أفريقيا

حسابات جيبوتي وتحولات القرن الأفريقي

في ضوء ما يشهده القرن الأفريقي من تحولات جذرية، سواء على مستوى السياسة الداخلية والتغيرات التي يمرّ بها أغلب دول الإقليم، أو فيما يتعلق بالتحولات الحاكمة للعلاقات لدول الإقليم في ضوء إعادة صياغة المعادلات الإقليمية، وما يرتبط بذلك من علاقات تربط الإقليم بالدول الإقليمية والكبرى المتدافعة على المنطقة؛ فإن تلك الدولة الصغيرة مساحة وعددًا والتي تحظى بأهمية وموقع استراتيجي جعل منها موقعًا اقتصاديًا ولوجستيًا حيويًّا، باتت تنظر إلى تلك التحولات والتغيرات بحذر وترقب شديدين، رغم ما تتمتع به من استقرار نسبي عن باقي جيرانها. 

لكن رغم الاستقرار النسبي الذي تتمتع به جيبوتي، ورغم الأهمية الجيواستراتيجية التي تحظى بها، لدرجة جعلت من موقعها الاستراتيجي ركيزة للتنمية الاقتصادية، إلا أنه في الوقت ذاته جعلها أكثر تأثرًا بتفاعلات الجغرافيا مع السياسة، أو بمعنى أكثر وضوحًا، جعلها أكثر تأثرًا بموقعها من التفاعلات السياسية والتشابكات الإقليمية والدولية.

حسابات جيبوتي

تاريخيًا، لم تكن جيبوتي كيانًا سياسًا مواحدًا، بل كانت تتكون من سلطنة عيسى الصومالية وسلطنات عفر المحلية والإقليمية، حتى أنشأت فرنسا رسميًا مستعمرة أرض الصومال الفرنسية عام 1896، بدمج سلطنة عيسى مع العفر ومدينة جيبوتي كمركز إداري لها. وظلت جيبوتي مستعمرة فرنسية حتى حصلت على استقلالها عام 1977، حيث قاد حركة الاستقلال تحالف بين العيسى والعفر، حتى سيطرت قبيلة العيسى على الحكم واستبعدت عفر خلال حكم الرئيس الأول لجيبوتي حسن جوليد.

وبعد تمرد العفر في مطلع التسعينات، أعيدت التعددية الحزبية مرة أخرى، بعد اعتماد دستور جديد عام 1992 ووصول الرئيس “إسماعيل عمر جيلة” إلى الحكم عام 1999، والذي أعيد انتخابه في الأعوام 2005، 2011، 2016، 2021. 

ورغم اعتماد التعددية السياسية شكليًا، إلا أن استئثار العيسى بالحكم على حساب العفر يمثل وجهًا من أوجه مشاكل الحكم التي تعاني منها جيبوتي. بجانب أن التغييرات الدستورية التي سمحت بانتخاب “جيلة ” للمرة الخامسة تتناقض مع ما وضعته البلاد في 2014، في رؤية جيبوتي 2030، والتي حددت الهدفين الأول والثاني لتحقيق السلام والوحدة والحكم الرشيد.

كذلك الروابط الإقليمية لقبائل جيبوتي تمثل عاملًا من عوامل تهديد الاستقرار الإقليمي، حيث يمتد العفر في كلٍ من إريتريا وإثيوبيا، على نحوٍ قد يؤثر على صياغة المعادلة الإقليمية بين البلدان الثلاثة، والأمر ينصرف على العرق الصومالي الذي له امتدادات في الصومال.

ورغم تمتع العملية السياسية في البلاد بالاستقرار النسبي، وتماسك المجتمع رغم التناقضات الحاكمة؛ إلا أن التفكير فيما بعد حكم “جيلة” سيعيد البلاد لحالة الانقسام القبلي والسياسي، بما قد يدفعها بعيدًا عن حالة الاستقرار التي تتميز بها عن محيطها الإقليمي.

وفيما يتعلق بالبعد الاقتصادي والتنموي، تعتمد الدولة البحرية الواقعة على خليج عدن على التجارة والنقل البحري، فمنذ الحكم الفرنسي وتمثل مدينة جيبوتي وميناؤها عصب الاقتصاد الجيبوتي، بوصفهما مركزًا إداريًا واقتصاديًا تطورا على مدار القرن العشرين، حيث تتبع جيبوتي نظامًا اقتصاديًا يعتمد على تطوير البنية التحتية من خلال توسيع الموانئ وروابط النقل الإقليمية مع الاستفادة من موقعها الاستراتيجي.

لكن التركيز على قطاع الخدمات مع ارتفاع مستوى الدين الخارجي لتمويل البنية التحتية يؤثر على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسكان. فعلى الرغم من أن تنويع الاقتصاد وزيادة الاستثمار في رأس المال البشري ضمن خطة التنمية المستدامة، لا يزال مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد منخفضًا، حيث ترتفع نسبة الفقر في جيبوتي، وتعيش نسبة كبيرة من السكان في فقر (حوالي 40٪ في عام 2017)، وحوالي 20٪ يعيشون في فقر مدقع وفقًا لبيانات عام 2019، وتقع جيبوتي في فئة التنمية البشرية المنخفضة على مؤشر التنمية البشرية، ناهيك عن حصول 57% فقط من الأسر الحضرية على الكهرباء عام 2017، ويؤثر انعدام الأمن الغذائي على حوالي 30% من السكان.

وتعد البطالة أحد العوامل الرئيسة لارتفاع نسب الفقر، حيث يزيد معدل البطالة عن 43% بين سكانها الذي يمثل الشباب فيهم النسبة الأكبر والتي تصل إلى 50%، كما أن اعتماد الاقتصاد على التجارة الدولية والنقل البحري، رغم ما أسهم فيه من ارتفاع معدلات النمو، إلا أنه ترك البلاد عرضة للتقلبات السياسية وأضعف من مستويات التنمية في البلاد. 

الروابط الإقليمية

تعد دبلوماسية الموانئ أحد مرتكزات السياسة الجيبوتية، عبر تأجير الموانئ وتطوير المناطق الاقتصادية الحرة، إذ تتصل مصالح جيبوتي الإقليمية بشكل كبير بمينائها الواقع على باب المندب، لذا تتأثر مصالح البلاد بالتحولات التي تشهدها الدول الإقليمية المحيطة، إذ يتأثر الميناء بالتوترات الإقليمية في اليمن والأزمات المفتوحة في إثيوبيا والصومال في الجنوب وكذلك التوترات مع جارتها الشمالية إريتريا، وهو الأمر الذي ينعكس على الالتزامات الجيبوتية إقليميًا بجهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وأمن الحدود.

ويعد تعزيز التكامل الإقليمي من أجل زيادة التجارة والاستثمار هدفًا ضمن أهداف التنمية المستدامة لجيبوتي 2030. ويعتمد الاقتصاد الجيبوتي بشكل كبير على الروابط الإقليمية التي تعزز خطط التنمية الاقتصادية لديه؛ إذ يعتمد اقتصادها بشكل كبير على العلاقات التجارية مع إثيوبيا، فكان تشغيل خط قطار جيبوتي – أديس أبابا في عام 1917 علامة بارزة حولت ميناء جيبوتي إلى مركز تجاري رئيس، ونقطة عبور لإثيوبيا المجاورة، والذي قامت الصين بإعادة إحيائه عام 2017. 

لذا فإن الاقتصاد في جيبوتي أكثر عرضة للتقلبات السياسية في محيطه الإقليمي، فأدت الحرب الإثيوبية في إقليم تيجراي على سبيل المثال، إلى قطع الطريق وخط السكة الحديد بين أديس أبابا وجيبوتي، مما أثر على معدل التجارة بين البلدين. ولم يتوقف الأمر عند الصراعات والتوترات الإقليمية التي من شأنها التأثير على السلامة الإقليمية لموانئها وممراتها البحرية. بل إن التقاطعات الإقليمية والدولية وإعادة صياغة التحالفات من شأنه أن يؤثر على موقع جيبوتي من تلك المعادلة ومن ثم يؤثر على اقتصادها المعتمد بشكل كبير على التجارة الدولية.

علاوة على التوترات الإقليمية، فإن تطوير مرافق إقليمية قد تكون منافسة للموانئ الجيبوتية، أمر من شأنه إثارة القلق لجيبوتي، مثل ميناء بربرة وأرض الصومال أمر يؤثر على إثيوبيا بشكل مباشر، فشكل وصول آبي أحمد للحكم في 2018، وسعيه إلى عقد مصالحات في القرن الأفريقي، كجزء من محاولة إعادة صياغة المعادلة الإقليمية، هاجسًا لجيبوتي، خاصة مع محاولة إثيوبيا خلق محور جديد يتألف من (إثيوبيا – إريتريا – الصومال)، وإعلان الثلاثة تشكيل كتلة جديدة تسمى “مجلس تعاون القرن الأفريقي”، وهو التحالف الذي من شأنه التأثير على جيبوتي، مع محاولة إثيوبيا خلق محاور جديدة للربط والنقل مع إريتريا، أو الصومال، فيعد تطوير الموانئ الإريترية والصومالية وكذلك ميناء بربرة بأرض الصومال، تهديدًا لجيبوتي كمركز للنقل اللوجستي. 

ولم يقتصر الأمر على التفاعلات الإقليمية في القرن الأفريقي، بل إن التفاعلات الإقليمية والدولية من شأنها التأثير على الدولة التي تستضيف قواعد عسكرية لكل من الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا واليابان والصين؛ ناهيك عن قيام الأخيرة بتطوير الاستثمارات في البنية التحتية بما أغرق البلاد في الديون.

وفي ضوء تلك التحولات والمعادلات الإقليمية والدولية، فإن مستقبل الاستثمارات في جيبوتي مرهون بشكل كبير بشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، والتوازنات التي يمكنها تحقيقها بين حلفائها الإقليميين؛ لذا تسعى جيبوتي إلى تطوير وتنويع قطاعاتها الاقتصادية، وتسعى كذلك إلى تنويع حلفائها الإقليميين؛ بعد أن تبين خطر سيطرة إثيوبيا على جانب كبير من حركة التجارة لديها. 

فرغم صغر دولة جيبوتي مساحة وعددًا، إلا أنها تحظى بأهمية استراتيجية، استمدتها من موقعها المميز، مما جعلها ركيزة مهمة لتفاعلات القرن الأفريقي، سواء من خلال التدافع الإقليمي والدولي عليها لضمان موطئ قدم على البحر الأحمر أو تأمين حركة التجارة الدولية، أو من خلال شراكتها في معادلات الأمن في المنطقة، سواء من خلال جهودها الإقليمية في مكافحة الإرهاب والقرصنة في المنطقة، أو من خلال عضويتها في مجلس أمن البحر الأحمر، على نحوٍ يجعل من جيبوتي رقمًا مهمًا في المعادلة الإقليمية للمنطقة، التي في طور التغيير والتشكل. 

ويعد الاستقرار والتنمية في البلاد، بعدًا مهمًا ضمن صياغة تحالفاتها في المنطقة، لذا تنظر جيبوتي إلى التغيير الإقليمي بحرص شديد؛ كون هذا التغيير سينعكس بشكل كبير على مستقبل مكانتها وموقعها الاستراتيجي في المنطقة، ناهيك عن أهمية التغيير على مستوى الداخل، في ظل التغييرات التي طالت أغلب دول المنطقة، وبقاء تلك الدولة التي تشهد استقرارًا نسبيًا، في معدلات منخفضة من التنمية واستمرار الفقر وضعف مستويات التنمية رغم ما حققته من مؤشرات مرتفعة في النمو الاقتصادي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى