
الضربات الفرنسية في منطقة الساحل… تحرك لدعم شرعية وجود باريس
أعلن الجيش الفرنسي اليوم السبت مقتل 30 متطرفًا، خلال عمليات شنتها القوات الفرنسية والمالية، في إطار قوات مجموعة الساحل والصحراء المعنية بمكافحة الإرهاب في المنطقة، على مدار اليومين الماضيين.
وجاءت تلك الضربات في المنطقة الحدودية بين كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وهي المنطقة التي شهدت في الفترة الماضية تصاعد الهجمات الإرهابية من قبل التنظيمات الإرهابية المتطرفة ” داعش والقاعدة”، بجانب التنظميات الإجرامية، التي تشكلت تحالفات بينها وبين الأولى، في سياق من تقاسم النفوذ وتشابك المصالح، الأمر الذي زاد من صعوبة المهمة التي تقوم بها قوات مجموعة الساحل ” G5″، وهي القوات التي تشكلت بالتعاون بين الجانب الفرنسي ودول مجموعة الساحل الخمس ” تشاد – النيجر- مالي – بوركينافاسو- موريتانيا”.
وفي سياق تصاعد الهجمات الإرهابية، في ذات المنطقة التي تركز عليها القوات الفرنسية هجماتها الآن، تصاعد الغضب الشعبي في دول مجموعة الساحل، في الأشهر القليلة الماضية، جراء عدم فاعلية الجهود الدولية والإقليمية في مكافحة الإرهاب، على النحو الذي خرجت معه تظاهرات رافضة للتواجد الفرنسي في العاصمة المالية ” باماكو”، وهي التظاهرات التي تزامنت مع اعتزام فرنسا عقد قمة بمشاركة رؤساء دول مجموعة الساحل، وذلك من أجل تقييم جهود مكافحة الإرهاب، ومن ثم معرفة مستقبل الدور الفرنسي في المنطقة، في ظل تصاعد الرفض الشعبي لتواجدها، وتجديد الثقة في عملية ” برخان” الفرنسية من قبل رؤساء الدول الخمس، ومن ثم إطلاق عملية جديدة تحت إسم ” تاكوبا”.
وبالفعل عقدت هذه القمة في مدينة ” باو ” الفرنسية في منتصف يناير المنصرم، بمشاركة تشاد والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا، فضلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، بهدف الحصول على إعلان مشترك، لتنسيق التعاون بين الأطراف المشتركة، وتم بالفعل الاتفاق على ضرورة استمرار التواجد الفرنسي في إطار عملية جديدة ” تاكبو”.
وعلى خلفية نتائج تلك القمة، أعلنت فرنسا في الثاني من فبراير الجاري، إرسال 600 جنديًا إضافيًا لعملية برخان، ليصل بذلك عدد قواتها إلى نحو 5100 جندي، يتمركزون في المناطق الحدودية بين الدول الثلاث ” النيجر ومالي وبوركينافاسو”، وهي المناطق التي تركز القوات الفرنسية ضرباتها عليها الآن، بما يضفي شرعية على تواجدها، ويعكس فاعلية لهذا التواجد، الذي أصبح محلًا للتساؤل في الفترات الماضية.
يشار إلى أن تلك الضربات تعقب مباشرة إعادة التفويض للجانب الفرنسي بقيادة جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة من قبل رؤساء الدول المعنية، بما يثير تساؤلات حول مدى فاعلية تلك الهجمات، واستدامتها، فضلًا عن انعكاساتها على انتشار الإرهاب في المنطقة. وفي هذا الصدد، تثار بعض الملاحظات حول تلك الضربات على النحو التالي
جهود حماسية
تأتي تلك الهجمات بعد أقل من إسبوع فقط على القرار الفرنسي برفع أعداد القوات الفرنسية في المنطقة، في إطار قوة برخان، التي كانت محل جدل واستفهام حول فاعلية تواجدها، على نحو يدفع إلى إبراز تلك الفاعلية من خلال تكثيف المواجهة في تلك المنطقة على نحو عاجل، غير أن مقتل 30 إرهابيًا لا بالضرورة أنها بداية النهاية لبقاء تلك التنظيمات، التي تزامنت هجماتها مع انعقاد قمة، استهدفت إعادة التفويض من أجل مكافحة الإرهاب.
خطوات تكتيكي
لا تعكس تلك الخطوة التكتيكية من الجانب الفرنسي، إلى وجود استراتيجية جديدة من شأنها مكافحة التنظيمات الإرهابية، على النحو الذي يقضي على تنامي تلك التنظيمات ويجفف منابع الإرهاب، فضلًا عن أن استراتيجية ” التحالف من أجل الساحل “ نفسها تواجه تحديات تحد من فاعليتها، والتي يميكن إيرادها على النحو التالي
ضعف الحكومات المحلية
تعاني حكومات الدول المعنية من ضعف بنيوي، وتراجع في شرعيتها، وانتشار الفساد، على نحو يعكس الانقسامات المجتمعية، والصراع على السلطة، وتقاسم النفوذ والموارد، التي هيأت بيئة محلية حاضنة ومعززة لانتشار التنظيمات الإرهابية. ومن ثم فإن الحاجة إلى مواجهة التهديدات الإرهابية، تبرز معها الحاجة إلى وجود حكومات قوية، وتعزيز قيم الحوكمة والشفافية، وبناء دولة قومية مستقرة. وبالتالي يثور التساؤل حول شريعة مكافحة الإرهاب، فكيف لحكومات، تسهم في تعزيز تنامي وانتشار الإرهاب، أن تمتلك شرعية مواجهته. قبل الحديث عن مكافحة الإرهاب، يثور الحديث عن مواجهة الصراعات المسلحة ، التي هيأت المناخ لانتشار الإرهاب
.الانسحاب الأمريكي من المنطقة
في إطار استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة، أعلنت عن اتجاهها نحو تخفيض التواجد العسكري في القارة الإفريقية؛ على اعتبار أن التهديد الأبرز في القارة ينجم عن التواجد الروسي والصيني في القارة، وليس عن التهديدات الإرهابية.
في هذا السياق، يواجه الدور الفرنسي ضغوطًا، على خلفية الانسحاب الأمريكي، إذ يوفر التواجد الأمريكي دعمًا لوجيستيًا واستخباراتيًا ذات شأن للقوات الفرنسية، وفي هذا الصدد، تحاول فرنسا إقناع الجانب الأمريكي باستمرار التحالف في هذا الصدد
.تردد الشركاء الأوروبيين
يبدو أن الشركاء الأوربيين متقاعسين عن تقديم يد العون للجانب الفرنسي في مواجهة إرهاب الساحل، ويقتصر دورهم فقط على تقليص تداعيات تلك التهديدات على الدول الأوربية، وخاصة في مجال الهجرة واللجوء. إذ تفضل غالبية الدول الأوروبية الجلوس في المقعد الخلفي من قاطرة مكافحة الإرهاب بالساحل. وفي هذا الصدد، تحاول فرنسا إقناع الأوروبين بتقديم الدعم لجهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، إلا أنه في حال فشل تلك المحالات، لا يبقى أمام الجانب الفرنسي سوى اللجوء إلى الناتو.
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية



