السد الإثيوبي

جولة المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي والدور المنتظر من الأطراف الإقليمية

يجري المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي، جيفري فيلتمان، جولة جديدة للمنطقة، تشمل زيارته كلًا من: قطر والإمارات والسعودية وكينيا، ستنتهي اليوم في السادس من يونيو 2021. وتأتي هذه الجولة بعد واحدة أجرها في الفترة ما بين 4 – 13 من مايو المنصرم، زار خلالها كلًا من مصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا.

وتأتي هذه الجولات المكوكية في إطار الانخراط الدبلوماسي الأمريكي للتعاطي مع أزمات المنطقة، خاصة الصراع في إقليم التيجراي الإثيوبي والنزاع الحدودي السوداني – الإثيوبي، علاوة على مفاوضات سدّ النهضة المتعثرة؛ خاصة بعد أن أعلنت الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي جو بادين تسمية مبعوث للتعامل مع أزمات منطقة القرن الإفريقي، بعدما أصبحت المصالح الاستراتيجية الأمريكية عرضة للتهديد، في ظل منطقة قابلة للانفجار في أية لحظة. 

الدبلوماسية الأمريكية

يأتي إقدام الإدارة الجديدة على تعيين مبعوث للمنطقة في إطار رفع درجة الانخراط مع واحدة من المناطق الحيوية لمصالحها الإستراتجية، بعد أن أصبح القرن الإفريقي عرضة لعدم الاستقرار؛ في ظل التوترات المحلية والإقليمية التي تشهدها دول المنطقة. وتعكس تلك التحركات رغبة أمريكية في الانخراط لحلحلة أزمات المنطقة، بشكل شبه مباشر، حتى وإن بدا أنها تعمل على توظيف تحالفاتها الإقليمية للعب دور الوساطة؛ إلا أن خطوة تسمية مبعوث للمنطقة تأتي في إطار مراجعات أمريكية لأهمية المنطقة لمصالحها، بما يفضي بالضرورة إلى الانخراط عن قرب، بعد أن باتت دولة مثل إثيوبيا، التي كانت تعمل في السابق على رعاية المصالح الأمريكية في المنطقة، هي نفسها الدولة التي تهدد أمن واستقرار المنطقة. 

وذلك بعدما تراجعت مكانة القارة في استراتيجية إدارة ترامب، على نحوٍ اقتصر معه أهمية القارة على مواجهة مخاطر تمدد النفوذ الصيني والروسي في القارة؛ فترتب على ذلك إعلان ترامب عن مجموعة من القرارات؛ منها تخفيض قوات أفريكوم في القارة، وكذلك تخفيض القوات الأمريكية المشاركة في قوات حفظ السلام بالصومال، تمهيدًا لانسحابها. 

غير أن أزمات المنطقة فرضت نفسها على الأجندة الأمريكية، حتى انخرطت في رعاية مفاوضات سدّ النهضة إلى أن تغيّب الوفد الإثيوبي عن الجولة الأخيرة ورفض التوقيع على وثيقة واشنطن، في فبراير 2020. كشف هذا الموقف عن التعنت الإثيوبي أمام الإدارة الأمريكية، مما دفع إدارة ترامب إلى فرض عقوبات، عبر تخفيض المساعدات إلى إثيوبيا، ووصل هذا الموقف إلى أقصاه مع التصريح المثير للجدل الذي خرج به، ترامب، في أكتوبر الماضي، خلال الاتصال الذي أعلن خلاله التطبيع بين السودان وإسرائيل، ليقول على الهواء بأن مصر قد تعمد إلى تفجير السدّ، لأنها لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة، في انتقاد صارخ للموقف الإثيوبي.

وغادر الرئيس ترامب منصبه، تاركًا على أجندة الإدارة الجديدة تساؤلًا استراتيجيًا، يرتبط بمكانة القارة الإفريقية بوجه عام ومنطقة القرن الإفريقي بوجه خاص في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. وبناءً عليه، يمكن تحديد الآليات والأدوات التي يمكن توظيفها لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. 

وأجمعت كافة التقديرات الاستراتيجية، أنه على الإدارة الجديدة تعيين مبعوث للقرن الإفريقي، لمباشرة المصالح الأمريكية في المنطقة؛ تزامنًا مع تصاعد التحديات التي تشهدها المنطقة، بداية من أزمة إقليم التيجراي، التي تزامنت مع الانشغال الأمريكي في معركة الانتخابات الرئاسية، مرورًا بتصاعد التوترات الحدودية السودانية – الإثيوبية، فضلًا عن اتخاذ التفاعلات حول السد منعطفًا متصاعدًا، مع إعلان إثيوبيا عزمها على المضيّ قدمًا نحو الملء الثاني في يوليو المقبل، دون التوصل لاتفاق؛ على نحوٍ دفع دولتي المصب بالتصعيد الدبلوماسي، خلال الشهرين الماضيين.

ففي الثلاثين من مارس الماضي، ولأول مرة تتصاعد نبرة تصريحات الرئيس السيسي حول السدّ، فحذر من المساس بحق مصر في المياه، معتبرًا ذلك خطًا أحمر، قائلًا “لا أحد يستطيع أن يأخذ قطرة ماء من مياه مصر، ومن يريد أن يحاول فليحاول وستكون هناك حالة من عدم الاستقرار في المنطقة بكاملها ولا أحد بعيد عن قوتنا”.

أعادت هذه التطورات اللافتة شدّ أنظار المجتمع الدوليّ من جديد تجاه المنطقة، ليضطلع بدوره لوأد فتيل الأزمات القابلة للاشتعال، بعدما اتجهت دولتا المصب إلى ترجمة ردعهما الدبلوماسيّ إلى مؤشرات ملموسة، ترجمها اتفاق التعاون العسكري المشترك بينهما، والمناورات الجوية والبحرية الأخيرة التي أخذت قيمة رمزية من تسميتها بمناورة “حماة النيل”، واعتبار مصر أن أي اعتداء على السودان هو اعتداء على مصر، وتأكيد تضامنها معه في تأمين حدوده وبسط سيادته على كامل إقليمها. 

في هذا السياق المتفاقم، ما لبثت الإدارة الأمريكية إلا أن تتبنى دبلوماسية فعّالة حيال المنطقة، بداية من الدفع بملف التيجراي على أجندة مجلس الأمن، والتواصل مع المسؤولين الإثيوبيين للتوقف عن أعمال التطهير العرقي في الإقليم وإخراج القوات الإريترية من الإقليم. 

ومن خلال الصيغة التي جاء بها قرار تسمية المبعوث الأمريكي، وكذلك الصيغة التي خرج بها البيان الأمريكي عقب انتهاء جولته الأولى، يمكن فهم الأولويات الأمريكية في المنطقة. فاتساقًا مع أولويات إدارة بايدن بتعزيز قيم الديمقراطية والحكم الرشيد في القارة، أكد البيان التزام الولايات المتحدة بمعالجة أزمات المنطقة، مشددًا على أهمية بقاء إثيوبيا كدولة موحدة؛ في تنامٍ للمخاوف الأمريكية من حالة الاستقطاب السياسي والعرقي التي تشهدها البلاد.

وأكد البيان العمل مع الشركاء الدوليين لتأمين وقف إطلاق النار وإنهاء ما أسماه بالصراع الوحشي، والعمل على توفير المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين المتورطين من الجانبين الإثيوبي والإريتري، مدنيين كانوا أم عسكريين. ودعا كذلك إلى ضرورة بناء إجماع وطني شامل حول مستقبل البلاد، يقوم على احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع الإثيوبيين. وأكدّ البيان أيضًا استمرار دعم الولايات المتحدة للمرحلة الانتقالية السودانية، مع ربط التزامه بحلّ النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا بالرغبة في ألا يقوّض هذا النزاع التقدم الهش الذي تمّ إحرازه منذ الثورة السودانية. 

وحتى لحظة تعيين فيلتمان، لم يكن عامل الوقت حاسمًا بالنسبة لأزمة السدّ، علاوة على أنه تبنى في وقت سابق المقترح الإثيوبي بإبرام اتفاق قصير الأجل يتعلق بالملء الثاني فقط. غير أنه مع تمسك دولتي المصب بموقفهما، دعا البيان الأطراف الثلاثة إلى استئناف المفاوضات على وجه السرعة، استنادًا إلى اتفاق إعلان المبادئ 2015، وكذلك بيان الاتحاد الإفريقي يوليو 2020.

ووفقًا بإشارة البيان إلى أن هناك قرارات أمريكية متعلقة بالمنطقة سيتم اتخاذها الفترة المقبلة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المسؤولين الإثيوبيين ونظرائهم الإريتريين ممن تورطوا في أعمال عنف وجرائم ضدّ الإنسانية في إقليم التيجراي الإثيوبي. وهو الإجراء الذي هاجمته إثيوبيا، معتبرة أنه تدخل في شؤونها الداخلية، وأنها ستعيد النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

الأطراف الإقليمية

غادر فيلتمان عقب جولته الأولى معلنًا عن عودته في أقرب وقت ممكن، لاستكمال ما بدأه من جهود دبلوماسية لحلحة أزمات المنطقة. وبعد أن التقى بأصحاب المصلحة الرئيسين في جولته الأولى، يتجه في جولته الحالية إلى الأطراف الإقليمية التي يمكنها أن تلعب دورًا حاسمًا في أزمات المنطقة، سواء بالتحالف أو الوساطة أو الضغط. 

فبينما يربط البعض بين تلك الجولة ورغبة الولايات المتحدة في توظيف تحالفاتها الاستراتيجية في المنطقة لتحقيق مصالحها، بدلًا من الانخراط طويل الأمد في أزمات المنطقة؛ فإن خطوة تعيين المبعوث نفسها تّعد عودة للانخراط المباشر، بعدما أصبحت إثيوبيا عاجزة عن الوفاء بدورها كحليف استراتيجي في المنطقة للولايات المتحدة.

وبدلًا من البحثّ وراء تفسير لمستوى الانخراط الأمريكي في المنطقة في هذه الآونة، -وهل هي راغبة في حضور مباشر لاحتواء نفوذ الصين في المنطقة وكذلك روسيا التي أعادت الانخراط مرة أخرى في المنطقة، تجلت مؤشراته في التقارب مع السودان والاتفاق على إقامة قاعدة لوجستية على البحر الأحمر؛ أم أنها لا زالت تبحث عن وكيل جديد يباشر مصالحها الاستراتيجية في المنطقة؛ سواء ستبقى في ذلك على إثيوبيا أم ستتجه إلى حليف جديد- فإن البحث ضروري عمّا يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة بالتعاون مع شركائها الإقليميين لحلحلة أزمات المنطقة، لإرساء الاستقرار بداية، ومن تمّ الاتجاه نحو إعادة صياغة مصالحها في المنطقة التي باتت تشهد تدافعًا دوليًا متصاعد.

وبالبحث فيما يمكن أن تقدمه الدول المختارة من أدوار دبلوماسية؛ يمكن البحث في تلك الأدوار، وفقًا لترتيب الجولة: قطر، المملكة العربية السعودية، الإمارات، كينيا؛ على النحو التالي:

  • قطر: 

أثناء المقاطعة العربية لقطر؛ كانت الشكوك تثار حول الدعم القطري للنظام الإثيوبي، لإتمام السدّ بتمويل قطري، بما يمثل ضغطًا على القاهرة. فأشارت تقارير صحفية إلى تسريب للمعارضة القطرية، عبر شبكة “قطريليكس” أن هناك مصادر أشارت إلى ضغط النظام القطري على أديس أبابا لعدم إبداء مرونة والموافقة على المفاوضات في واشنطن، فبراير 2020. 

وذكرت المصادر، أن وفدًا قطريًا سافر إلى أديس أبابا، للضغط والتلويح بسحب استثمارات قطرية بقيمة 3 مليارات دولار، كوديعة مخصصة لاستكمال السدّ، إضافة إلى وديعة مماثلة أودعتها تركيا. وأشارت التسريبات إلى ضغط البنك المركزي الليبي الذي يسيطر عليه الإخوان، والتهديد بسحب وديعة بقيمة مليار دولار؛ ذلك في توقيت تنتشر فيه أزمة كورونا، ووجود صعوبات في إيجاد بديل للتمويل، بما يعرقل استكمال السدّ.

وهذه التسريبات لا تبتعد عن المواقف الدبلوماسية الكلية والتناقضات الاستراتيجية، التي اكتست بها مجمل التحركات القطرية الإقليمية، على نحوٍ يناوئ المصالح العربية، وفي مقدمتها مصر. وسرعان ما أعلن النظام القطري موقفًا مغايرًا في أعقاب قمة العلا، والانفتاح على إقامة علاقات إقليمية متوازنة، وفاءً بمخرجات وشروط القمة.

ورغم المواقف السابقة، جاء الموقف الرسمي القطري على هامش تصويت جامعة الدول العربية، متسقًا مع الإجماع العربي. إلا أن هذا الموقف لم يغير من حقيقة الموقف القطري السابق، والذي بدأ يأخذ منحى مغايرًا، تحديدًا بعد قمة العلا. 

وفي 23 مايو 2021، أجرى نائب رئيس مجلس الوزراء القطري ووزير الخارجية، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، جولة إقليمية، بدأت بالسودان، في محاولة لاستعادة التقارب؛ ذلك من خلال الدفع في مسار الدعم الاقتصادي، بعد المشاركة في مؤتمر دعم الاقتصاد السوداني بفرنسا، وقيامها بإعفاء السودان من باقي الديون. كما كان ملفي الحدود وسدّ النهضة من بين أبرز الملفات، التي أعلنت قطر عن نيتها لتقديم الدعم والمحاولة في الدفع بمسار المفاوضات قدمًا. 

وأعقب ذلك، زيارة إلى مصر، التقى خلالها بوزير الخارجية سامح شكري، في 25 مايو 2021، استهدف اللقاء مناقشة ما شهدته العلاقات الثنائية من تطورات إيجابية، وكذلك بحث سبل دفع آليات العمل العربي المُشترك في مواجهة التحديات التي يشهدها المحيط العربي والإقليمي لا سيما في ضوء رئاسة دولة قطر لمجلس جامعة الدول العربية، فضلاً عن مناقشة مواقف البلدين إزاء أهم القضايا الإقليمية بما في ذلك تطورات ملف سد النهضة الإثيوبي.

وفي 26 مايو، أجرى نائب رئيس مجلس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، محادثات مع وزير الدولة الإثيوبي للشؤون الخارجية؛ تناول خلالها وتناولت المناقشات، على وجه الخصوص، وضع سد النهضة الإثيوبي، والعلاقات بين إثيوبيا وقطر، بما في ذلك القضايا الإقليمية. يأتي ذلك في ضوء الاستثمارات القطرية في المنطقة، فإنها تحظى بثقل قد يمكنها من لعب دور في حلحلة أزمات المنطقة، التي ينعكس استقرارها على الأهداف والمصالح القطرية. 

  • المملكة العربية السعودية: 

سرعان ما انحاز الموقف السعودي إلى دعم وتأييد الموقف المصري، في أعقاب تصريح الرئيس السيسي في 30 مارس الماضي، فأصدرت المملكة بيانًا، أعلنت خلاله عن دعم وتأييد مصر والسودان في موقفهما، وقال البيان إن “السعودية تؤكد دعمها ومساندتها لمصر والسودان، وتؤكد أن أمنهما المائي جزء لا يتجزأ من الأمن العربي. وشددت السعودية على دعمها ومساندتها لأي مساعٍ تسهم في إنهاء ملف سد النهضة، وتراعي مصالح كل الأطراف، وضرورة الوصول إلى اتفاق عادل وملزم بخصوص سد النهضة في أقرب وقت ممكن.

وفي أعقاب الإعلان عن فشل جولة المفاوضات الأخيرة برعاية الكونغو الديمقراطية، 6 إبريل 2021، أعلن وزير الإعلام السعودي المكلف ماجد بن عبد الله القصبي، في بيان إن مجلس الوزراء برئاسة الملك سلمان، يعرب عن دعم ومساندة السعودية لجمهورية مصر العربية وجمهورية السودان، ولأي مساعٍ تسهم في إنهاء ملف سد النهضة وتراعي مصالح كل الأطراف.

وفي زيارة لوزير الدولة للشؤون الأفريقية بالخارجية السعودية، أحمد عبد العزيز قطان، للسودان، 17 فبراير 2021، أعلن أن المملكة تقف بقوة مع الأمن المائي للدول العربية، معلناً سعيها لإنهاء ملف سد النهضة بالشكل الذي يضمن حقوق السودان ومصر وإثيوبيا. وأشار قطان إلى أن خادم الحرمين الشريفين سيدعو في الوقت المناسب إلى قمة لمنظومة البحر الأحمر وخليج عدن لمباركة الميثاق، مؤكدًا أن منظومة البحر الأحمر ستكون لها أدوار في غاية الأهمية، أهمها خلق فرص استثمارية، والمحافظة على أمن البحر الأحمر.

وتجدر الإشارة إلى تأكيد مجلس الوزراء السعودي أن الأمن المائي لمصر والسودان هو جزء لا يتجزأ من الأمن العربي، مشددًا على رفضه أي عمل أو إجراء يمس حقوق الأطراف كافة في مياه النيل، وضرورة استئناف المفاوضات بحسن نية للوصول إلى اتفاق عادل يُراعي مصالح كل الأطراف؛ جاء ذلك في أعقاب اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب في دورته غير العادية بشأن سد النهضة الإثيوبي، حول تشكيل لجنة لمتابعة تطورات ملف سد النهضة والتنسيق مع مجلس الأمن بالأمم المتحدة حول التطورات كافة.

  • الإمارات:

دعت الإمارات إلى ضرورة استمرار المفاوضات بين الدول الثلاثة؛ عبر بيان لوزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، أكدّ على حرص الإمارات الشديد على استمرار المفاوضات المثمرة والبناءة بين الدول الثلاث.  وقد أعلنت الإمارات في مارس الماضي عن مبادرة لحل النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا، وكذلك التوسط في مفاوضات السد؛ وافقت عليها الحكومة السودانية. غير أن هذه المبادرة أثير حولها جدلً، خاصة بعد الاقتراح الإماراتي بتحويل منطقة الفشقة إلى منطقة استثمارات مشتركة. وبعد أن عاد السودان ليرفض هذه المبادرة، أعلنت الإمارات عن سحبها للمبادرة، الشهر الماضي، احترامًا للرغبة السودانية في تمسكه بحقوقه ووضع العلامات الحدودية.

  • كينيا: 

في زيارته للقاهرة؛ التقى الرئيس الكيني أوهورو كينياتا بالرئيس المصري، 4 أكتوبر 2021، عبّر خلالها الرئيس السيسي عن أولوية مسألة المياة بالنسبة للأمن القومي المصري. وكانت كينيا إحدى الوجهات التي توجه إليها وزير الخارجية المصري، في أعقاب فشل الجولة الأخيرة من المفاوضات، إذ التقى في 19 إبريل 2021، بالرئيس الكيني، أوهورو كينياتا، وذلك في مستهل جولته الإفريقية الرامية لتوضيح موقف مصر في قضية سد النهضة الإثيوبي؛ في ضوء وضع كينيا في حوض النيل من جهة، وكذلك عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي. ثم أنها كانت الدولة التي طالبت إثيوبيا بإدخالها كوسيط في المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي، عوضًا عن الدور الأمريكي.

غير أن الواقع الإفريقي، يشير إلى التقاء المصالح الكينية الإثيوبية في الكثير من القضايا الإقليمية، بما فيها ملف المياه؛ فكانت كينيا إحدى الدول التي وقّعت عام 2010 على اتفاقية عنتيبي، وإعادة طرح قضية حصص المياه، دون موافقة دولتي المصب. فضلًا عن أن التقاء المصالح بين الطرفين، جعل الرئيس كينياتا يتجاهل الأضرار التي تعرضت لها بلاده جرّاء السدود التي أقامتها إثيوبيا على نهر أومو المشترك بينهما وجفاف بحيرة توركانا. وفي عام 2012، أعلنت كينيا خطة لإنشاء 24 سدًا لتوليد الكهرباء، وتوفير احتياجات الزراعة ومياه الشرب على مجرى النيل، من دون إخطار رسمي لمصر أو السودان.

غير أنه ما يثير طرح وساطة كينية، هو إعادة خلق مصر لمصالح مشتركة مع كينيا، منذ أن أعادت الانفتاح عليها مرة أخرى بداية من العام 2016، وإقدام مصر على تقديم مبادرات دعم وتطوير الموارد المائية الكينية، وبناء عدد من السدود لتجميع المياه وحفر عدد من الآبار الجوفية. 

بيد أن هذا الواقع الذي جعل لكينيا مصالح متقاطعة مع مصر، لا يعني أنها ستنحاز إليها على حساب إثيوبيا، لكن يمكن أن يتم توظيف كينيا لوساطتها في سياق إعادة خلق دور إقليمي لها، بمواءمة ذلك مع مصالحها المرتبطة بالولايات المتحدة. وهو نفس الموقف الذي ينصرف على الدول الخليجية.

وبذلك، فإن الموقف الأقرب هو توظيف الولايات المتحدة لعلاقاتها الإقليمية بتلك الدول، للعب أدوار تظل رهن مواءمات وتقاطعات إقليمية، تنطلق في المقام الأول من مصالح الأطراف المتدخلة. وبالتالي، فإنه إذا لم تفلح تلك المحاولت في إثناء إثيوبيا عن تعنتها، فإن بقاء المفاوضات ممتدة، سيظل خيارًا يحقق مصالحها الإقليمية، التي ستصبح عرضة للتهديد من سيناريو المواجهة. ويفرض هذا الموقف على دولتي المصب إدراك طبيعة التحالفات والمصالح والأوزان الإقليمية، وإلى أي مدى يمكن أن تعمل تلك التوازنات لصالحها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى