أفريقيا

العلاقات المصرية – الإريترية في بيئة استراتييجة متحولة

في الثامن من يوليو الجاري، اختتم الرئيس الإريتري ” أسياس أفورقي”  زيارته الخامسة إلى مصر منذ 2013 والخامسة والعشرين منذ استقلال بلاده، وفقًا لما أعلنه المتحدث  باسم الرئاسة المصرية. وتأتي هذه الزيارة في إطار دبلوماسية نشطة ينتهجها الرئيس الإرتري مؤخرًا، في سياق مجموعة من المحددات والتحديات الداخلية والخارجية.

فقبل أكثر من أسبوع أجرى أفورقي زيارة مماثلة للسودان، التقى خلالها برئيس مجلس السادة السوداني ومجموعة من الوزراء ومسؤولي المرحلة الانتقالية، والتي تم التباحث خلالها في العلاقات الثنائية بين البلدين والتحديات الإقليمية التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي. كما زار الرئيس الإريتري إثيوبيا أيضًا، في مايو الماضي، والتقى خلالها بالرئيسة الإثيوبية ورئيس الوزراء، وتم خلالها مناقشة القضايا الثنائية وكيفية مواجهة جائحة كورونا والتنسيق في القضايا الإقليمية بما فيها مواجهة الجراد الصحراوي. 

وتُرجع التقارير هذا النشاط الدبلوماسي لأفورقي – بعد غيابه لنحو شهرين عن الساحة الداخلية، وتزامن غيابه حينها مع تقارير أفادت بتراجع حالته الصحية وتلقيه للعلاج في السعودية -، إلى رغبته في إيصال رسائل للداخل والخارج، تفيد باستمرار إحكامه السيطرة على مقاليد الأمور داخليًا واستمرار نشاطه في الدبلوماسية الإقليمية. وبغض النظر عن الدوافع الشخصية للرئيس الإريتري لهذا النشاط الدبلوماسي، فإن السياق الحالي هو من يدفع للبحث عن محددات ودلالات التحركات الإريترية الأخيرة، التي يُجمع الغالبية على ارتباطها بالمسار المتعثر لمفاوضات سد النهضة.

 وسعى أفورقي للعب دور في هذا الصدد، خاصة مع زياراته المتتابعة للدول المعنية الثلاث، بما يثير تساؤلًا آخر حول إمكانية لعب إريتريا هذا الدور، في ظل التحولات والتفاعلات الجارية في منظقة القرن الإفريقي، والتي لا تنفصل عنها السياسة الإريترية، فضلًا عن تحديات أفورقي المتصاعدة في الداخل وارتباطها بمستقبل حكمه. 

أولُا: محورية العلاقات الثنائية

 تتمحور العلاقات المصرية – الإريترية حول جملة من القضايا الإستراتيجية، التي تتقارب فيها وجهتا النظر؛ سواء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب والقرصنة وأمن البحر الأحمر، وكيفية إرساء الأمن في تلك المنطقة، أو ما يتعلق بمجالات التعاون الثنائي الفني والاقتصادي  –  عبر الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية- في مجالات التجارة والاستثمار والكهرباء والصحة والزراعة وصيد الأسماء، فضلًا عن العلاقات الثقافية بين الجانبين. ويعود هذا التقارب إلى الدور التاريخي المصري الداعم للجانب الإريتري في قضايا التحرر والاستقلال؛ فمنذ خمسينيات القرن الماضي، شهدت القاهرة تأسيس أول اتحاد طلابي إريتري، وافتتاح إذاعة لقادة الثورة، فضلًا عن استضافتها مقرًا لجبهة التحرير الإريترية في مطلع الستينات، كما كانت مصر أول من أقام علاقات مع إريتريا عقب الاستقلال في أوائل التسعينات، ناهيك عن الدور المصري في رفع العقوبات عنها مؤخرًا عقب الانفتاح على محيطها الإقليمي. 

ويتفق الجانبان على التنسيق فيما يخص مياه النيل، وأمن البحر الأحمر وباب النمندب والتهديد الحوثي لتلك المنطقة الاستراتجية، فضلًا عن قضايا السودان وجنوب السودان، ناهيك عن موقفهما من التواجد التركي بالصومال. ونظرًا لاستدامة العلاقات وتنسيق الرؤى الثنائية، والتي يمكن وصفها بالعلاقات الإستراتيجية، فإنه غالبًا ما يتم التباحث بشأن القضايا المشار إليها أعلاه في كل زيارة يعقدها الطرفان. غير أن الجديد في هذه المرة هو السياق والتحديات الإقليمية التي يمر بها الإقليم، والتي تتطلب بالضرورة تحديد موقف ورؤية واضحين إزائها ومعرفة حدود التوافق والاختلاف بشأنها.

 وفي هذا الخصوص تحديدًا يتعين على الجانب المصري تبيّن طبيعة وحدود الدور الإريتري في الفترة المقبلة، ومدى اتساقه مع الرؤية المصرية إزاء تلك القضايا الإقليمية، ويأتي ذلك في ضوء إعتبارين؛ ينصرف أولهما إلى حدود وأفق التغيير في الداخل الإريتري، في ظل ما يثار عن خلافة أفورقي، وحالة الاحتقان المتصاعدة في الداخل لاستمرار سياساته الأبوية، بينما يتصل ثانيهما بمدى التغير والاستمرارية وحدود التغيير في سياسية إريتريا الخارجية؛ ليس فقط في حال حدوث أي تغيير على الساحة الداخلية، ولكن أيضًا فيما يتعلق بشكبة التفاعلات والتحالفات الجديدة التي يستهدف أفورقي بنائها برعاية آبي أحمد، في محاولة من الأول لإحكام السيطرة داخليًا وترسيخ نفوذه إقليميًا، ورغبة الثاني أيضًا في تغيير طبيعة تحالفات القرن الإفريقي، بما يسهم في إعادة التموضع الإثيوبي في المنطقة، في سياق إستراتيجية صعودها الإقليمي التي ترتكز على مناوئة الجانب المصري، بغض النظر عن بقائهما في الحكم من عدمه. 

ثانيًا: طبيعة التحولات الإقليمية

يشهد القرن الإفريقي جملة من التحولات؛ سواء فيما يتعلق بتحولات الداخل في دول الإقليم كافة، أو ما يتعلق بالتفاعلات البينية بين دوله المختلفة، فضلًا عن قضايا الأمن الإمن الإقليمي التي تحكم منظومة التعاون وتشكل مواقف الدول تجاهها؛ كقضايا الإرهاب والقرصنة واللجوء وأمن البحر الأحمر والتعاون في إطار حوض النيل، فضلًا عن التغير المناخي.

وعلى ذكر علاقة إريتريا بمحيطها الإقليمي، فقد انعزلت عنه عقب استقلالها مباشرة؛ إذ انتهجت سياسة خارجية تتسم بالتناقض مع كافة جيرانها، بداية من إثيوبيا التي استقلت عنها، وجرت بينهما حربًا حدودية طاحنة، مرورًا بسودان البشير، الذي اصطف لمحور إثيوبيا في مواجهة  محورإريتريا- مصر، وصولًا إلى الخلافات الحدودية مع كل من جيبوتي والصومال، التي ساهم الموقف الإريتري إزائها في فرض العقوبات الأممية عليها؛ بدعوى دعمها لحركة الشباب المجاهدين الصومالية. وفي ذلك التوقيت من العزلة الإقليمية، اتسمت العلاقات المصرية الإريترية بدرجة عالية من التقارب والتنسيق في الكثير من الملفات والقضايا الإقليمية.

واستمرت هذه العزله حتى صعود آبي أحمد إلى سدة الحكم في الجارة الإثيوبية، وتبنيه سياسية خارجية تقوم على مبدأ تصفير المشاكل في محيطه الإقليمي. وتم الترويج لهذا التوجه بداية باعتباره انفتاح إثيوبي إقليمي وتوجه ناحية السلام إلى أن تكّشفت في نهاية الأمر دوافع هذه السياسة، المدفوعة برغبة إثيوبية نحو الصعود كقوة إقليمية في البحر الأحمر وحوض النيل، وتصفير المشكلات الإقليمية للتفرغ للمواجهة مع مصر.  

واتصالًا بهذا المشهد والرغبة في الانفتاح الإقليمي، أبرم آبي أحمد وأفورقي اتفاقًا للسلام بينهما عام 2018؛ الذي وفقًا له تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، وفتح الحدود بشكل مؤقت، وتجاوز خلافات الماضي، وبموجبه حصل الأول على جائزة نوبل للسلام. وتأسيسًا على خطوة اتفاق السلام، رعت إثيوبيا قمة ثلاثية في سبتمبر من نفس العام بأسمرة بين كل من آبي أحمد وأسياس أفورقي والرئيس الصومالي محمد فرماجو، وذلك لاستئناف العلاقات الإريترية الصومالية، هذا فضلًا عن اتفاق إريتريا وجيبوتي في ذات التوقيتعلى تطبيع العلاقات بينهما بعد نزاع حدودي على منطقة كيب دوميرا أدى إلى اشتباكات عسكرية وإنشاء عملية لحفظ السلام. 

ورغم هذا التحول الإقليمي، إلا أنه حتى الآن لم يحدث اختراقًا قويًا في العلاقات البينية بين الدول، فلم يحضر أفورقي حفل توقيع الوثيقة الدستورية بالسودان، والتي أشارت تقارير إلى أنه جاء وفقًا لتنسيق مع الجانب الإماراتي الذي لم يحضرهو الآخر، رفضًا لدور الوساطة الذي قام به آبي أحمد. كما أنه لم يحدث تحول نوعي كبير في العلاقات بين إريتريا وجارتيها جيبوتي والصومال. والأهم من ذلك، مآلات اتفاق السلام، الذي لا يرى الكثيرين في الداخل الإريتري مردودًا إيجابيًا له، فضلًا عن عودة إريتريا لإغلاق الحدود مع إقليم التيجراي، بما فاقم من غضب التجيراي على سياسات آبي أحمد الداخلية. 

ثالثًا: حدود ومستقبل الدور الإريتري

 في ضوء المشهد الإقليمي السابق، من الضروري معرفة حدود الدور الإريتري؛ فيما يتعلق بسد النهضة خصوصًا، والأمن في منطقة القرن الإفريقي عمومًا. فتشير التقارير إلى دلالات تلك الزيارة، التي جاءت تحمل رسائل للداخل والخارج؛ فبجانب رغبة أفورقي المستمرة في الظهور، بما يضع حدًا للتكهنات بقرب اختفائه من المشهد، واستمرار سيطرة جبهته الشعبية في الداخل، بعد جائحة كورونا وأزمته الصحية، تأتي تحركاته الخارجية، التي ربما تكون فرصة قوية لأفورقي لاستعادة بريقه الإقليمي، وإحياء الدور الدبلوماسي المفقود لأسمرة على المستوى القاري، وقد يجد أفورقي في أزمة سدّ النهضة مجالًا يمكّنه من لعب دورًا إقليمًا كهذا الذي لعبه آبي أحمد، بمحاولته للتقريب بين إريتريا وجيبوتي والصومال. وبالتالي يسعى أفورقي إلى لعب هذا الدور بما يعزز من صورته ودوره إقليميًا في ظل تحديات آبي أحمد المتصاعدة داخليًا، إلا أن السؤال إلى أي مدى يمكنه أن يلعب هذا الدور، وبأي مقابل سيحصل عليه.

في حقيقة الأمر، أنه بالرغم من اتفاق السلام، إلا أن آبي أحمد يشعر بالتوجس من أية تحركات لإريتريا، يكون الهدف منها استعادة نفوذها الإقليمي، بما يجعل ردّ الفعل الإثيوبي، الذي هو سلبي بالأساس أن يكون أكثر سلبية مع الدور الإريتري، بما يحدّ من الآمال المعقودة على الدور الإريتري في حلحلة أزمة السد.

إلا أنه في سياق أوسع من أزمة السد، وفي إطار الحديث عن مستقبل التعاون في حوض النيل والبحر الأحمر، يمكن إيراد الحديث عن إريتريا، وكيفية توظيفها كورقة ضغط على إثيوبيا. فالقاهرة ترغب في توظيف إريتريا في معادلة التوازات في القاهرة، وهي حقيقة واقعة بالفعل، فلا يمكن إنكار أن إريتريا ظلت دائمًا حجر عثرة أمام طموحات إثيوبيا الإقليمية، التي تسعى الأخيرة إلى تحقيقها الأن بالتقارب مع إريتريا، وهي الطموحات التي سعت إريتريا إلى تحقيقها في السباق؛ من خلال قيادة مشروع توحيد القرن الإفريقي، إلا ان خلافاتها الحدودية مع إثيوبيا، فضلًا عن الخلاف حول الصومال أجهض هذا المشروع، إلا أنه لم يجهض الحقيقة الماثلة بكون إريتريا رقمًا هامًا في معادلة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويسعى أفورقي الآن إلى العودة لفضاء الدبلوماسية الدولية والإقليمية، التي تأتي محاولت وساطته في سد النهضة جزءًا منها، فضلًا عن عضوية إريتريا مؤخرًا في مجلس حقوق الإنسان، وقيادة جهود مكافحة الهجرة واللجوء، عبر مبادرة الخرطوم 2019، بما يمكنها من لعب هذا الدور. 

إلا أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أنه لا يمكن لفاعل إقليمي بمفرده قيادة هذا الدور، وأن إريتريا ستكون أحد قطبي المعادلة الإقليمي، بما لها من شروط ورؤية لكيفية إرساء الأمن والسلام في المنطقة بجانب إثيوبيا. غير أن إثيوبيا بحاجة لإعادة بناء قوتها العسكريى ( بما فيها البحرية)، ليس فقط عبر موانئ جيبوتي والصومال، وإنما أيضًا لديها رؤية للنفاذ للبحر الأحمر عبر موانئ إريتريا.

وإذا كان لإثيوبيا رغبه في النفاذ إلى البحر الأحمر، فإنها أيضًا تسعى للمشاركة في ترتيباته الأمنية، وقد طالبت قبل ذلك بالانضمام لأي تنظيم إقليمي أو ترتيبات معنية بهذا الأمر. ومؤخرًا بعد أن انضمت إريتريا لمبادرة مجلس البحر الأحمر وخليج عدن، وذلك بعد أكتر من عقدين من التردد وإملاء الشروط؛ بما يعكس التوجس الاستراتيجي لإريتريا من التنظميات الإقليمية، وبما يبرر انساحبها قبل ذلك من منظمتي الإيجاد والوحدة الإفريقية، تتزايد المؤشرات بالرغبة الإريترية للانفتاح دبلوماسيًا ولعب دورًا رياديًا. غير أن ترتيبات أمن البحر الأحمر تحديدًا، والتي تتشارك فيها مصر الرؤية مع إريتريا، تثير تساؤلات وتخوفات؛ من بينها، سياسة المناورة التي يلعبها أفورقي، فكما يُعتقد أنه يسعى للعب دورًا في أزمة مياه النيل، فلماذا لا يثار تساؤلًا حول الثمن الذي يمكن دفعه من جانب كل من مصر وإريتريا لتحقيق هدفهما. فإريتريا تقايض إثيوبيا على دورًا إقليميًا أكبر، وربما هذا يقود في النهاية إلى إعادة مطالبة إثيوبيا ليس فقط بالنفاذ إلى البحر الأحمر، ولكن أيضًا المشاركة في ترتيباته، بما يدفع إريتريا مرة أخرى إلى التردد وإعادة فرض شروطها، خاصة وأنها وقعّت على اتفاق الرياض بشروط في فبراير الماضي. أما فيما يتعلق بمصر، فكل تقارب إثيوبي – إريتري، هو انتقاص من مساحة التقارب بين الأخيرة ومصر.

فبدلًا من الاحتفاء أو رجاء دور إريتريً في هذا الصدد، وهو دور لم يُتوقّع منه تقديم جديدًا، لا بد من الانتباه إلى إمكانيات المناورة والمقايضة بين أفورقي وأبي أحمد، لاستمرار حكمهما ولعب دورًا إقليميًا، خاصة مع ما أشارت إليه التقارير الإريترية بأن الرجلين اجتمعا فقط على معادة خصم واحد، ألا وهو التيجراي، وحتى الآن لم تنفذ بنفود السلام، ولم يجنٍ الشعب الإريتري ثماره، بما فاقم من السخط الداخلي علي أفورقي، بالتوازي مع تصاعد الغضب في كافة أقاليم جارته إثيوبيا.

وربما يكون درجة التقارب والتوافق بين الجانبين المصري والإريتري، مع لحظة الضعف التي يمر بها الداخل الإثيوبي، هي أنسب لحظة لزيادة التقارب والتنسيق الاستراتيجي بين الأولين، وعدم ترك مصر فراغًا يمكن أن تملئه إثيوبيا. 

وبالتالي فإن مصر عليها استغلال علاقتها بكل من إريتريا والإمارات، لزيادة التنسق فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، خاصة مع درجة التقارب بين الأخيرين، لدرجة أن بعض التقارير الإريترية ربطت بين زيارة أفورقي لمصر وبين الملف الليبي، وربما هو الملف الذي غاب كان كافة التحليلات التي لا ترى أي دور او رابط بين إريتريا ومصر في هذا الصدد. إلا أن التقارير تفيد بأن الإمارات التي تقف على نفس الخط المصري في ليبيا تستغل قاعدتها في ميناء عصب الإريتري لتوجيه الدعم والإسناد في ليبيا. 

ويحيلنا هذا إلى ضرورة التنسيق المصري الخليجي الإريتري فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، بل والقرن الإفريقي، الذي أصبح استقراره أمرًا يعني الخليج، وهو ما يبرر تصاعد الاستثمارات الخليجية والتدافع على القرن الإفريقي. ويمكن في هذا الصدد، استباق الخطى وإشراك الإمارات في ترتيبات البحر الأحمر، قبل أن تضغط إثيوبيا على إريتريا بعد أن تصل إلى شاطئه. فعلى مصر أن توضح وتنسق موقفها من انضمام إثيوبيا، لكل من الخليج والدول العربية الإفريقية المطلة على البحر الأحمر( إريتريا – جيوبتي – الصومال – السودان)، وهو نفس الموقف من انضمام إسرائل تمامًا، التي عرقلت لفترات طويلة أية ترتيبات، كانت منها مستثناه.

وفيما يتعلق بالدور الإريتري في أزمة السد إثيوبي ، وفقًا لطبيعة الموقف الاستراتيجي الراهن، ووفقًا للآراء التي لا تعوّل كثيرًا على هذا الدور، يمكننا القول أنه يمكن أن يكون لإريتريا دور، إلا أنه سيكون دورًا غير مباشرًا وسيأتي عبر التنسيق مع دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، وبدلًا من أن تقايض إريتريا مصر على لعب  هذا الدور، بما يسمح بقدر من التقارب مع إثيوبيا، ويتنقص من رصيد تقاربها مع مصر، يمكن لمصر أن تدفع الإمارات لمقايضة إريتريا على لعب هذا الدور، والضغط على آبي أحمد، فلا زالت درجات التنسيق مع إريتريا والتواجد المصري في كافة ترتيبات تلك المنطقة الحيوية، تقتضي عدم تهاون مصر بعلاقة استراتييجة راسخة مع إريتريا،  أو ترك أي فراغ أو مساحات تقارب بين الأخيرة وإثيوبيا، حتى لو كان الهدف ” سد النهضة”. 

وفيما يتعلق بمحورية الدور الإماراتي، فقد أشارت بعض التقارير الخليجية بالفعل، إلى عدم حضور أفورقي حفل توقيع الوثيقة الدستورية في السودان، كما تمت الإشارة إليه أعلاه، بما يعكس عمق العلاقات بين الجانبين، وحقيقة أنه لا زالت هناك الكثير من الخلافات العالقة بين إريتريا وإثيوبيا، بل وبين الأخيرة والإمارات، التي تم توجيه اللوم لها مؤخرًا هي والسعودية لموقفهما من أزمة سد النهضة. وبما أن تقاربهما لم يرق إلى تقارب استراتيجي بعد، فإن لمصرلديها متسع من الوقت للحيلولة دون مزيد من التقارب والتنسيق على حسابها، وضمان أن أية تحالفات إريترية في المستقبل لن تأتي على حساب علاقتهما الإستراتيجية.وفي الأخير، فإن مستقبل الدور الإريتري في المنطقة وعلاقته بمصر، لم يعد رهن تقاربه وانفتاحه على محيطه الإقليمي فحسب، بل إن تحولات الداخل تحتل رقمًا هامًا في صياغة الاستراتيجية والسياسة الإريترية في المستقبل. وعليه فإن مصر لا يمكنها الارتكاز فقط على تاريخية ومحورية العلاقات، فمع ورود التقارير باختفاء أفورقي من المشهد، والحديث عن خلافته، لا بد من طرح تساؤلًا وتحديد رؤية وموقف من أي تغيير محتمل على الساحة الإرترية، خاصة مع تصاعد طرح بدائل لهذه الخلافة؛ ما بين ابن أفورقي، الذي لا ترضى عنه القيادات الأمنية، أو أحد أعضاء جبهة التحرير، هذا بجانب المعارضة المتصاعدة، التي لم تستطع ترتيب وتنظيم نفسها حتى الآن، وصعود أحزاب معارضة كحزب ” حادي” وغيره. وبما أن السياسة الخارجية المصرية ترتكز على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فلا يتصور أنها ستلعب دورًا في إدارة التغيير، إذا كان هناك تغيير، ولكن أن يكون لديها تصور عن الترتيبات المستقبلية والموقف من هذا التغيير، فحتى إذ جاء التغيير من داخل النخبة الحاكمة، فيجب ضمان استمرار التنسيق والتعاون، خاصة وأن جبهة التحرير لا زالت مدينة بالدعم المصري قديمًا. أما إذا جاء التغيير من الخارج، بأي صورة ممكنة، فسيقع صانع القرار المصري حينها في نفس معضلة موقفه من الثورة السودانية، فإيجابية العلاقة بأفورقي، ستقيد الترحيب بأي تغيير، وعد الترحيب بهذا التغيير في حال رحيلة، سيكون صورة ذهنية سلبية لدى الرأي العام إزاء مصر، كتلك التي لا زالت تنقد مصر في الداخل السوداني من ترددها في تأييد الثورة السوادنية، رغم أن العلاقة كانت سلبية مع البشير بالأساس، وبجانب الموقف من التغيير، فإن مستقبل العلاقات سيكون على المحك، إذ رحلت جبهة التحرير، ليس لأن الرأي العام الحالي ضد مصر في العموم؛ ولكن ستكون حينها رغبة في إحداث حالة من القطيعة مع إرث أفورقي بتحالفاته وعلاقاته، ولن يعرف أحد ما هي خريطة التحالفات المحتملة حينها. ربما يكون هذا حديث وسيناريوهات مستقبلية غير ملموسة، إلا أن تفاعلات الواقع هي من تبرزها إلى السطج، ليس فقط لتدهور صحة أفورقي، ولكن لتصاعد الغضب الداخلي بالفعل والسعيّ نحو التغيير، وربما التغيير في المحيط الإقليمي في كل من إثيوبيا والسودان، وحيل البشير بعد ثلاثين عامًا من حكمه، غذّى ونقل عدوى التغيير هذه للداخل الإريتري المتطلع للتغيير، والتحرر من السلطة الأبوية لأسياس أفورقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى