السودان

جدلية المركز والهامش: أزمة شرق السودان

تأتي أزمة شرق السودان، ضمن الأزمات الموروثة عن حقبة “البشير” وما خلّفه من أزمات تنموية واجتماعية ضاربة بجذورها في أعماق المجتمع السوداني. ولعل شرق السودان واحدًا ضمن أزمات متعددة، عانى منها السودان على مدار العقود الماضية، بما فيها أزمات دارفور وكذلك الجنوب السوداني؛ الذي كافح من أجل تقرير المصير والانفصال عن الدولة الأم، نظرًا لحالة التهميش السياسي والاقتصادي التي عانى منها. ونفس الحالة، من التهميش وضعف التنمية، تمتد إلى كافة أنحاء السودان، في الشرق والغرب؛ الأمر الذي أنتج مشهد شرق السودان، بعد سقوط البشير مع تصاعد آمال استعادة الحقوق المهدرة، بما في ذلك المشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية.

ورغم أن جوهر الأزمة يعود إلى الحالة التنموية والاقتصادية وحالة التهميش التي يعاني منها الإقليم؛ إلا أنها في ضوء التفاعلات التي تمرّ بها المرحلة الانتقالية، عكست أزمات أخرى أشدّ تعقيدًا ترتبط بحالة التسييس القبلي التيّ وظّفها البشير ضمن معادلات الاستقطاب المجتمعي والسياسي التي لعب عليها لتعزيز حكمه.

مكونات الشرق

يبلغ عدد سكان الشرق حوالي 6 مليون نسمة، نصفهم تقريبًا من قبائل البجا التي تشمل قبيلتي (الهدندوة – الأمرار)، إضافة إلى قبائل بني عامر العرب الذين يمتدون بين السودان وإريتريا، والبشارية في كل من مصر والسودان، وقبيلة الشكرية وهي قبيلة عربية تقطن في القضارف، وقبائل الشايقية والجعليين وهي قبائل نيلية، إضافة إلى الرشايدة وهم بدو رحل هاجروا من شبه الجزيرة العربية، ويقطنون أطراف كسلا ويمتدون إلى إريتريا. ويتحدث أبناء الشرق لغة واحدة أصلها كوشي، باستثناء بني عامر الذين يتحدثون لغة التيجراي، ويُنظر إليهم بوصفهم وافدين على السودان. 

وربما يشكل الامتداد الإقليمي لبني عامر أحد عوامل الضغط على السودان، نظرًا لما يثار من اتهامات حول الدعم الإريتري لبني عامر، ردًا على الاتهامات بتورط السودان في دعم التيجراي، الذين يحاربهم “أسياس أفورقي” بجانب “آبي أحمد”. 

وتمتد أزمة الشرق إلى عقود مضت، فمنذ استقلال السودان يطالب سكان الإقليم بالاستقلال عن الدولة السودانية، نظرًا للتهميش الذي يعانونه. وقد تمّ تأسيس “مؤتمر البجا” 1958، للمطالبة بتطبيق الحكم الفيدرالي. وظلت الأزمة على مدار العقود الماضية، والتي ساهمت في توظيف الشرق ضمن المعادلات السياسية للحكومات المتعاقبة، خاصة في ظلّ البشير. 

وشهد الشرق صراعًا بين قبائل “بني عامر – الحباب” من جهة وقبائل “الهدندوة والبجا” من جهة أخرى، نظرًا للصراع على الحقوق التاريخية في الإدارة والموارد للإقليم. وقد وظّف البشير ذلك الصراع، سواء من خلال القمع أو تجميد أحزاب الشرق، أو من خلال تسييس القبائل، ومحاولة خلق كتلة موالية له في الشرق، مما زاد من حدة الأزمة. وقد تجلت تلك الأزمة في ضعف التمثيل الحزبي للشرق خلال المرحلة الانتقالية، واتجاه القبائل للضغط من أجل التعبير عن مصالحها. 

وفي خلال النضال من أجل الحقوق، اتجه حزب “مؤتمر البجا” عام 1995 إلى حمل السلاح، وانضم في نفس العام إلى التجمع الوطني الديمقراطي (التنظيم الجامع لأحزاب المعارضة). وبدأ “مؤتمر البجا” في الشرق أنشطته العسكرية بالتنسيق مع الجيش الشعبي لتحرير السودان.

وقد تم التوصل إلى اتفاق حول الشرق عام 2006 في إريتريا، كان هدفه دعم التنمية في الشرق، نظرًا للمظالم التنموية التي يعاني منها رغم تمتعه بالموارد وموقعه الجيواستراتيجي المتميز، ورغم ذلك لم يفضِ ذلك الاتفاق شأن كافة الاتفاقات التي وقعّت عام 2005 إلى شيء، مما أعاد إنتاج نفس الأزمات التي تعاني منها كافة الأقاليم السودانية. 

وفي أعقاب سقوط البشير، عادت المواجهات القبلية مرة أخرى، على مدار العامين الماضيين، بين بني عامر والنوبة وبين الأولى والهدندوة. ومن بين تلك المواجهات، ما حدث في أغسطس 2020، بين قبيلتي النوبة وبني عامر، في ولاية كسلا، نظرًا لفرض القبائل الأخرى تعيين “صالح محمد صالح” واليًا لكسلا، والذي ينتمي إلى قبيلة بني عامر.

مسار الشرق

وفي إطار التهدئة مؤخرًا، أعلن وسيط السلام الجنوب إفريقي “توت قلواك” ونائب رئيس مجلس السيادة ورئيس اللجنة العليا لحل أزمة الشرق “حميدتي” في منتصف ديسمبر الجاري عن تعليق مسار الشرق لمدة أسبوعين، ذلك بعد أن عاودت مكونات البجا التهديد مجددًا بإغلاق الموانئ، بعد انتهاء المهلة التي كانت مقررة حتى الرابع من ديسمبر الجاري.

ويأتي ذلك القرار، رغم أن مسار الشرق معلق بالفعل، في ظل بقاء مقعد الشرق شاغرًا ضمن هياكل السلطة الانتقالية في كل من مجلسي السيادة والوزراء وكذلك مجلس الشركاء، وقد امتنعت مكونات الشرق عن الاشتراك في مجلس السيادة الجديد إلى أن يتم الاستجابة إلى مطالب الشرق. هذا بجانب أن الوعود بعقد مؤتمر جامع لكل مكونات الشرق، لم تكن بالجديدة هي الأخرى، بل نصّ عليها اتفاق جوبا بالفعل؛ وبالتالي تأتي تلك القرارات كمحاولة لتسكين الأزمات التي يُعاد إنتاجها من حين إلى آخر؛ إذ لم يتم إلغاء المسار كلية كما يطالب البجا.

ومن بين الحجج والتحفظات على مسار الشرق، إدماجه في اتفاق السلام، رغم اختلاف وضعيته عن دارفور، التي حملت حركاتها السلاح ضد النظام السابق. لذا اتخذت قبائل البجا من تلك الحجة ذريعة، لإخفاء التحفظات الحقيقية، التي من بينها الاختلاف على الشخصيات التي تمثل الإقليم.

وتعكس تلك الاختلافات المحيطة بمسار الشرق طبيعة التباين للمكونات القبلية والاجتماعية للأقاليم السودانية، ومحاولة كل طرف التعبير عن مصالحه، بل والاستئثار بالجزء الأكبر من الامتيازات، وهي الأسباب التي تعيق المضي قدمًا في مسار السلام.  وقد يدفع الشرق مناطق وأقاليم أخرى إلى محاكاته، حال اعتراض مكونات الإقليم على حصتها العادلة من الثروة والسلطة، خاصة إقليمي الشمال والوسط. 

حراك الشرق

بدأ حراك الشرق مجددًا بالتزامن مع سقوط نظام البشير، وعودة كافة المكونات للمطالبة بحقوقها المهدرة. وعادت مكونات الشرق للحديث مجددًا عن الحكم الفيدرالي الذي كانت تطالب به منذ حكم البشير، ففي سبتمبر 2019، قامت ثلاثة مكونات من الشرق (مؤتمر البجا المعارض، مؤتمر البجا الكفاح المسلح، الجبهة الشعبية المتحدة) بالاتفاق على تنسيق الموقف التفاوضي لشرق السودان في مفاوضات جوبا. 

واتفقت الأحزاب على الدعوة لحكم لا مركزي فيدرالي تعددي، وضمان مشاركة أهل الشرق، وكذلك المطالبة بإنشاء صندوق لإعمار الشرق، مع تخصيص نسبة 75% من عائدات المشاريع القومية في الإقليم لحكومة الإقليم، مع إعادة هيكلة القوات النظامية بما يضمن تمثيلًا عادلًا لأبناء الشرق في القوات الأمنية، مع إجراء الترتيبات الأمنية لقوات مؤتمر البجا الكفاح المسلح. 

وبالتزامن مع توقيع اتفاق “جوبا للسلام” أكتوبر 2020، كان هناك تحفظ على ممثلي الشرق في ذلك الاتفاق، فقبل توقيع اتفاق جوبا، عقدت مكونات الشرق مؤتمر “سنكات” في سبتمبر 2020، تحت عنوان ” تثبيت الحقوق التاريخية للبجا”، ورفضت مخرجات هذا المؤتمر منبر جوبا للسلام، بوصفه لا يمثل كافة مكونات الشرق، وطالبوا بالحكم الذاتي لشرق السودان على حدود عام 1956 وتكوين البرلمان الأهلي للبجا بشرق السودان. 

وفي 3 أكتوبر 2020، قام البجا بإغلاق الطريق القومي لأجل غير مسمى، وفي 5 أكتوبر قام محتجون بإغلاق جزئي لميناء بورتوسودان، حتى تمّ تجميد مسار الشرق في يناير 2021. وكانت تلك الخطوة، في إطار الاعتراض على ممثلي المسار في منبر جوبا، وهما: حزب مؤتمر البجا المعارض بقيادة أسامة سعيد، وحزب الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة بقيادة خالد شاويش. 

ومنذ ذلك الحين، يشهد الشرق حالة من الحراك من قبل مكوناته القبلية، خاصة قبائل البجا. ويمثل الشرق أحد عوامل الضغظ على الحكومة الانتقالية، بجانب جملة من التحديات التي تعترض المسار الانتقالي بالبلاد. 

وفي إطار تصاعد الأزمة بين مكونات المرحلة الانتقالية خلال الأشهر الماضية، أقبل الشرق مرة أخرى على التصعيد؛ مع الإقدام على غلق موانئ الشرق (بورتوسوادن وهو الميناء القومي للبلاد، وميناء سواكن الاستثماري، ويختص بالمهمات المتعلقة بالتشغيل والمناولة، وميناء حيدوب المخصص لتصدير الثروة الحيوانية، وميناء الخير (بشائر) المخصص لنقل المواد البترولية)، وتعطيل حركة التجارة، والمطالبة بحلّ “حكومة حمدوك” وتشكيل حكومة تكنوقراط، وإلغاء مسار الشرق. 

واستمر هذا الإغلاق نحو أربعين يومًا، إلى أن أصدر رئيس المجلس السيادي “قرارات 25 أكتوبر”، مما دفع المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة إلى الإعلان عن فتح جزئي لموانئ الشرق، حتى يكتمل تنفيذ باقي مطالب الشرق. 

تعقيدات الشرق

تسببت الضغوط التي يمارسها البجا في تفاقم التحديات التي تواجهها حكومة حمدوك، نظرًا للتأثيرات السلبية التي تسبب فيها الإغلاق على الاقتصاد السوداني، الذي ما زال في طور التعافي. فقد أدى الإغلاق إلى تعطيل تصدير جنوب السودان للبترول الذي يمثل النسبة الأكبر من الموازنة العامة للجنوب. 

