أفريقيا

الانجرار نحو الهاوية: إثيوبيا بعد مرور عام على الصراع

مر عام على الهجمة الأولى التي شنّها الجيش الفيدرالي الإثيوبي على إقليم تيجراي، وادعاء رئيس الوزراء آبي أحمد أنها حملة خاطفة “لإنفاذ القانون”، وتمكُن الجيش الإثيوبي بمعاونة القوات المتحالفة معه من تحقيق تقدم ميداني في الأيام الأولى وإعلان آبي أحمد السيطرة على عاصمة إقليم تيجراي “ميكيلي”، في أواخر نوفمبر من العام الماضي.

ولكن في نوفمبر الجاري انقلبت الأوضاع، أو في طريقها للانقلاب رأسًا على عقب، حال إعلان القوات المتمردة سيطرتها على العاصمة أديس أبابا، بعد صبر استراتيجي وكفاح مسلح، مشابه لذلك الذي قادته أغلب تلك الحركات في سبعينيات القرن الماضي، ضد نظام ” منجستو” حتى تكلّل كفاحهم بإسقاطه، ووصول تحالف “الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية” للحكم برئاسة “جبهة تحرير تيجراي”، التي انقلب عليها آبي أحمد وعلى الصيغة الفيدرالية العرقية التي تدار بها البلاد منذ ثلاثة عقود.

التحولات الميدانية

(بيان من وولايتا للتحالف مع جيش تحرير أورومو وقوة دفاع تيجراي)

أثبت حروب العصابات التي اتبعتها “الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي” زيف ادعاءات آبي الأولى؛ إذ استطاعت عبر إنهاك الجيش الفيدرالي الإثيوبي على مدار الأشهر الماضية، الإعلان في يونيو 2021 استعادة السيطرة على مدن وبلدات في الإقليم، وطرد قوات التحالف المتعاونة مع الجيش الإثيوبي من الإقليم.

ولم تتوقف عند هذا الحد، بل واصلت التقدم نحو إقليمي العفر والأمهرا، في هجمات رادعة للقوات الفيدرالية، ذلك بعد أن استخدمت القوات الفيدرالية الجوع كسلاح في الحرب، وأحكموا السيطرة على منافذ الإقليم التي يتلقى من خلالها المساعدات الإنسانية والغذائية، على نحوٍ أثار استياء المنظمات الدولية والإنسانية.

وفي يوليو الماضي، استطاعت قوات تيجراي السيطرة على الطريق البري وخط السكة الحديد الرابط بين العاصمة “أديس أبابا” وجيبوتي، بما يجعل العاصمة تحت الحصار، نظرًا لكونه منفذًا لحركة البضائع بالبلاد. ومنذ ذلك الحين، كانت التحركات الميدانية تنبئ بتوجه القوات المتمردة صوب العاصمة، لإسقاط حكومة “آبي أحمد” وازاحتها من الحكم.

ورغم تلك التحولات الميدانية، واصل آبي من جهة وقادة جبهة التيجراي من الجهة الأخرى، عنادهم والإصرار على فرض إرادة كلٍ منها للحل على الآخر، بما تركهم أمام معارك مفتوحة وطويلة الأمد، مع استجابات محدودة من المجتمعين الإقليمي والدولي، الذي وصل به الحال إلى تعرض موظفي الإغاثة لمضايقات وصلت إلى حدّ 16 من موظفي الأمم المتحدة في العاصمة الإثيوبية، خلال الأسبوع الماضي، في إطار تفعيل حكومة أديس أبابا لحالة الطوارئ مؤخرًا.

وتصاعدت وتيرة التقدم الميداني مرة أخرى، بدءًا من الشهر الماضي، مع تعرض تيجراي للقصف الجوي المتتالي من قبل القوات الفيدرالية، وتبع ذلك التصعيد، تقدم الزحف للقوات المتمردة مطلع الشهر الجاري، وإعلان سيطرتهم على مدن حيوية في إقليم الأمهرا، مثل مدينة “ديسي” التي تبعد ما يقارب 400 كلم عن العاصمة “أديس أبابا، ثم التوجه جنوبها نحو مدينة “كومبولتشا”، التي تقع على أحد طريقين سريعين رئيسين يربطان العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بميناء في جيبوتي المجاورة، على نحوٍ يؤشر على رغبة القوات المتمردة في تضييق الخناق على العاصمة ومن ثمّ إسقاط حكومة آبي أحمد.

تزامنت تلك التطورات الميدانية مع إعلان 9 جبهات مقاومة في أقاليم إثيوبية مختلفة انضمامها لجبهة تحرير تيجراي، والتي أعلنت عزمها التقدم نحو العاصمة وإسقاط حكومة آبي أحمد. ويأتي ذلك التحالف في ضوء التحالف العسكري، بين “جيش تحرير أورومو” و “جبهة تحرير تيجراي” في وقت أعن فيه عنه زعيم الأورومو “كومسا ديريبا” في أغسطس الماضي ” إنهم يتحدثون مع الحكومة باللغة التي يفهمونها”.

الخروج الآمن

تؤكد التطورات الميدانية وكذلك الخبرة التاريخية أن إزاحة آبي أحمد من الحكم، ليست فقط مطلبًا داخليًا وإنما أيضًا ضرورة يتعين أن يعمل الوسطاء على التمهيد لها. واستباقًا لسيناريو سوداوي وسقوط البلاد في براثن الصراع الممتد، أو الانهيار والتفكك، بدأت الجهود الدولية والإقليمية في البحث عن خيارات لدعم جهود الوساطة والحوار بين المعارضة وآبي أحمد. 

والمؤكد أن أبرز تلك السيناريوهات خروج آبي من المشهد، ليس فقط لأنه انقلب على الصيغة السياسية التي تعمل بها البلاد، وتسبب في تفاقم الوضع لما هو عليه الآن، وإنما لافتقاد حكومته للشرعية، في ضوء الاختلاف على نتائج الانتخابات المختلف عليها والتي أجراها دون توافق عام، واستطاع من خلالها تشكيل حكومته الجديدة، متناسيًا أنه جاء لاستكمال فترة سلفه “هايلي مريام ديسالين” عام 2018، وقيادة البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة. لكنه بدلًا من الوفاء بالأهداف التي جاء من أجلها، عمل على تغيير صيغة الحكم الفيدرالي، من أجل البقاء في الحكم، عبر حزبه الجديد “حزب الازدهار”، بما دفع البلاد نحو حافة الهاوية.

ورغم المغالاة في شروط كل من الحكومة الفيدرالية وقوات تيجراي، بما يقوّض أية جهود للوساطة، فإن قادة تيجراي وآبي أحمد وكل من تسبب في معاناة الشعب الإثيوبي، مصيرهم إلى الزوال، رغم عدم قدرة العقوبات الأمريكية على القادة المتورطين في الحرب على إثنائهم عن استمرار القتال والتسبب في المعاناة للمواطنين.

وقد دعا مجلس الأمن الدولي كافة الأطراف إلى وقف إطلاق النار والكف عن خطاب الكراهية والتحريض على العنف والانقسامات، عقب تشكيل تحالف “الجبهة المتحدة للقوات الفيدرالية والكونفدرالية الإثيوبية”. ومع تفاقم تلك الأوضاع، بدأت الجهود الدولية والإقليمية في التسارع نحو الحيلولة دون أسوأ السيناريوهات التي قد تصل إليها البلاد. 

ورغم فشل المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي في لقاء آبي أحمد الأسبوع الماضي، إلا أن هناك زيارة لوزير الخارجية الأمريكي، سيجريها إلى كل من كينيا ونيجيريا والسنغال لمناقشة الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي، بعد تصريحه بأن الحرب الدائرة في إثيوبيا ستقود البلاد إلى الانهيار، مع إبداء الاستعداد الأمريكي لفرض المزيد من العقوبات على إثيوبيا.

ويتوقع من التصريح الأمريكي بأنه لا حل عسكريًا للصراع في إثيوبيا، وأن هناك مساعي لفرض المزيد من العقوبات، لحمل الأطراف على الجلوس للتفاوض، وأن يكون هناك تدخلات حاسمة لإحكام السيطرة على الأمور المتفاقمة، بالتعاون مع الجهود الإقليمية؛ سواء من قبل الاتحاد الإفريقي، مع تعيينه الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو مبعوثًا للقرن الإفريقي، أو الدول الإقليمية في المنطقة بما فيها أوغندا وكينيا وجنوب السودان التي عرضت الوساطة والتدخل. 

البجعة السوداء

تثير تلك التطورات مخاوف من السيناريو غير المتوقع رغم ظهور ملامحه، وتصاعد الرغبة في السيطرة على الأمور، إلا أن عدم ترجمة تلك الرغبة إلى أعمال فعلية، سيتحول سيناريو الانهيار من مخاوف محتملة إلى واقع يصعب التعامل معه، في ظل موجة اللجوء والهجرة المحتملة.

وقبل هذا السيناريو، ستدخل البلاد مرحلة من الصراع العنيف الذي يتعين التعامل معه، ورغم الرؤية الأمريكية والتدخلات الدولية بأهمية الحوار كحل لتلك الأزمة، إلا أن كافة السيناريوهات والمؤشرات تتجه نحو ضرورة فرض حلول قسرية وجبرية على أطراف الصراع، ليتم ردعهم عن المغالاه في العناد.

وبما أن الخبرة التاريخية تشير إلى رفض ” أديس أبابا” جهود الوساطة، وكذلك ما تؤكده التطورات الحالية، مع رفض آبي أحمد لقاء المبعوث الأمريكي الأسبوع الماضي، وانتقاداته للتدخلات والحلول الأمريكية، وكذلك للتصريحات الأممية التي يرى أنها داعمة لمنظمة إرهابية. وبالتالي فإن الانتقادات الأممية والإنسانية الإقليمية منها والدولية لم تعد تجدي نفعًا مع عناد “آبي أحمد” وحلمه الامبراطوري في إحكام السيطرة على البلاد، ودفن جبهة التيجراي التي شبّه أعضاءها بالفئران الأسبوع الماضي.

ترتيبًا على ما تقدم، يتعين حشد كافة الجهود الدولية والإقليمية إزاء “ترتيب خروج آمن ” لآبي أحمد من الحكم، مع إعلان فترة حكم انتقالي، يتم من خلالها الإتيان برئيس وزراء جديد، وفقًا للصيغة الفيدرالية، مع البدء في نقاش وطني عام لمعالجة القضايا التنموية والصراعات الحدودية وقضايا الأرض في ذلك البلد الذي يفتقد لهوية وطنية جامعة.

ولعل الكثير من المؤشرات تؤكد على افتقاد التسامح، في ظلّ السياسات العرقية وخطاب الكراهية، بما يفرض ضرورة الخروج بصيغ ومبادرات جديدة للتسامح والتعايش الوطني، مع تغييب الأشخاص الذين عملوا على تجذير الكراهية في مجتمع متشرذم بالفعل، في ظل غلق السفارات الإثيوبية أبوابها في وجه أبناء التيجراي، ووصف آبي أحمد لقادتهم بالفئران، وهي الأمور التي تعزز من رغبات تقرير المصير والانفصال؛ بما يجعلنا أمام تسع دويلات صغيرة في منطقة القرن الإفريقي، والذي لن تصل إليه الشعوب الإثيوبية قبل دفع الثمن من دماء أبنائها، وكذلك تحمل المجتمع الدولي والإقليمي جزءًا من ضريبة الدم.

وفي حال تعثر التدخلات السياسية، لن يبقى سوى تشكيل “قوات حفظ سلام” سواء دولية من قبل مجلس الأمن الدولي، أو إفريقية يأذن بها مجلس السلم والأمن الإفريقي بتفويض من مجلس الأمن الدولي. ولعل هذا السيناريو يقف أمامه الكثير من العقبات ترتبط بالعوامل الهيكلية، قبل البحث في عقبات تحقيق الفاعلية والإنجاز في دعم ومساندة البلاد للعودة إلى المسار الصحيح.

ولعل أهم تلك العقبات ترتبط بالتمويل، فضلًا عن قوام تلك القوات، في ظل ضعف الجيوش الإقليمية وانشغالها بتحديات داخلية في أغلب دول المنطقة المحيطة، سواء السودان أو جنوب السودان أو الصومال، وغيرها. أضف إلى ذلك رغبة الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة في الانسحاب من الصومال دون تحقيق تقدم يذكر، في ظل سياسة الولايات المتحدة لتخفيف الأعباء والانخراط خارجيًا.

وربما هي الأمور التي تجعل الاستجابات الإقليمية والدولية تتلمس طريقها إلى مائدة الحوار، دون البحث عن خيارات أخرى للحل، وهي حالة تشير إلى أن الحسم سيظل مرهونًا بالتطورات الميدانية وإرادة الأطراف الداخلية، مع محدودية أثر التدخلات الخارجية في توجيه بوصلة الصراع نحو السلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى