أفريقياسياسة

توسيع دائرة الحركة..زيارة الرئيس السيسي لجيبوتي

في زيارته الأولى، أجرى الرئيس السيسي زيارة سريعة إلى جيبوتي امتدت ليوم واحد في السابع والعشرين من مايو 2021، في توقيت شديد الأهمية بما يضفي مزيد من الأهمية على تلك الزيارة التي تحمل الكثير من الدلالات والأبعاد في سياق مليء بالمتغيرات. لذا، أثارت زيارة الرئيس المصري إلى جيبوتي العديد من التساؤلات حول أهدافها وتوقيتها وكذلك مآلاتها.

مصر وحوض النيل ..تقارب استراتيجي

تقع جيبوتي في القلب من منطقة القرن الأفريقي، حيث تشارك حدودها مع كل من إريتريا وإثيوبيا والصومال، كما أنها تمتد على البحر الأحمر وخليج عدن بخط ساحلي يبلغ طوله 370 كم، بما يجعل منها دولة محورية في تفاعلات السياسة في منطقة القرن الأفريقي، وكذلك في معادلة الأمن في منطقة البحر الأحمر.

وبعد وصول الرئيس السيسي للحكم أولى الدائرة الأفريقية أهمية خاصة إدراكًا منه بأهميتها للأمن القومي المصري، وفي القلب من أفريقيا تحظى دول شرق أفريقيا والقرن الأفريقي وحوض النيل بأهمية خاصة. وزادت ضرورة ترجمة هذه الأهمية إلى تحركات وسياسات فعلية مع تسارع وتيرة التفاعلات والتحولات التي تشهدها دول القرن الأفريقي والمنطقة بشكل عام والتي يعد التفاعل في حوض النيل جزءًا من كل من هذه التفاعلات. 

وكان هناك تقديرات مصرية تطالب صانع القرار بحتمية تفعيل سياسة مصرية فاعلة إزاء منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل، في ظل التقديرات التي ترى أن التحديات التي تواجه السياسة والمصالح المصرية في المنطقة ناجمة عن تراجع الدور المصري لعقود في تلك المنطقة الحيوية لأمن مصر القومي والمائي. 

فجاءت التحركات المصرية ثابتة وفاعلة، بداية من السياسة القارية التي تبناها الرئيس أثناء رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، التي ارتكزت على تحقيق أولويات التنمية والأمن بما يتوافق مع أولويات التنمية الإفريقية 2063. والتي تزامنت أيضًا مع الانفتاح على الجانب السوداني بعد رحيل نظام البشير. وبالفعل على مدار نحو عامين توطدت العلاقات المصرية السودانية إلى الحد الذي اتسقت معه مواقف الأخيرة في قضية مياه النيل، بعد سنوات من التقارب مع وجهة النظر الإثيوبية أثناء حكم البشير. وكذلك عززت مصر من التعاون الاقتصادي والتنموي مع السودان كجزء من استراتيجية تنموية أوسع إزاء حوض النيل والقارة الأفريقية، ترتكز على ثنائية التنمية والأمن. 

فأطلقت مصر مع العديد من الدول الأفريقية المشاريع التنموية الرائدة في البنية التحتية والنقل والطاقة والكهرباء، والزراعة باعتبارها ركائز التنمية الأفريقية وفقًا لمحاور رؤية ٢063، وكذلك وفقًا للأولويات التنمية للدول الأفريقية في تلك المجالات.  هذه النقلة في التعاون التنموي مع الدول الأفريقية، تضاف إلى علاقات التعاون المؤسسي والاقتصادي القائمة بالفعل، لكن عكفت القيادة المصرية على نقل مستويات التعاون مع الدول الأفريقية إلى مستويات أرحب، بما يليق بحجم التحديات والآمال التنموية المشتركة، على نحو يمكن أن يرتقي معه وصف التواجد والتعاون المصري مع دول القارة إلى شراكة استراتيجية حقيقية. 

 وفي مقدمة هذه الدول السودان، التي رفعت مصر معها مستويات التعاون الاقتصادي والتنموي خلال فترة التحول التي تمر بها، وقدمت لها الدعم الاقتصادي والدبلوماسي في كافة المراحل. ورفعت كذلك مستويات التعاون الإنساني والأمني والعسكري، إلى الحدّ الذي وصل إلى توقيع اتفاق عسكري مشترك بين البلدين في مارس الماضي.

 أضف إلى ذلك العلاقات الراسخة والممتدة مع جنوب السودان، واتصالًا بذلك، عاودت مصر التقارب مع أغلب دول حوض النيل والمنطقة من جديد خاصة على المستويات الدبلوماسية بعد فترات من الجمود. فاستقبلت أغلب دول حوض النيل وفودًا دبلوماسية على رأسها وزير الخارجية المصري، السفير سامح شكري، ليشرح وجهة النظر المصرية من قضية مياه النيل وسد النهضة.

واقترنت تلك التحركات الدبلوماسية بمدّ أواصر التعاون التنموي الحقيقي، بما يؤكد سياسة مصر الساعية إلى التعاون والشراكة التنموية. فهناك تعاون مصري في مجالات المياه والسدود بالفعل مع دول منابع وحوض النيل، من بينها تنزانيا، التي تشهد إقامة سد ” جوليوس نيريري” بأيدٍ مصرية. 

وانصرف هذا التوجه الدبلوماسي الفاعل على أغلب دول المنطقة، فشهدنا تعاون دبلوماسي مصري مع دولة الكونغو الديمقراطية، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، إذ قدمت مصر الدعم الفني وتبادل الخبرات وتدريب الكوادر في مجالات الإدارة والدبلوماسية، بما يتسق مع متطلبات رئاستها للاتحاد. 

وارتقى وامتد هذا التعاون التنموي والتواصل الدبلوماسي بين دول حوض النيل، ليصل إلى أقصاه في شكل تعاون عسكري، بعد أن وقعت مصر اتفاقية تعاون عسكري مع كل من كينيا في 26 مايو 2021، وكذلك مع أوغندا وبوروندي في إبريل الماضي، بعد الزيارة التي أجراها رئيس الأخيرة “إيفارست نداشيمي” لمصر في مارس الماضي، بهدف رفع مستويات التعاون بين البلدين في كافة المجالات بما فيها التعاون العسكري، وكذلك تنسيق الرؤى فيما يخص التعاون في إطار حوض النيل.

مصر وجيبوتي..أهمية التقارب

وإذا كان هذا هو شكل التفاعل المصري في المنطقة، فمن الأهمية التقارب مع جيبوتي في ذلك التوقيت الحاسم، الذي تشهد فيه دول القرن الأفريقي تحولات سياسية في كل من السودان والصومال وإثيوبيا، بما يفرض ضرورة خلق إجماع وتنسيق الرؤى حول مستقبل الأمن في المنطقة. 

وهو ما اتفق عليه الرئيسان بالفعل على هامش الزيارة، بضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، باعتبار جيبوتي دولة استراتيجية لتفاعلات السياسة في المنطقة، وعضو في “مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن”، إذ أتفق على التصدي لأية محاولة من أطراف من خارج الإقليم لفرض رؤيتهم على المنطقة. بما يعكس تنامي الإدراك لحجم التنافس والتدافع الإقليمي والدولي على المنطقة، بما يتقاطع مع مصالح وأمن دول المنطقة.

تأتي هذه الزيارة كذلك بعد انتهاء جولة المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي، وحالة الاستقطاب المتصاعدة في المواقف التفاوضية حول حوض النيل، بما جعل المنطقة عرضة لعدم الاستقرار. وكذلك التفاعلات السياسية الداخلية في إثيوبيا، التي جعلت البلد عرضة لمزيد من عدم الاستقرار، بما يهدد استقرار البلاد والمنطقة بأكملها.

ونطرًا لأهمية المنطقة للمصالح الأمريكية، تم تسمية مبعوث أمريكي يشرف على مصالح السياسة الأمريكية في المنطقة، بعد أن عجزت إثيوبيا عن القيام بهذا الدول، كوكيل وراعي للمصالح الأمريكية في المنطقة. كذلك احتدام التنافس الأمريكي الصيني في المنطقة، وكذلك عودة النشاط الروسي وكذلك الفرنسي، ناهيك عن القوى الإقليمية، يجعل من الأهمية للسياسة المصرية أن تبني إجماع مشترك حول حالة الأمن والاستقرار في المنطقة، بما يتسق مع أولويات الأمن القومي المصري في منطقة تشهد تفاعلات محتدمة، وفي توقيت يشهد إعادة هندسة للسياسة الإقليمية، وفي القلب من تلك التفاعلات تقع جيبوتي ساحة للتنافس، عبر دبلوماسية القواعد العسكرية والموانئ. وبالتالي فإن جيبوتي واحدة من الدول التي يجب أن يكون هناك تنسيق في المواقف والرؤى معها، باعتبارها محور التفاعلات وقبلة الفواعل الإقليمية والدولية في المنطقة. 

مصر وجيبوتي..علاقات ممتدة

تمتمد العلاقات المصرية الجيبوتية لثلاثة آلاف عام مضت، بما يعكس روابط ثقافية ممتدة عبر التاريخ. وفي التاريخ الحديث، كانت مصر من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية معها عقب استقلالها عام 1977. ومنذ ذلك الحين وهناك علاقات مؤسسية ثابتة بين البلدين. غير أنه مع تراجع السياسة المصرية بشكل عام عن منطقة حوض النيل وشرق أفريقيا، تراجع الدور المصري في جيبوتي أيضًا. 

إلا أن هذا التراجع لا يعني في مجمله غياب تام، فظلت العلاقات المؤسسية راسخة وثابتة بين الجانبين، وإن كان هناك تراجع دبلوماسي من حيث التنسيق في الرؤى والمواقف الإقليمية. فوصل حجم التبادل التجاري بين البلدين لعام 2018 48.01 مليون دولار خلال 2018 ، مقابل 37.99 مليون دولار خلال 2017.

ومنذ وصول الرئيس السيسي للحكم، وهناك تقارب مصري يليق بتاريخ العلاقات بين البلدين، فأجرى الرئيس إسماعيل عمر جيلة أول زيارة لمصر عام 2016، تناولت سبل تعزيز مختلف العلاقات بين البلدين وكذلك مناقشة القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

وعلى هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2019، عقد الرئيس السيسي قمة ثلاثية بين مصر وجيبوتي وكينيا، بما يعكس نهجًا مستمرًا من التقارب مع دول المنطقة. وكانت هذه القمة تلبية لطلب جيبوتي وكينيا، أثناء رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي.

وتنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بدفع العلاقات الثنائية بين البليدن، أجرى وفد مصري رفيع المستوى زيارة إلى جيبوتي مارس الماضي، للتشاور السياسي وبحث العلاقات الثنائية بين البلدين في مجالات الصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية وكذلك في مجال الموانئ. 

هذا إضافة إلى التعاون الثقافي عبر وزارة الثقافة والمنح التي يقدمها الأزهر الشريف وكذلك التعاون الجامعي، وإنشاء معهد للأزهر الشريف لخدمة المهتمين بالعلوم الدينية، فضلًا عن التعاون الفني وتبادل الخبرات والتدريب  عبر الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية. 

ويستند هذا التعاون في كافة أوجه المجالات، إلى مذكرات التفاهم التي وقّعها رئيسا البلدين عام 2016 على هامش زيارة الرئيس الجيبوتي لمصر، في مجالات التعليم الفني والتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري، والصحة وكذلك مجالات الطاقة الكهرباء والتعاون في مجال الموانئ، عبر تدشين تعاون بين هيئة قناة السويس وهيئة موانئ جيبوتي.

علاوة على ما سبق، هناك تعاون في المجال العسكري والأمني لمواجهة التهديدات الأمنية المشتركة في البحر الأحمر والمنطقة، إنطلاقًا من أهمية موقع جيبوتي الاستراتيجي لأمن المنطقة. كما أرسلت مصر مساعدات إنسانية أثناء تعرض جيبوتي  لفيضانات عام 2019. 

 أخيرًا، تكشف زيارة الرئيس السيسي إلى جيبوتي في ذلك التوقيت عن سياسة مصرية واعية لمحددات وأبعاد مصالحها، في كافة الدوائر والاتجاهات. وتخلق هذه التحركات حالة من التفاؤل بالتحركات والدبلوماسية المصرية إزاء منطقة، كثيرًا ما طالب الخبراء صناع السياسة بضرورة إيلاء تلك المنطقة مزيدًا من الاهتمام في أجندة السياسة المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى