفيات بضحايا الفيروس في بعض المناطق، يضرب عموم فرنسا أزمة نقص الكمامات. وقد أدرك الرئيس الفرنسي عمق وأبعاد الأزمة، إذ أعلن عن تخصيص أربعة مليارات يورو للوكالة الوطنية للصحة العامة حتى يتسنى لها تنفيذ شراء الأدوية وأجهزة التنفس والكمامات اللازمة. ورفع وتيرة انتاج المعقمات من أربعين ألف لتر في اليوم إلى خمسمائة ألف لتر يوميًا. وأكد ماكرون على رغبته في أن تتوصل فرنسا إلى اكتفاء ذاتي تام بحلول نهاية السنة الجارية. وأعلن عن تخصيص خمسة مليارات يورو للبحث العلمي.
كما أعلن عن استراتيجية استغلال قدرات الإنتاج المحلي للمعدات الطبية وبذل كل الجهود لمضاعفته. وتعهد بأن فرنسا ستتوصل إلى إنتاج ١٥ مليون كمامة في الأسبوع، إضافة إلى إنتاج عشرة آلاف جهاز تنفس اصطناعي حتى نهاية شهر مايو المقبل، ولهذا الغرض تم الإعلان عن تشكيل اتحاد صناعي يضم كلًا من شركة “إير ليكيد” المتخصصة في صناعة أجهزة التنفس ومجموعة “بي إس آ” للسيارات و”شنايدر إليكتريك” و”فاليو” التي ستصنع أجهزة تنفس ثقيلة وخفيفة.

الجيش الفرنسي يتدخل ضد كورونا
وضعت القيادة العامة للجيش الفرنسي جنودها في خدمة المواطنين بعد أن تمت تعبئتهم لخدمة المستشفيات. وأطلق الرئيس الفرنسي عملية عسكرية تحمل اسم “صمود” بهدف التصدي للمرحلة المقبلة من انتشار الفيروس والتي تضع العسكريين في تصرف الخدمة العامة في فرنسا وفي مقاطعاتها ما وراء البحار. وفيما يلى أبرز المجهودات التى قام بها الجيش الفرنسى:
- أعلن الجيش الفرنسي عن بناء مستشفى ميداني في محاولة لحل أزمة نقص عدد الأسرة، ويتضمن المستشفى 30 وحدة للعناية المركزة.
- قامت الخدمة الصحية للجيش (SSA) بتفعيل خمسة مستشفيات لتدريب قوات الجيش التي لديها خبرة فى الأمراض المعدية.
- تقديم المساعدة والدعم والخدمات العامة فى مجالات الصحة واللوجستيات والحماية، في مواجهة وباء كوفيد 19 داخل الحدود الفرنسية، وخارجها.
- 4- فيما يتعلق بالمعدات الطبية، وبناء على طلب وزارة التضامن والصحة، وفرت وزارة القوات المسلحة خمسة ملايين قناع جراحي، وهذه الأقنعة أصبحت فى موقع تخزين للصحة العامة في فرنس، وتم توزيع هذه الأقنعة من قبل وزارة التضامن والصحة.
ختاماً، تعيش باريس كغيرها من دول العالم فترة رعب من شبح فيروس كورونا غير المرئي والقادر على إحداث سياسية واقتصادية واجتماعية تفوق تلك التي تخلفها الحروب. يصف البعض هذه الفترة بالتاريخية. فتزايد عدد المصابين والضحايا يضع الحكومة الفرنسية أمام معضلة المحافظة على صحة الفرنسين من جهة وعدم انهيار الاقتصاد الفرنسي من جهة أخرى، بعد إعلان وزير الصحة “أوليفييه فيرو” إن الوباء لم يبلغ ذروته بعد، وأن فرنسا ما زالت تعيش تفاقم انتشاره.