وإذ ركز النظام السابق على دارفور والجنوب، فإن الحاجة تقتضي معالجة أزمة الشرق، على نحوٍ يفضي إلى سلام قابل للاستمرار؛ إذ إن قضية الشرق هي قضية تنموية ومطلبية بامتياز، رغم كافة التشابكات السياسية التي تحيط بها. إذ تعكس التشابكات الحالية، استمرار توظيف القبيلة سياسيًا، في جميع أنحاء السودان بشكل عام وفي مناطق الشرق بشكل خاص؛ وهو الأمر الذي يعقد من عملية التوافق السياسي والمضيّ قدمًا؛ وهو ما تجلى في رفض تعيينات والي كسلا في أكتوبر الماضي، وكذلك الإبقاء على مقاعد الشرق شاغرة، نظرًا للتحفظات على ممثلي الشرق على أساس قبلي.

وتأتي هذه التعقيدات القبلية، رغم إقرار “اتفاق جوبا” على 30 % لممثلي مسار الشرق (مؤتمر البجا المعارض – والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة)، وتخصيص 70% لأصحاب المصلحة الآخرين في الإقليم؛ إلا أن نظارات البجا تضغط من أجل إعادة تخصيص تلك النسبة عبر مؤتمر تشاوري لأهل الشرق، وهو ما نصّ عليه اتفاق جوبا بالفعل، إلا أن البجا تريد حصة مستقلة عن أهالي الشرق. 

وبذلك فإن أزمة شرق السودان تعكس قضايا متشابكة وممتدة تاريخيًا، والتي يمكن إجمالها في :

  • التنمية غير المتوازنة

أدى تغافل البشير عن تحقيق التنمية العادلة لكافة الأقاليم السودانية، إلى تعميق الشعور بالمظالم والتهميش، في ظل حالة التباينات التي تشهدها البلاد مجتمعيًا بالفعل، مما أنتج في النهاية أزمة المركز والهامش، في ظل تركز التنمية في المركز فقط.

وقد نتج عن حالة التهميش هذه شعور بالاضطرابات والمظالم أدت في النهاية إلى اتجاه أقاليم الهامش إلى حمل السلاح في مواجهة المركز. وقد نتج عن تلك الحالة مواجهة السودان في تاريخه الحديث أطول حرب أهلية في القارة الإفريقية. ولعل انفصال جنوب السودان كان أحد تداعيات التباينات في التنمية، والتي يتم تأطيرها على أساس مجموعة من العوامل القبلية والعرقية والدينية، مع بقاء أزمة التنمية في قلب الأزمة.

  • محاولات تسييس القبيلة

قام البشير بتوظيف القبيلة، بما فاقم من الاستقطابات المجتمعية، والتي برزت تجلياتها في إطار التفاعلات الانتقالية، بما جعل القبلية أساسًا للتناحر السياسي والمجتمعي، وفاقم من أزمة الهوية الوطنية التي يعاني منها السودان.  وقد أسهم الشعور بالهوية القبلية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، في تعميق الانقسامات، وتجلى ذلك في الصراعات القبلية التي شهدها الشرق على مدار تاريخه، واستمرار تلك الصراعات مع محاولة إضفاء طابعًا سياسيًا عليها.

وعلاوة على ذلك، أدى تعمق الشعور بالهوية الضيقة على حساب الهوية الوطنية، في استمرار مطالب الحكم الذاتي وتقرير المصير. وتتصاعد مطالب تقرير المصير من آن لآخر في إطار المساعي لحسم القضايا التنموية والمطلبية للأقاليم السودانية المختلفة. 

  • الامتدادات القبلية والإقليمية 

الامتدادات القبلية عبر الحدود الوطنية، هي إحدى السمات التي تشهدها الدولة الوطنية في إفريقيا بعد الاستعمار، نظرًا للترسيم المصطنع للحدود. وفي شرق السودان، مثّل الامتداد القبلي أحد عوامل التوظيف السياسي من قبل الأنظمة والحكومات سواء للدولة الأم أو لدول الجوار.

ومثّل امتداد قبيلة بني عامر بين السودان وإريتريا، أحد عوامل التوظيف للأزمة تاريخيًا. وتعد كذلك محورية الموقع الاستراتيجي لشرق السودان على البحر الأحمر، عاملًا للتدخل الإقليمي والدولي لتوظيف تلك الأزمة، في إطار الحسابات الاستراتيجية، بما ينعكس على المسار الانتقالي للسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى