السودان

هل ستسهم عودة حمدوك في استعادة الاستقرار بالسودان؟

بعدما اقتربنا على مرور شهر منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها رئيس مجلس السيادة ” عبد الفتاح البرهان” في 25 أكتوبر 2021، أخيرًا تمّ توقيع اتفاق سياسي بينه وبين رئيس الوزراء ” عبد الله حمدوك”، الذي كان تمّ إعفائه وفقًا للقرارات السابقة، وحل حكومته وحلّ المجلس السيادي وتعطيل العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية؛ بما قضى بدوره بفضّ اتفاق تقاسم السلطة بين المكونين المدني والعسكري، على نحوٍ المسار السياسي الذي تمرّ به السودان.

عودة حمدوك

منذ التحفظ على رئيس مجلس الوزراء الانتقالي المنحل ” عبد الله حمدوك” ووضعه تحت الإقامة الجبرية بعد إعفائه من منصبه، سارعت العديد من الأطراف الداخلية والشركاء الدوليين في الوساطة بين شركاء الحكم الانتقالي، لاستعادة الاستقرار بالبلاد. وأدان العديد من الشركاء الدوليين الإجراءات التي أقبل عليها “البرهان”، وقامت الولايات المتحدة بتعليق مساعدات اقتصادية للسودان بقيمة 700 مليون دولار.

وعلى المستوى الداخلي، تصاعدت حالة الغليان في الشارع السوداني، وخرجت عناصر الحرية والتغيير في مواكب الاعتصام، للمطالبة بعودة حمدوك وفض الشراكة مع المكون العسكري. ومع ضغوط الخارج وجهود الداخل، أبرزها ” المبادرة الوطنية الجامعة” التي تضم ممثلين عن القوى المدنية والأحزاب والإدارات الأهلية والطرق الصوفية والحركات المسلحة، استجاب “البرهان” للمطالب المنادية بعودة حمدوك لرئاسة الوزراء مرة أخرى. 

وكانت نقطة الخلاف الرئيسية، ترتبط بمطالبة المكون العسكري بتشكيل حكومة تكنوقراط، في الوقت الذي كان فيه حمدوك مقيد برؤية ” قوى الحرية والتغيير”، إلى أن وافق ” حمدوك” على ترأس حكومة تكنوقراط جديدة، وفقًا لاتفاق عقد بينه وبين البرهان في القصر الجمهوري ( 21 نوفمبر 2021)، نصّ على الآتي:

ملامح الاتفاق

  • إلغاء القرار الخاص بإعفاء رئيس الوزراء حمدوك.
  • الوثيقة الدستورية لسنة 2019 والمعدلة في 2020 هي المرجعية الأساسية القائمة لاستكمال الفترة الانتقالية.
  • مراعاة الوضعية الخاصة بشرق السودان، والعمل على معالجتها في إطار قومي يضمن الاستقرار بصورة ترضي أهل الشرق.
  • ضرورة تعديل الوثيقة الدستورية بالتوافق بما يحقق ويضمن مشاركة سياسية شاملة لكافة مكونات المجتمع عدا حزب المؤتمر الوطني المحلول.
  • الالتزام التام بتكوين حكومة مدنية من الكفاءات الوطنية المستقلة (تكنوقراط).
  •  التأكيد على أن الشراكة الانتقالية القائمة بين المدنيين والعسكريين هي الضامن والسبيل لاستقرار وأمن السودان.
  • مجلس السيادة الانتقالي مشرفًا على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية الواردة بالمادة (8) من الوثيقة الدستورية دون التدخل المباشر في العمل التنفيذي.
  • التأكيد على ضمان انتقال السلطة الانتقالية في موعدها المحدد الحكومة في نهاية الفترة الانتقالية في يوليو 2023.
  • أشار الاتفاق إلى أن تكون إدارة الفترة الانتقالية بموجب “إعلان سياسي” يحدد إطار الشراكة بين القوى الوطنية (السياسية والمدنية والمكون العسكري والإدارة الأهلية ولجان المقاومة وقوى الثورة الحية وقطاعات الشباب والمرأة ورجالات الطرق الصوفية).
  • أكد الاتفاق على إطلاق جميع المعتقلين السياسيين.
  • تنفيذ اتفاق سلام جوبا، واستكمال الاستحقاقات الناشئة بموجبه، وإلحاق غير الموقعين على اتفاق السلام.
  • طالب الاتفاق بضرورة الإسراع باستكمال جميع مؤسسات الحكم الانتقالي وذلك بتكوين المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية وتعيين رئيس القضاء والنائب العام، وتتوالى تباعًا تكوين المفوضيات ومؤسسات الانتقال الأخرى ومباشرة مهامها فورًا وفق جداول زمنية محددة.

ورغم تلك الخطوة وما يترتب عليها من إمكانية الاستقرار، لا تزال قوى الحرية والتغيير متمسكة بموقفها “لا تفاوض – لا شراكة – لا شعرية” للمكون العسكري، وأعلنت أنها غير ملزمة بالاتفاق بين “البرهان وحمدوك”.

جوهر الاتفاق

يتضح من بنود الاتفاق، أنه أعاد التأكيد على نفس القضايا الخلافية، التي ساهم تأجيجها في الوصول للمشهد الراهن، على نحوٍ يجعل الرهان على آليات تنفيذ الاتفاق والجديّة في تنفيذه أهم من جوهر الاتفاق، الذي ناشد الجميع بتحقيقه خلال الأشهر الماضية، دون وجود آليات للعمل والتوافق. 

ويتضح من الاتفاق كذلك، أنه تمّ الاتفاق على تشكيل حكومة تكنوقراط من الكفاءات الوطنية، بعيدًا على الخلافات الحزبية داخل قوى الحرية والتغيير ( الحاضنة السابقة لمجلس الوزراء)، لكن لن ينهي هذا الأمر الخلاف والجدل داخل قوى الحرية والتغيير، التي لا تزال تستند إلى آلية الشارع في الضغط على الشركاء. وربما هو الأمر الذي حسمه بند الاتفاق المنادي بضرورة إشراك كافة القوى الوطنية في رسم ملامح المستقبل. 

ويثير هذا الأمر بدوره مخاوف من استمرار القوى المدنية والحزبية عامل معرقل للفترة الانتقالية وللاستقرار في الفترة القادمة، خاصة أن الخلافات والانقسامات بينها، هي من قيدت عمل “وزارة حمدوك”، وأخّرت تشكيل هياكل السلطة التشريعية “نظرًا للانشغال بالمحاصصة”.

على هذا النحو، فإن الممارسات المدنية خلال الفترة المقبلة ستكون ” حجر الزاوية” في نجاح الفترة الانتقالية، المقرر لها أن تنتهي في يوليو 2023. وبما أن تشكيل حكومة كفاءات وطنية، سيكون الأساس لاستقرار أداء الحكومة، فإن القوى الوطنية والأحزاب عليها الاستعداد للعمل التشريعي في ضوء تشكيل المجلس التشريعي، وكذلك كخطوة للاستعداد للانتخابات المقبلة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. وأخيرًا، يجب الارتهان إلى الوثيقة الدستورية، كمرجعية دستورية للعمل في الفترة الانتقالية، وأن تكون هي الإعلان السياسي المشار إليه في الاتفاق، حتى لا يتم الوقوع في فخ تعدد المرجعيات السياسية والقانونية. 

آفاق الاستقرار

  • إنفاذ الترتيبات الأمنية:

يعد بند “تنفيذ اتفاق سلام جوبا، واستكمال الاستحقاقات الناشئة بموجبه، وإلحاق غير الموقعين على اتفاق السلام”، من أهم بنود الاتفاق، وكذلك من أهم الإجراءات الانتقالية التي يجب الإسراع في تنفيذها في المرحلة الانتقالية، باعتبارها “أساس الاستقرار” في البلاد، والخطوة الأولى نحو معالجة مظالم الماضي، والانطلاق نحو آفاق المستقبل. ولعل ضمّ باقي الحركات المسلحة غير المنضمة للاتفاق من جهة، وكذلك الشروع في إجراءات دمج الميليشيات من جهة أخرى من أهم بنود الترتيبات الأمنية، ضمن إجراءات إعادة هيكلة القوات المسلحة السودانية والأجهزة الأمنية في البلاد. 

ويجب ألا يكون التفاوض مع الحركات المسلحة وإدماجها في هياكل الأمن الرسمية بالبلاد، عوضًا عن معالجة مظالم الأطراف في الشرق ودارفور والمنطقتين (كردفان وجبال النوبة)، في ظل رؤية أهالي تلك المناطق، أن الحركات المسلحة وقادتها منشغلون بالمناصب والمحاصصات أكثر من التعبير من مظالم المجتمعات المحلية التنموية. ولعل بند الترتيبات الأمنية، كان أحد العثرات في ” سلام جنوب السودان”، على النحو الذي يجب أن تنتبه إليه الأطراف السياسية في العملية الانتقالية في السودان.

  • حل أزمة الشرق:

كانت أزمة الشرق في السودان، والتداعيات الاقتصادية التي ترتبت على الإغلاق خلال الأشهر الماضية، ضمن العوامل التي فاقمت الأزمة ودفعت المجلس السيادي للتحرك. ورغم استعادة المسار الانتقالي، إلا أن ” نظارات البجا” اشترطت حل أزمتها من خلال إلغاء مسار الشرق في اتفاق جوبا، حتى يلتحق ممثل الشرق بمجلس السيادة الجديد. 

ورغم الأبعاد القبلية والسياسية التي تحيط بمسار الشرق، إلا أنها انعكاس للأزمات التنموية المرتبطة بمعضلة “المركز والهامش” التي ساهم فيها البشير، خلال عقود من التهميش لأقاليم البلاد المختلفة. وهي الأزمة التي يجب أن تدفع كافة أطراف العملية السياسية إلى التعاطي معها بجانب أزمات دارفور وكردفان، ولأن قادة أغلب الحركات المسلحة تنتمي للغرب “دارفور” والجنوب “جبال النوبة وكردفان”، فإن مناطق الشرق تشعر بالتهميش، وأن اتفاق جوبا لا يعبر عن قضاياها. 

  • استكمال المؤسسات الانتقالية:

يعد استكمال مؤسسات الدولة أحد الخطوات التي يجب استكمالها، لإضفاء الشرعية والتوافق على المؤسسات والإجراءات الانتقالية، وكذلك خطوة نحو استعداد النخب المدنية لانتخابات ما بعد المرحلة الانتقالية. ويجب أن يكون المجلس التشريعي الساحة التي تعمل في إطارها القوى المدنية، بدلًا من حالة الانغلاق السياسي في إطار تحفظ قوى الحرية والتغيير على الشراكة بين “البرهان وحمدوك”.

غير أن استيفاء هذا الإجراء المؤسسي لا يضاهي في الأهمية القضايا الهيكلية، التي تعد خطوة نحو بناء الوطن وهي حل قضايا السلام والتهميش والعدالة، من خلال العمل على “اتفاق جوبا للسلام” وحسم قضايا هيكلة القوات الأمنية، وحل المظالم التنموية بالبلاد.

  • استكمال المشاورات مع القوى السياسية:

وفق ما نصّ عليه الاتفاق، فإن الاتفاق مع القوى السياسية واستكمال إجراءات التوافق السياسي والقانوني، يعد أهم آليات العمل خلال الفترة المقبلة، من أجل استعادة التوافق والاستقرار خلال المرحلة الانتقالية، حتى الاتجاه إلى الانتخابات، يوليو 2023.

ولعل استمرار الخلاف والجدل بين القوى المدنية، والانقسامات الحزبية، يعد أحد أسباب الاخفاق في الفترة الماضية من الانتقال، وهو الأمر الذي ربما يؤدي إلى إعادة انتاج الفشل، حال استمرت الممارسات الحزبية على نفس النحو.

أخيرًا، يعد الاتفاق بين ” البرهان” و” حمدوك” بمثابة خطوة على طريق طويل نحو الاستقرار، يتطلب المزيد من التوافق والعمل على كافة المسارات خلال الفترة المقبلة. ويتعين على كافة الأطراف تحييد الانقسامات الحزبية والمصالح الفئوية والعمل وفق رؤية وطنية جامعة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى