
الصراع اللا نهائي.. ما الذي يحتاجه زيلينسكي من واشنطن؟
بعد أكثر من ثلاثمائة يوم من الحرب، عززت زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى البيت الأبيض في 21 ديسمبر الدور الفعلي للولايات المتحدة كأكبر داعم لأوكرانيا، وسلطت الضوء على الدور التاريخي للرئيس جو بايدن في إحياء التحالف الغربي الذي جعل الاتحاد السوفيتي في مأزق، ويتصدى حاليًا لتوسع موسكو، في حرب بالوكالة بين القوى النووية العظمى.
استغرقت زيارة زيلينسكي إلى واشنطن عشر ساعات فقط، وجاءت بعد يوم من زيارة غير معلنة لمدينة باخموت على خط المواجهة، حيث تخوض القوات الأوكرانية والروسية معركة شرسة استمرت لأشهر. سعى زيلينسكي خلال خطابه أمام الكونجرس إلى تسخير استجابة الأمريكيين العاطفية لمعاناة بلاده، مستحضرًا ليالي الشتاء المظلمة حيث تسعى روسيا إلى قطع إمدادات الطاقة في أوكرانيا. ولعب على وتر المصلحة السياسية الذاتية لأعضاء الكونجرس، مؤكدًا أن حماية أوكرانيا هي حماية للديمقراطية الأمريكية.
لعب زيلينسكي كذلك على وتر المصلحة الاقتصادية قائلًا: إن “أموالك ليست صدقة، إنه استثمار في الأمن العالمي والديمقراطية التي نتعامل معها بأكثر الطرق مسؤولية”. وناشد النزعة الأمريكية الغرورة مستلهمًا تصريحات الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت، حيث قال زيلينسكي: “الشعب الأمريكي بقوته الصالحة سينتصر حتى النصر المطلق. أقول لكم، الشعب الأوكراني سيفوز أيضًا، بالطبع”.
شدد بايدن خلال لقائه زيلينسكي على تأييد بلاده السلام العادل في أوكرانيا، ولم يعد الحديث هنا عن تحقيق النصر وإلحاق الهزيمة الكاملة بروسيا. واعتبر زيلينسكي أن السبيل لدعم مقترح أوكرانيا للسلام هو أن تظل القيادة الأمريكية في دعم أوكرانيا صلبة، ومن الحزبين، وأن التوصل إلى “سلام عادل” ينهي الحرب لا يعني بأي شكل من الأشكال المساومة على وحدة الأراضي الأوكرانية، والتعويض عن كل الأضرار التي سببها العدوان الروسي. في المقابل، يرى بوتين أن الحرب تجربة قيمة لتعزيز الجيش الروسي، وشبّه القتال في أوكرانيا بالحروب النابليونية والحربين العالمية الأولى والثانية، ودعا إلى الإسراع في إعادة تسليح الجيش وتحديثه.
بناء على هذه المعطيات، لا يبدو أن التهدئة تلوح في الأفق في الفترة القادمة، خصوصًا إذا ما نظرنا إلى المشاهد الحاكمة التي جاءت وسط زيارة زيلينسكي إلى واشنطن، وبرزت في:
المشهد الأول: تمثل في استحضار دروس الماضي؛ فزيارة زيلينسكي إلى واشنطن أعادت إلى الأذهان الزيارة التي قام بها ونستون تشرشل إلى العاصمة الأمريكية قبل 81 عامًا في 26 ديسمبر 1941، بعد أيام من الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر الأمريكية، التي عززت التحالف الذي فاز بعد ذلك بالحرب العالمية الثانية وبناء العالم الديمقراطي بعد الحرب.
ومثلما خاطر ونستون تشرشل بعبور المحيط رغم تهديد الغواصات الألمانية، بقيت التحضيرات لرحلة زيلينسكي طي الكتمان وأُعلن عن الزيارة في اللحظة الأخيرة. وسبق لزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر أن لفت، قبل خطاب الرئيس الأوكراني في الكابيتول، إلى أن “الرئيس زيلينسكي سيقف هنا تمامًا مثل ونستون تشرشل، الذي حضر قبل عدة أجيال ليس بصفته قائد دولة فحسب، بل أيضا كسفير للحرية”.
وتخلل خطاب زيلينسكي أمام المشرعين إشارات إلى التاريخ الأمريكي، حيث شبه الحرب المستمرة في أوكرانيا بمعركة “الانتفاخ”، وهي واحدة من آخر المعارك الكبرى في الحرب العالمية الثانية، كانت بين الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وبلجيكا، ولوكسمبرج، وفرنسا فى مواجهة ألمانيا، وسميت الانتفاخ من قبل البريطانيين بسبب انتفاخ الخريطة فى هذه المنطقة. كان الهدف من الهجوم تقسيم خطوط الحلفاء، مما يسمح للألمان بتطويق وتدمير قوات الحلفاء الأربعة. وتشير المقارنة إلى أنه مثلما قدم الأمريكيون والأوروبيون الغربيون جبهة مشتركة وشجاعة ومنتصرة ضد هتلر في عام 1944، فإن الأمريكيين والأوكرانيين يقاتلون معًا ضد بوتين اليوم. لكن في بلجيكا عام1944، كان الجنود الأمريكيون يقاتلون على الأرض. في ديسمبر من هذا العام، الأوكرانيون فقط هم من يقاتلون الروس في أوكرانيا.
المشهد الثاني: حاجة البيت الأبيض إلى مثل هذه الزيارة للحفاظ على الزخم السياسي لدى الرأي العام. خاصة مع اقتراب الجمهوريين من السيطرة على مجلس النواب في 3 يناير 2023، حيث من المتوقع أن يواجه بايدن شكوكًا من الحزب الجمهوري بشأن الأزمة الأوكرانية. لذلك، سعى الحزب الديمقراطي إلى اغتنام الفرصة، بينما لا يزال بإمكانه الضغط على الجمهوريين لمواصلة دعم أوكرانيا. وتتزايد بعض التناقضات حول القضية الأوكرانية بين إدارة البيت الأبيض والكونجرس، فالجناح اليميني المتطرف للجمهوريين، والذي كان يعلن منذ فترة طويلة عن الحاجة إلى كبح جماح شهية كييف، يشكل خطرًا خاصًا على قرارات الإدارة الأمريكية.
ومع ذلك، تزامنت الزيارة مع الإعلان عن مساعدات عسكرية إضافية لأوكرانيا بقيمة 1.8 مليار دولار تشمل أنظمة صواريخ باتريوت وقنابل دقيقة وتكنولوجيا تسهم في تحويل القنابل العادية إلى قنابل ذكية تساعدها في استهداف القوات الروسية بدقة. كذلك تمت مناقشة مسألة استمرار إرسال المساعدات العسكرية لأوكرانيا من قبل الولايات المتحدة وزيادتها في المستقبل لتصل لنحو 100 مليار دولار كإجمالي. ويوشك الكونجرس على الموافقة على مساعدات عسكرية واقتصادية طارئة بقيمة 44.9 مليار دولار، ستضاف إلى نحو 50 مليار دولار أُرسلت بالفعل إلى أوكرانيا هذا العام.
المشهد الثالث: على الجانب الأوروبي، تم إضفاء الطابع المؤسسي على المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا. على الرغم من أن طرفي النزاع يقولون إنهم مستعدون للتفاوض، فإنه سيكون من الصعب حل النزاع من خلال المفاوضات في فترة زمنية قصيرة بسبب الاختلافات المفرطة في الرأي حول حل النزاع بطريقة مرضية للطرفين. بالإضافة إلى أن الزيارة تمت وسط اتفاق توصلت إليه دول الاتحاد الأوروبي بشأن تحديد سقف أسعار الغاز الروسي، ووصف الكرملين للاتفاق بأنه غير مقبول وينتهك عملية التسعير في السوق.
المشهد الرابع: بالتزامن مع زيارة زيلينسكي إلى واشنطن، عقد الرئيس بوتين اجتماعات مكثفة مع كبار ضباط الجيش الروسي لتقييم أوجه القصور من خلال مقترحات استراتيجية قصيرة ومتوسطة الأجل من القادة. وتم الإعلان عن خطط لبناء ميناءين في برديانسك وماريوبول؛ بهدف دعم السفن وخدمات الإنقاذ في حالات الطوارئ، وزيادة عدد المقاتلين في أوكرانيا إلى 1.5 مليون عنصر، مع رفع سن الخدمة العسكرية. وكشف الرئيس بوتين عن تطوير أسلحة فرط صوتية لا مثيل لها على مستوى العالم، ودخول صواريخ “سارمات” المعروفة باسم “الشيطان” العابرة للقارات في خدمة الجيش الذي وعده بميزانية ودعم مفتوح في الحرب الأوكرانية.
المشهد الخامس: جهود روسيا في تعزيز العلاقات مع الصين وتعميق علاقاتها الدفاعية مع إيران وكوريا الشمالية؛ فمع زيارة زيلينسكي للولايات المتحدة، قام دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي بزيارة إلى بكين في 21 ديسمبر، تطرق خلالها إلى الصراع في أوكراني. وأعرب الرئيس الصيني شي جين بينج خلال الاجتماع عن استعداد الصين للتعاون الوثيق والتقارب مع روسيا من أجل حوكمة عالمية أكثر إنصافًا، منوهًا بأن “تشكيل شراكة استراتيجية شاملة بين الصين وروسيا في الحقبة الجديدة هو خيار اتخذته الصين وروسيا، مع مراعاة خصوصياتهما ومصالحهما الاستراتيجية طويلة الأمد”.
وفيما يتعلق بالجبهة الإيرانية، فقد تعززت العلاقات الإيرانية الروسية منذ بدء الحرب في أوكرانيا، واعتراف إيران بتزويد روسيا بطائرات بدون طيار من طراز “شاهد-136” والتفاخر بـ “فاعليتها” يظهر استراتيجية تعاونية إيرانية غير مقيدة تجاه روسيا يمكن أن تخدم غرضًا مزدوجًا يشمل: تعزيز محور جيوسياسي بديل ضد الولايات المتحدة، وإجبارها على تقديم تنازلات في المفاوضات المستقبلية المتعلقة بالمفاوضات المتوقفة حاليًا لخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). وعلى خلفية المساحة المتنامية للتحالف المناهض للغرب، ادعت الولايات المتحدة وجود أدلة جوهرية على إرسال كوريا الشمالية شحنة صواريخ وقذائف لقوات المشاة إلى روسيا؛ كي تستخدمها مجموعة فاجنر الروسية وتخطط لتسليم المزيد من المعدات العسكرية إلى موسكو.
المشهد السادس: تزايد الحديث عن رغبة الولايات المتحدة ودول غربية أخرى في أن يكون القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية فاليري زالوجني الرئيس المستقبلي لأوكرانيا بدلًا من زيلينسكي. وأن زيلينسكي لا مكان له في المخططات الأمريكية خلال عام 2023، و”زالوجني” هو الطرف الذي سيبرم معاهدة سلام مع روسيا. وقد أشارت تقارير إلى اندلاع صراع بين زيلينسكي وزالوجني عقب انتقادات الأخير للرئيس بسبب ضعف إمداد القوات الأوكرانية بالأسلحة وقضايا أخرى تتعلق بالجيش. في حين أشارت تقارير أخرى إلى أن المعلومات بشأن الرئاسة المحتملة لزالوجني اختلقها الغرب لإعادة زيلينسكي إلى رشده حتى “يعرف مكانه” ولا يتخذ خطوات مستقلة دون الرجوع إلى واشنطن.
استراتيجية الدعم الأمريكي لأوكرانيا
على الرغم من تشكيك بعض السياسيين الجمهوريين بشأن مساعدة كييف، وتقديم مشروع قانون في نوفمبر الماضي لتدقيق الأموال المقدمة لأوكرانيا، فإن دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا لا يزال يمثل إجماعًا مشتركًا في الولايات المتحدة. ولن يكون هناك تعديل جوهري في سياسة دعم أوكرانيا، والتي تعد إجراءً مهمًا في الحفاظ على نظام الهيمنة العالمية الأمريكية، والتأكد من أن الوضع الأمني في أوروبا تسيطر عليه الولايات المتحدة، وهو ما يتماشى بشكل أساسي مع المصالح الاستراتيجية للهيمنة الأمريكية.
في ظل سيطرة الديمقراطيون على مجلس النواب، نجحوا في جعل دعم أوكرانيا سياسة مشتركة بين الحزبين. بحيث إذا أصبح مستقبل الصراع العسكري بين موسكو وكييف غير موات للولايات المتحدة، فلن يضطر السياسيون الديمقراطيون إلى تحمل المسؤولية وحدهم. وبالنسبة لأعضاء الحزب الجمهوري، إذا حققت أوكرانيا انتصارًا على روسيا، فإن الداعين إلى خفض المساعدات الأمريكية لأوكرانيا من الجمهوريين لا يزالون أقلية. بمعنى آخر، لا يزال معظم السياسيين رفيعي المستوى في الحزب الجمهوري يدعمون تقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا.
ويرى معظم السياسيين الأمريكيين أن دعم أوكرانيا هو دعم للولايات المتحدة نفسها؛ فانتصار روسيا سيزيد من تصدع النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، والحفاظ على الإمدادات العسكرية لأوكرانيا سيساعد الولايات المتحدة على إضعاف ليس روسيا فقط ولكن أيضا تقويض الاتحاد الأوروبي الذي هو أيضا في علاقة تنافسية مع الولايات المتحدة من حيث الاقتصاد. وبالتالي، لن تحتاج الولايات المتحدة إلى دفع ثمن باهظ، فأوكرانيا هي الثمن الذي ترغب الولايات المتحدة في دفعه لتحقيق مثل هذه الاستراتيجية.
لقد رفعت المساعدات العسكرية الأمريكية مستوى الرفض الأوكراني للدعوات الروسية للتسوية، وتصلبت كييف في مطالبها بإعادة الأوضاع إلى ما قبل 24 فبراير، وهو أمر مرفوض من موسكو على كل المستويات بعد أن ضمت أربع مناطق أوكرانية إليها. ومع مرور أكثر من عشرة أشهر على الحرب الروسية على الأوكرانيا، تباعدت شروط الطرفين في التوصل إلى حل من الممكن أن يرضى به طرفا الصراع.
منطق المساعدة العسكرية الأمريكية لأوكرانيا اعتمد في البداية على تقييم شحنات الأسلحة والمساعدات المقدمة لكييف بهدف الدفاع عن نفسها ضد الغزو الروسي، واتباع معايير مصممة بحذر بهدف تجنب صراع مباشر بين الناتو وروسيا، لكن صواريخ “باتريوت” تمثل انغماسًا أمريكيًا أكثر في الصراع حتى الآن. حيث قال بايدن: “سنمنح أوكرانيا ما تحتاجه لتكون قادرة على الدفاع عن نفسها، والنجاح في ساحة المعركة”. لكن الحلفاء الأوروبيين “لا يتطلعون لخوض حرب مع روسيا. إنهم لا يبحثون عن حرب عالمية ثالثة”.
بالمقارنة مع الولايات المتحدة، تتردد الدول الأوروبية في خطة دعم أوكرانيا، حيث تأثرت الشعوب الأوروبية بشكل مباشر بأزمة أوكرانيا، وأدى تدهور الوضع الاقتصادي والمشاكل الاجتماعية إلى زيادة الضجر من الحرب، لذلك ستتعالى الأصوات التي تشكك أو تعارض المساعدة لأوكرانيا في المستقبل القريب. وهناك احتمال آخر يمكن أن يهز تصميم الغرب على دعمه لأوكرانيا وهو تحقيق روسيا انتصارًا في ساحة المعركة، أو تكبد أوكرانيا خسائر عسكرية باهظة، لا يمكن لأي مساعدة أن تغير نتائجها.
ختامًا، لقد دخلت الأزمة الروسية الأوكرانية مرحلة باردة من الركود، وتقف كل من أوكرانيا وروسيا على أعتاب مستقبل لا يمكن التنبؤ به. وتحولت الأزمة إلى معركة صفرية، حيث ستستمر روسيا في هذا الصراع حتى تحقق الانتصار، في المقابل، تتمسك أوكرانيا بمطالبها بعودة الأوضاع إلى ما قبل الهجوم الروسي، خاصة أن السلام في أوكرانيا مرهون بالولايات المتحدة، وقدرة أوكرانيا على القتال مرهونة باستمرار الدعم المالي والعسكري الأمريكي. وسيكون من التهور أن تعتمد أوكرانيا أكثر من اللازم على الدعم الأمريكي وحده، حتى في الوقت الذي ستصارع فيه أوكرانيا لاحقًا الانقسام السياسي الداخلي بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن دعم كييف. ولعل أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تواجه الأزمة في أوكرانيا هي حالة التعايش الدولي معها وقطع الطرق السياسية إلى أن تصل الأزمة إلى مستوى الانهيار للجميع.



