
كيف أصبحت الصين وقود الانتخابات الأمريكية المقبلة؟
يتبادل مرشحي الرئاسة الأمريكية -الرئيس الجمهوري دونالد ترامب وخصمه الديمقراطي جو بايدن- الاتهامات بشأن علاقة كلاً منهما بالصين، ويحاول كل طرف الآن أن يقوى أحدهما على الآخر بشأن من هو الأكثر صرامة في التعامل مع بكين، بالتوازي مع ذلك تسعي الحملات الانتخابية لكلا المرشحين الاستفادة من النظرة السلبية للشعب الأمريكي تجاه الصين خاصة في ظل الحرب التجارية المستمرة منذ سنوات وفي ظل جائحة فيروس كورونا المستجد. ما يشير إلى أن العلاقات الأمريكية الصينية “المتوترة” ستكون ساحة مواجهة ونقطة مركزية في سباق الانتخابات الأمريكية التي ستقام في نوفمبر المقبل.
أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة Pew Research في أبريل الماضي، أن 66٪ من الأمريكيين ينظرون إلى الصين بمشاعر سلبية وهي أعلى نسبة مسجلة، حيث ارتفع هذا الرقم بنسبة 19% عما كان عليه قبل ثلاث سنوات فقط، عندما كان الأمريكيون منقسمون بالتساوي حول ما إذا كانوا يشعرون بإيجابية أو سلبية تجاه الصين، ويرى الأمريكيين أن الصين تتحدى المصالح الأمريكية وتلحق بها اضرار مدمرة وهو ما يتطلب مواجهة أمريكية صارمة.
استغل بايدن استطلاعات الرأي التي أظهرت تراجعاً ملحوظا في دعم ترامب داخل أهم الولايات في أمريكا، بسبب الانتقادات الحادة التي وجهت إليه لإخفاقه في إدارة أزمة كورونا، وعدم تقييم الوضع بصورة دقيقة والركود الاقتصادي الكبير الذي ضرب المصالح الأمريكية، فضلاً عن أن ترامب ساعد في إبراز الدور العالمي للصين من خلال تقويض علاقات واشنطن مع حلفائها وتقليل دور الولايات المتحدة وتأثيرها في المؤسسات الدولية. في المقابل، تحركت حملة ترامب لاستخدام سجل بايدن على مدى نحو 50 عاما كعضو في مجلس الشيوخ ونائب للرئيس ومرشح للرئاسة كمادة لشن هجمات عليه تتعلق بالصين، وأن بايدن لن يكون “قاسيا” تجاه بكين على قدر الرئيس الحالي.
وامتدت النظرة السلبية للصين كذلك إلى الأحزاب الأمريكية، فبرغم الاختلافات الإيديولوجية والديموغرافية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلا إن الحزبين توافقا على أن بكين تشكل تهديدًا أساسيًا لقيم أمريكا وربما لأمنها القومي. واتفقا على ضرورة تقييد الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، ومواصلة بيع أنظمة الأسلحة المتقدمة لتايوان، وأن تكنولوجيا الجيل الخامس لشركة التكنولوجيا الصينية (هواوي) تشكل تهديدا للديمقراطية، ومنعها والشركات المماثلة من السيطرة على الذكاء الاصطناعي. وطالب عدد من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ بإعادة ترتيب أولويات القدرات الإنتاجية للولايات المتحدة، والاعتماد بشكل أقل على سلاسل التوريد الصينية، خاصة فيما يتعلق بالمنتجات المستخدمة في نظام الرعاية الصحية الفيدرالية. وذلك بعد أن كشفت خدمة أبحاث الكونجرس، في تقرير صدر في شهر مارس الماضي، أن الصين زودت الولايات المتحدة بـ30% من وارداتها من معدات الحماية الشخصية الطبية العام الماضي. كما تقدم الجمهوريون في الكونجرس بمشروع قانون يجيز للرئيس الأمريكي فرض عقوبات على “مسؤولين أجانب” بسبب قيامهم بـ “إخفاء أو تشويه المعلومات بشكل متعمد” حول تطورات صحية طارئة مثل وباء كورونا.
ليس من المفاجئ أن تصبح الصين وقود الانتخابات الأمريكية 2020، فقد سبق وأن هاجم ترامب الصين خلال حملته الانتخابية الأولى في عام 2016، ووصفها بالقوة الشريرة وأنه سوف يمارس أقصى ما بوسعه من ضغوط عليها لتقويض طموحاتها في الزعامة الدولية وقدراتها على المنافسة. والآن يضع ترامب الصين في مركز سياسته وأيديولوجيته باعتبارها “تميمة” الفوز في الانتخابات المقبلة. خصوصا بعد تصريحه لوكالة أنباء رويترز، “أن الصين سوف تفعل كل ما في وسعها لكي أخسر انتخابات الرئاسة، واعتقد أن بكين تتمنى فوز منافسي الديمقراطي جو بايدن، حتى يخفف الضغوط التي فرضهتا عليها، فيما يتعلق بالتجارة وقضايا أخرى”.
حملة ترامب ترفع شعار “بكين بايدن”
أصبحت الصين محور النقاش السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وسلاحاً في السباق الانتخابي بين ترامب وبايدن. وقد خصصت لجنة عمل سياسي مؤيدة لترامب تطلق على نفسها “أمريكا أولا”، 10 ملايين دولار في حملة إعلانات للهجوم على بايدن في ولايات تمثل ساحة مواجهة وهي بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن. وصورت الإعلانات بايدن كصديق للحزب الشيوعي الحاكم في الصين، وأنه دعم الصين في منظمة التجارة العالمية، وكذلك معارضته للإجراءات التجارية، واعتراضه على أمر أصدره ترامب في أواخر يناير لفرض قيود على المسافرين غير الأمريكيين القادمين من الصين لمكافحة فيروس كورونا. كما اتهمت الحملة نجل بايدن بتلقي أكثر من مليار دولار للعمل في بنك صيني مملوك للدولة. وهتف مؤيدون لترامب “بكين بايدن”، تلميحاً إلى كلام إيجابي قاله نائب الرئيس السابق عن الصين، وأنه دمية في يد الصين.
كما أعاد الرئيس ترامب نشر مقطع فيديو لخطاب ألقاه جو بايدن في جامعة صينية دعا فيه إلى تعميق التعاون بين الحزب الشيوعي الصيني والولايات المتحدة لتمتد إلى جميع نواحي الحياة الأمريكية. وقال نائب الرئيس آنذاك: “لقد تحسنت العلاقات الأمريكية الصينية بشكل كبير خلال الثلاثين عامًا الماضية”. “من أجل تعزيز هذه الشراكة القوية، علينا أن نعمق العلاقات الوثيقة بين واشنطن وبكين، والتي نعمل يومياً لأجلها وتنميتها لتشمل جميع المستويات. “
وفندت حملة ترامب العلاقات بين الصين وبايدن، والتي بدأت عام 1972، عندما أصبح بايدن عضواً في مجلس الشيوخ وترأس وفدا من الكونجرس لزيارة الصين، حيث التقى الزعيم دنغ شياو بينغ، وأبرم صفقة لمراقبة جهود السيطرة على الأسلحة السوفيتية، بعدها دخلت الولايات المتحدة والصين العصر الذهبي للانفتاح المتبادل، وتبادل الزيارات الرسمية لمسؤولين رفيعي المستوى في كلا البلدين. وفى خطوة أخرى دعمها بايدن إلى جانب80 عضوا من الكونجرس، فقد صوت مجلس الشيوخ في عام 2000 لدعم تطبيع العلاقات التجارية مع الصين، مما مهد الطريق لانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. وقد أشار بايدن في تصريحات سابقة، أنه التقى الرئيس الصيني في مناسبات عدة بدأت في عام 2011 عندما كان “شي” الرجل الثاني في البلاد، منذ عام 2016 كان يروِج “لصداقته” مع الزعيم الصيني، وفي مايو 2019، قال إن ثاني أكبر اقتصاد في العالم “ليس منافسًا لنا وقادتها ليسوا أشخاصًا سيئين”.
حملة بايدن ترفع شعار “ترامب ليس على قدر المسئولية”
كشفت “مؤسسة أمريكان بريدج للقرن 21″، عن حملة إعلانات مناهضة لترامب في ولايات بنسلفانيا وميشيغان وويسكنسن، تبلغ تكلفتها 15 مليون دولار. ركزت الحملة على تقويض ترامب للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها وسماحه بالانتشار السريع لفيروس كورونا. وقال بايدن إن “الحقيقة هذه المرة هي أن دونالد ترامب ترك أمريكا مكشوفة ومعرضة لهذه الجائحة. لقد تجاهل تحذيرات خبراء الصحة ووكالات المخابرات وبدلا من ذلك وضع ثقته في زعماء الصين”. وأنهى ترامب تمويل برنامج تم انشاؤه خلال إدارة أوباما وبايدن لرصد الأمراض المعدية الطارئة وخفض عدد خبراء المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها في الصين بواقع الثلثين وترك مكانا كان مخصصا لأمريكي شاغرا داخل وكالة مكافحة الأمراض بالصين. وقال “والآن ندفع كلنا الثمن”.
وانتقدت الحملة ترامب لتقديمه إمدادات طبية أمريكية لمساعدة الصين، ويُعيب مؤيدو بايدن على ترامب مغازلاته الكثيرة للصين وإشاداته الرنانة بـ”صديقه” للرئيس الصيني أكثر من 15 مرة ، معتبرين إياها نوعاً من التملق. وسلطت الحملة الضوء على تغريدة نشرها ترامب في 24 يناير الماضي أشار فيها إلى أن الصين تقوم بعمل جيد لمواجهة فيروس كورونا
ويرى بايدن أن الإدارة الأمريكية لم تقدم ما يكفي لمواجهة الصين، والتزمت الصمت ليس حيال جائحة فيروس كورونا فقط، ولكن حيال الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في هونج كونج منذ العام الماضي، واتهم ترامب بتجاهل ملف حقوق الإنسان في الصين مثل سجن المسلمين في شينجيانج لتأمين صفقة تجارية. وعندما تم التوقيع على المرحلة الأولى من الاتفاق في يناير الماضي، وصف ترامب الصين بأنها “الرابح الأكبر”، بحجة أن الاتفاق فشل في “حل القضايا الحقيقية في قلب النزاع، بما في ذلك الإعانات الصناعية، ودعم الشركات المملوكة للدولة، وسرقة المعلومات.
وتستعد حملة بايدن لطرح سياسات جديدة بشأن الكيفية التي ستتعامل بها الإدارة المستقبلية مع الصين. وينوي نائب الرئيس مساءلة ترامب عن سياساته الفاشلة في المقاربه مع الصين. وفيما يتعلق بالتحالفات العالمية، يرى فريق بايدن بأن ترامب يساعد الصين من خلال تقويض العلاقات الأمريكية مع الحلفاء التقليديين، ما ساهم في تراجع دور أمريكا ونفوذها في المؤسسات الدولية. أما عن الحرب التجارية التي استمرت لسنوات مع الصين، ستسلط حملة بايدن الضوء على زعمها بأن الأمريكيين دفعوا ثمناً باهظاً بينما لم يحصلوا على مقابل.
إلى أين سيقود التنافس والتراشق بين مرشحي الرئاسة؟
إن ما تشهده الساحة الأمريكية الآن من تراشق بين مرشحي الرئاسة وفي القلب منها الصين، ما هي إلا دعاية انتخابية، تغذيها حالة من العدائية تجاه الصين عند الأمريكيين ناجم عن تحميلها مسؤولية انتشار فيروس كورونا، والمطالبة بتحملها الثمن الاقتصادي للجائحة. ويستغل ترامب هذا المشهد ويهدد بقطع العلاقات كلياً مع الصين وأن بلاده ستوفر على نفسها إذا أقدمت على ذلك 500 مليار دولار. كما منع طلاب الدراسات العليا والباحثين الصينيين الذين تربطهم علاقات بالجيش الصيني من دخول الولايات المتحدة. وقال ترامب “لسنوات، قامت حكومة الصين بالتجسس غير المشروع لسرقة أسرارنا الصناعية، والتي يوجد الكثير منها”. “سأصدر إعلانًا لتأمين البحوث الجامعية الحيوية لأمتنا بشكل أفضل، وتعليق دخول بعض الرعايا الأجانب من الصين، الذين حددناهم على أنهم مخاطر أمنية محتملة”.
وبالعودة إلى شهر فبراير الماضي عندما كانت الولايات المتحدة لا تشهد وفيات بفيروس كورونا، وكانت حملة جو بايدن تتحسس الطريق في الانتخابات التمهيدية نتيجة الخسائر التي تلقتها في البداية، أدلى نائب الرئيس السابق جو بايدن بتصريح يمكن أن يرسم تشكيل الأحداث العالمية للسنوات الخمس القادمة، في إحدى النقاشات في ساوث كارولينا قائلاً: “أعرف جيدا شي جين بينغ عن أي زعيم آخر، أنه لا يعرف للديمقراطية سبيل، أنه نموذج للمجرم العتيد”.
من خلال ما سبق، لن يستطيع أياً من مرشحي الرئاسة، هدم التعاون بين أكبر اقتصاديين في العالم، لكون البلدين مترابطين ومتشابكين اقتصادياً إلى حد يجعل استغناء أحدهما عن الآخر مستحيلاً، خصوصاً في زمن الركود. ومن المفارقات، أن وباء كورونا قد يجمعهما في النهاية إذا اقتنعا بالعواقب الاقتصادية والجيوسياسية لقطيعة كاملة. ويقول مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ كورت كامبل: “ليس من الواضح كيف سينتهي هذا. أعتقد أن مكانة كل من الأمريكيين والصينيين على المسرح العالمي تضررت. ويبدو كأن الطرفين يتعاركان بينما روما تحترق”. على الجانب الآخر، ترى بكين أن نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة لن تحدث تغييراً، وستواصل واشنطن الضغط على الصين في القضايا الخلافية أياً كان الرئيس المنتخب.



