أفريقياأوروبا

إعادة بناء الشراكة الاستراتيجية: مستقبل العلاقات الأفرو – أوروبية

في اعتراف أوروبي بأهمية إعادة النظر في شكل ومستوى علاقتها بالقارة الإفريقية، أصدر الاتحاد الأوروبي استراتيجيته المقترحة عام 2020، تحت عنوان ” نحو استراتيجية شاملة جديدة مع إفريقيا”. وكانت هذه الوثيقة تسبق القمة السادسة الإفريقية – الأوروبية التي كان من المفترض عقدها خلال ذلك العام، وتم تأجيلها لفبراير من العام الجاري، نظرًا للظروف المرتبطة بجائحة كورونا.

وجاءت القمة السادسة الإفريقية – الأوروبية، بعد انقطاع دام لخمس سنوات، منذ آخر قمة عقدت بين الطرفين في ” أبيدجان”، بمثابة أداة لاختبار منطق إعادة بناء الشراكة بين الطرفين، والتغلب على منطق التبعية، التي أصبحت ترفضه إفريقيا الصاعدة دوليًا، وتعترف به أوروبا أيضًا التي باتت تشهد تصاعد مستوى التنافس الاستراتيجي والدولي في مناطق نفوذها التقليدي في القارة. 

في ضوء ذلك، يمكن الوقوف على مجالات الشراكة الأوروبية الإفريقية، والتحديات التي تواجه مستقبل الشراكة بينهما، في ضوء السياق الاستراتيجي الحاكم لتلك العلاقة، وهو أيضًا السياق الحاكم للقمة الأخيرة، التي كانت بمثابة فرصة لإعادة تعريف الشراكة بين الطرفين، وفي نفس الوقت أداة لاختبار شكل ومستقبل هذه الشراكة. 

السياق الاستراتيجي

تواجه العلاقات الأوروبية الإفريقية سياقًا مغايرًا عمّا كان عليه حال السياسات التقليدية الأوروبية حيال القارة، على نحوٍ يفرض على تلك الشراكة ضرورة إعادة النظر في محدداتها، بما يستجيب لطبيعة المستجدات ومن ثمّ التطلعات الإفريقية والأوروبية على السواء. ذلك  في ظل غلبة السياسات الأمنية على طبيعة الشراكة بين الجانبين، في الوقت الذي تتعاظم فيه التحديات التنموية والاستراتيجية، بما يفرض إعادة النظر في شكل ومستوى التعاون، مع تصاعد التنافس الدولي، وصعود قوى منافسة في مساحات النفوذ التقليدية للقوى الأوروبية.  

فجاء إطلاق الاستراتيجية الأوروبية الإفريقية، في سياق استراتيجي متغير، فرض على الاتحاد الأوروبي ضرورة إعادة النظر في شكل العلاقة، في ظل تصاعد التنافس الدولي على القارة، ومزاحمة القوى الدولية والإقليمية التقليدية والصاعدة في القارة. 

فشهد عام 2019 حالة من الزخم على مستوى القمم الإفريقية مع شركائها الدوليين، فكان هناك انعقاد لقمة مجموعة السبع وإفريقيا، والقمة السابعة للتيكاد (مؤتمر طوكيو للتنمية في إفريقيا)، وكذلك انعقاد القمة الروسية – الإفريقية للمرة الأولى، علاوة على انعقاد قمة مجموعة العشرين وإفريقيا في نفس العام، وكذلك انعقاد القمة البريطانية الإفريقية في مطلع عام 2020. 

وكانت هذه القمم، جزءًا من مجموعة أوسع من نماذج القمم الدولية مع القارة، كإحدى آليات التعاون في أطر متعددة، فهناك أيضًا منتدى التعاون الصيني الإفريقي والقمم اليابانية والهندية، إضافة إلى اتجاه كل من الولايات المتحدة وروسيا إلى تدشين ذلك النوع من القمم، بما فرض تحديات استراتيجية على الاتحاد الأوروبي، الذي وجد نفسه في منافسة استراتيجية بحاجة إلى استراتيجيات جديدة للمواجهة. 

وارتبط بذلك السياق أيضًا، احتلال القضايا التنموية والاقتصادية مساحات أكبر في علاقات إفريقيا الدولية، في ضوء احتلال قضايا السلام والأمن النسبة الأكبر من العلاقات الأوروبية الإفريقية، بما ينتقص من فرص الحضور الاقتصادي والتبادل التجاري مع القارة، بما تحمله من آفاق اقتصادية واعدة، تتقاطع مع الاستراتيجية الأوروبية ” بوابة العبور” التي تضاهي استراتيجية الصين الحزام والطريق، وكذلك استراتيجية الصفقة الخضراء لمواجهة التغيرات المناخية.

  وتأتي أهمية إعادة النظر في طبيعة القضايا الاستراتيجية، وإيلاء مزيد من الأهمية للقضايا ذات الطابع التنموي والاقتصادي على حساب الطابع الأمني، ليس فقط بسبب التنافس الدولي على القارة، والمنطلق من أهمية بناء شراكة اقتصادية وتنموية، وإنما لتنامي الإدراك الأوروبي بأهمية القارة الاستراتيجية بما يلبي الطموحات الإفريقية والأوروبية معًا، في ضوء المتغيرات والقضايا الدولية، بداية من التنمية الاقتصادية وما يرتبط بها من قضايا التبادل التجاري والتحول الرقمي والبنية التحتية، وصولًا لقضايا التغير المناخي وما يرتبط بها من قضايا التحول الأخضر والبنية التحتية الرقمية، فضلًا عمّا طرأ من قضايا مرتبطة بالصحة وأهمية تعزيز النظم الصحية الإفريقية، وتوفير التمويل المتعلق بلقاح كورونا.

وبجانب طبيعة القضايا، التي فرضت أهمية إعادة صياغة العلاقات، فإن الإطار الحاكم للعلاقات الأوروبية – الإفريقية نفسه بحاجة لإعادة النظر من قبل الاتحاد الأوروبي، في ظل تحرك الدول الأوروبية بمفردها في علاقات ذات طابع ثنائي، في مقدمتها العلاقات الفرنسية بالقارة، سواء على المستوى القاري بما دشنته في سبعينيات القرن الماضي – القمة الفرنسية الأوروبية-، أو العلاقات الثنائية وخاصة في منطقة الساحل الذي يغلب عليها الطابع الأمني. 

وفي ظلّ تراجع الدور الفرنسي في منطقة الساحل، وما تواجهه من اختبار صعب، سواء فيما يتعلق بمدى نجاح مقاربتها من عدمه أو ما يتعلق بمدى إقناعها للدول الأوروبية بأهمية استمرار التعاون الأمني ومشاركة الأعباء في الساحل. 

قضايا مشتركة

انعكست القضايا والأولويات الأوروبية المشتركة، في استراتيجيات الاتحاد الأوروبي من جهة، والأولويات الإفريقية وطموحات التنمية الإفريقية من جهة أخرى، فجاءت استراتيجية الاتحاد الأوروبي لإعادة بناء الشراكة الإفريقية مشتملة على خمسة مجالات رئيسية وهي : التحول الأخضر والوصول إلى الطاقة والتحول الرقمي، والنمو المستدام والوظائف،  والسلام والحوكمة، والهجرة والتنقل. 

وكذلك وثيقة مخرجات القمة الأخيرة، والتي انعكست فيها القضايا المشتركة محل النقاش، فخرجت القمة بوثيقة تحت عنوان “رؤية مشتركة لعام 2030″، والتي شملت ثمانية مجالات للتعاون، يمكن إجمالها في أهم القضايا الإفريقية الأوروبية ذات الاهتمام المشترك في: 

أولًا: قضايا الطاقة والتغير المناخي

ارتباطًا بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، فإن الأمن المناخي هو إحدى الأولويات التي يجب أن تدعم التنمية والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، بما تتطلبه من تطور المهارات والقدرات وأهمية نقل التكنولوجيا التي من شأنها خلق وظائف خضراء، بما يسهم في النهاية في تحقيق نمو عادل ومستدام. 

وتستند الرؤية الأوروبية في تحقيق الأمن المناخي وتبني سياسات التكيف على استراتيجية الصفقة الخضراء، التي تنطلق من خلالها للتعاون مع القارة الإفريقية في قضايا المناخ، خاصة مع استضافة مصر للقمة المناخية القادمة. 

ومن المنظور الإفريقي، فإن هناك مساعٍ لبناء شراكات إفريقية – أوروبية وفق الرؤية الأوروبية لسياسات التكيف للتحول العادل نحو الاقتصاد الأخضر، تستند تلك السياسات وفق الأولوية الإفريقية على أهمية الانتقال العادل نحو الانخفاض الكربوني، حيث تعتمد الاقتصادات الإفريقية بشكل عام على الموارد ومصادر الطاقة الكربونية، كما أن البنية التحتية الخضراء نفسها بحاجة إلى موارد الطاقة الكربونية، بما يفرض أهمية التوافق على السياسات الكربونية بشكل عادل.

ويستند المنظور الإفريقي كذلك إلى الظلم المناخي، نظرًا إلى تحمل القارة أعباء أكبر بكثير من مشاركتها في أزمات التغير المناخي، لذا هناك دعوة إلى سياسات تكيف عادلة، بما يخفف الأعباء على القارة، لذا يعد التمويل والمساعدة على التكيف أحد مجالات النقاش الإفريقية الأوروبية، مع أهمية الالتزامات الأوروبية في مجالات التحول الأخضر وكذلك السياسات التجارية الأوروبية، التي تفرض شروطًا معينة على الواردات إلى الاتحاد الأوروبي، بما يفرض قيودًا على الواردات من القارة الإفريقية، وهي أمور ذات اهتمام مشترك، بما يدعم قضايا الاقتصاد والطاقة والغذاء والنمو المستدام. 

ثانيًا: قضايا النمو والتحول الاقتصادي

فيما يتعلق بجوانب النمو والتنمية الاقتصادية، يسيطر على النقاش قضايا التمويل المتعلقة باللقاح، سواء فيما يرتبط بتوفير اللقاحات نفسها، أو حزم التمويل المالي لإنتاج وتصنيع اللقاحات، لتحسين الوصول إلى اللقاح، إذ وصلت نسب الحصول على اللقاح في إفريقيا حوالي 11% مقارنة بنسبة تصل إلى 70% في أوروبا. وفي ضوء قدرة الدول الأوروبية على دعم اقتصاداتها بحزم دعم مالي تصل إلى ما يقارب 24% من ناتجها المحلي، فإن هناك حاجة وفاء الدول الأوروبية بوعودها وزيادة المخصصات للدول الإفريقية المتعلقة بحقوق السحب الخاصة.

وبذلك فإن الحصول على التمويل لمواجهة الأزمات الصحية، بما في ذلك إنتاج لقاح كورونا، أصبح ضمن القضايا الاستراتيجية، التي تصدرت أجندة القمم والمنتديات الدولية، وبنفس القدر الذي يمثل فيه التمويل تحديًا بالنسبة للدول الإفريقية، فإنه بات يشكل تحديًا آخر لاختبار الالتزام الأوروبي حيال القارة الإفريقية، في ظل تصاعد التنافس الدولي بشكل عام، والتنافس فيما يتعلق بدعم القدرة الإفريقية للتعافي بعد الجائحة بشكل خاص. ولعل الالتزام الصيني –خلال آخر منتدى للتعاون الصيني الإفريقي ” فوكاك”-،  بتوفير نسب كبيرة من اللقاح وكذلك تكنولوجيا إنتاج اللقاح التي تحفظت الدول الأوروبية مشاركتها، وتمّ الاتفاق على نقل التكنولوجيا بنسب محدودة حتى الآن.  والأمر نفسه تكرر خلال القمة التركية – الإفريقية، ديسمبر 2021، مع تعهد الرئيس التركي بالتبرع ب 15 مليون جرعة من اللقاح، معتبرًا أن عدم الحصول على اللقاحات هو عار على الإنسانية. 

ويرتبط هذا المشهد الاقتصادي – المتعلق بالتنافس على مساعدة إفريقيا للتعافي الاقتصادي بعد كورونا-، بمشهد دولي أوسع يتضمن تصاعد التنافس الدولي على القارة، والذي يتخذ أبعادًا اقتصادية وتنموية، تستهدف إدماج إفريقيا في سلاسل الإمداد والطرق والأسواق العالمية. 

وهي المنافسة التي حتمًا تفرض على الأجندة الأوروبية تحديات، ترتبط بأهمية إعادة النظر في طبيعة الشراكة، في ظل غلبة الطابع الأمني على مستويات التعاون، وكذلك في ظل المواقف الأوروبيية المتناقضة تجاه القارة، في وقت يتشارك فيه الطرفان الطموحات التنموية التي تتطلب رفع مستويات الشراكة الاستراتيجية، بما يلبي طموحات التحول الاقتصادي وقضايا النمو والتنمية.

ثالثًا: قضايا الأمن والسلام

يغلب الطابع الأمني على شكل العلاقات الأوروبية الإفريقية، وتعد قضيتا الهجرة والسلام ومكافحة الإرهاب، أبرز القضايا الأمنية الحاضرة على أجندة العلاقات الثنائية بين الطرفين. وعلى الرغم من احتلال قضايا الهجرة أولوية متقدمة على الأجندة الأوروبية، نظرًا لكونها الوجهة الأساسية للهجرة القادمة إليها من إفريقيا، إلا أن الحديث عن قضايا الهجرة خفت نسبيًا عن السنوات الماضية، كما أنه تراجع لصالح احتلال قضايا مكافحة الإرهاب وبناء السلام والحوكمة أولوية متقدمة. 

وفيما يتعلق ببناء السلام، فإن القارة الأوروبية تعد أكبر ممول لعمليات السلام في الأمم المتحدة، كما أن انخراطها الأمني بشكل مباشر، كان واضحًا في منطقة الساحل، بالمشاركة في بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي ” مينوسما”، فضلًا عن التواجد الفرنسي بشكل رئيسي في المنطقة. 

ويواجه هذا الدور الأمني لأوروبا اختبارًا صعبًا، مع تراجع الحضور الفرنسي في المنطقة، واضطرار فرنسا نفسها للانسحاب من مالي، رغم ما كان لديها من حرص على استمرار الانخراط الأمني، وقتما كان هناك تراجع في الدعم الأوروبي لهذا الانخراط، كما أن عودة موجات التحول غير الديمقراطي والانقلابات في غرب إفريقيا، مثّل تحديًا للالتزامات الأوروبية الأوروبية بما يتعلق بقضايا الحكم الرشيد. 

تتزامن تلك التحديات، مع تصاعد التحديات والالتزامات الأمنية التي تواجه الاتحاد الأوروبي، وما سينعكس على مستقبل الانخراط الأمني في المنطقة، وكان إعلان وزيرة خارجية السويد الأخير، بانسحاب قوات بلادها من بعثة الأمم المتحدة في مالي خلال عام، نظرًا للأحداث التي تشهدها أوروبا، أول مؤشر ضمن مؤشرات عديدة للقيود المفروضة على الدور الأمني الأوروبي في إفريقيا

وربما يمثل تحويل مرفق السلام الإفريقي التابع للاتحاد الأوروبي إلى مرفق السلام الأوروبي، بما يسمح للاتحاد الأوروبي بلعب دور مباشر مع الدول الإفريقية دون اللجوء إلى الاتحاد الإفريقي، خطوة في إعادة صياغة الشراكة الأوروبية الإفريقية في المجالات الأمنية، وإن كان ذلك سيقلل من فرص الاتحاد الإفريقي كمؤسسة قارية في إبداء الرأي والمشورة، بما قد يدفع بعض الدول والأنظمة إلى توظيف تلك الآلية واستدعاء التدخل، الذي قد مدفوعًا بسياق تنافسي أكثر من دوافع الأمن الإفريقي. 

كلّ هذا، يأتي في استمرار تحديات المنافسة الدولية، سواء على المستوى الأمني نفسه، مع وجود البديل الاستراتيجي، لإعادة ملء الفراغ الأوروبي، والذي ظهر مخرًا في الجدل على التدخل الروسي في مالي لإعادة ملء الفراغ الأمني في البلد. 

ولا يقتصر الأمر على الجوانب الأمنية التي كانت تحظى بأولوية أوروبية على غيرها من الجوانب الاستراتيجية، بل في ظل تنامي الرغبة لإعادة صياغة العلاقة الأوروبية الإفريقية، بما يتناسب مع حجم التحديات والطموحات الاستراتيجية للطرفين، شهد الدور الأوروبي تحديًا متصاعدًا على المستوى الذي كان يحقق فيه الريادة، مع تفاقم التحديات على جوانب الشراكة الأخرى، فيما جاءت نتائج القمة الأخيرة متواضعة نسبة إلى ما هو مأمول، رغم ما أعلن الاتحاد الأوروبي عنه من تقديم استثمارات لإفريقيا بقيمة 150 مليار يورو خلال السنوات السبع القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى