أفريقيا

من‌ ‌”‌ ‌نوبل‌ ‌للسلام”‌ ‌إلى‌ ‌حظر‌ ‌”‌ ‌تأشيرات‌ ‌السفر”..‌ ‌تراجع‌ ‌مكانة‌ ‌”أبي‌ ‌أحمد”‌ ‌الدولية‌ ‌

أعلن وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن ، أمس الأحد 23 مايو 2021، فرض مجموعة من القيود على المسؤولين الإثيوبيين ونظرائهم الإريتريين  ممن تورطوا في أعمال عنف وجرائم ضدّ الانسانية في إقليم التيجراي الإثيوبي.

يأتي هذا القرار بعد مجموعة من التحركات الدبلوماسية الأمريكية المتأخرة، التي سعت من خلالها إلى احتواء تردي الأوضاع الإنسانية المتفاقمة، بعد حوالي نصف عام، منذ أن أطلق أبي حملته العكسرية ضد الإقليم في نوفمبر الماضي.

وبعد صمت أمريكي لأشهر عديد، فّسر أنه انشغال بمعركة الانتخابات الأمريكية، في حين فسره آخرون أنه يعود إلى الرهان الأمريكي على الدور الإثيوبي وعلى أبي أحمد تحديدًا في قيادة ورعاية مصالحها في منطقة القرن الإفريقي؛ جاءت ردود الفعل الأمريكية أخيرًا، لتكشف موقفا جديدا آخذاً في التحول، مفاده أن هناك إعادة صياغة للدور الإثيوبي في المنطقة، بعد سياسات أبي أحمد التي قوّضت السلام في بلاده، وأخذت في تقويض السلام في المنطقة بأكلمها.

دبلوماسية العقوبات

تعتبر العقوبات أداة ناجعة في الدبلوماسية الأمريكية لتسوية القضايا والمواقف الدولية وممارسة سياستها على الساحة الدولية. وفي تحول للسياسة الأمريكية، يبدو من خلاله أن هناك تحولا في الدور الإثيوبي من كونها دوله ” وكيل” في المنطقة لرعاية المصالح الأمريكية، باتت مهددة بالعقوبات؛ جراء السياسات المهددة لتماسك الدولة واستقرار الإقليم، التي ينتهجها رجل السلام، أبي أحمد.

فشهددت المكانة الإثيوبية تراجعًا في السياسة الأمريكية، تجسد مع قرار إدراة الرئيس السابق ” ترامب” بتعليق المساعدات الأمريكية السنوية لإثيوبيا نظرًا لموقفها المتعنت من قضية ” سد النهضة”. وعلى الرغم من تعويل الحكومة الإثيوبية على وصول إدارة ديمقراطية أكثر مرونة من إدارة ترامب، إلا أن المواقف والإجراءات التدريجية تكشف موقفا مغايرا.

فعلى الرغم من تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ” نيد برايس” في 19 فبراير الماضي، أنه سيتم ” فك الارتباط” بين تعليق المساعدات الأمريكية والموقف من سدّ النهضة، لكنه مع إعادة تقييم عملية إنهاء تعليق المساعدات البالغة 272 مليون دولار سنويًا، تمّ اشتراط الأمر بمواقف أخرى سيتم مناقشتها مع الحكومة الإثيوبية؛ في إشارة إلى الموقف السياسي مما يجري في إقليم التيجراي الإثيوبي. 

ولم يقتصر الأمر على تعليق المساعدات، بل ضغط مجموعة من أعضاء الكونجرس لفرض مزيد من العقوبات المباشرة على الحكومة الإثيوبية، وتوقيع عقوبات على أية مسؤول مدني أو عسكري إثيوبي يثبت تورطه في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الصراع في تيجراي.

وفي أول بيان لإدارة بادين، يناير الماضي، طالبت بضرورة انسحاب القوات الإريترية والأمهرية من الإقليم، وكذلك تيسير وصول المساعدات الإنسانية. وتكرر الأمر في مارس الماضي، بعد أن فشل مجلس الأمن في إصدار بيان يحظى بالإجماع حول إدانة العنف الحاصل في تيجراي، نظرًا لعرقلة كل من الصين وروسيا  للقرار؛ أعربت الخارجية الأمريكية عن قلقها من الفظائع المبلغ عنها والوضع الإنساني المتدهور، وحثّ بلينكن على انسحاب القوات الإريترية والأمهرا من إقليم التيجراي.

كما طالب بلينكن الأمين العام للأمم المتحدة، 12 مارس، بإجراء تحقيق دولي في انتهاكات حقوق الإنسان في إقليم التيجراي، وطالب بضرورة تعزيز الجهود الإقليمية والدولية للمساعدة في حلّ الأزمة الإنسانية وإنهاء الفظائع المرتكبة في الإقليم، وضرورة انسحاب القوات الإريترية. على إثر ذلك التصريح، قدّم نائب رئيس بعثة إثيوبيا لدى الأمم المتحدة استقالته، احتجاجًا على التصريحات التي وصفت ما يحدث في تيجراي بأنها حرب باردة.

كما لاقى هذا البيان رفضًا من الحكومة الإثيوبية، التي قالت ” من المؤسف” أن الولايات المتحدة حاولت ” إصدار تصريحات تتعلق بالشأن الداخلي الإثيوبي، وعلى وجه التحديد الإشارة إلى انتشار قوات الأمهرة الإقليمية، وأن هذه الأمور هي مسؤولية الحكومة الإثيوبية وحدها، كدولة ذات سيادة ومسؤولة عن نشر الهيئات والوسائل الأمنية اللازمة لضمان سيادة القانون في جميع أركان حدودها.

وفي الشهر ذاته، أرسل الرئيس الأمريكي، السيناتور الديمقراطي ” كريس كونر” للقاء أبي أحمد في أديس أبابا، طالبه بوقف غير مشروط لإطلاق النار، رفضها أبي أحمد، في حين أنه اعترف للمرة الأولى بوجود قوات إريترية في الإقليم، وفي أعقاب الزيارة تعهد أبي بمعاقبة أي جنود يرتكبون انتهاكات حقوقية، بعد لقاءه بالرئيس الإريتري ” أسياس أفورقي” في أواخر مارس الماضي.

وعلى الرغم من تعهدات أبي بانسحاب القوات الإريتريا ومحاكمة مرتكبي الجرائم، وقد تعهد أبي أحمد سابقًا بإشراك اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في إجراء تحقيقات حول الانتهاكات التي رفض مشاركة الجهات الدولية التدخل لإجراء التحقيق فيها؛ إلا أن الحكومة الإثيوبية لم تكن جادة في تعهداتها، مما دفع الإدارة الأمريكية للانخراط المباشر، بتعيين المبعوث الأمريكي لمنطقة القرن الإفريقي، جون فيلتمان، 23 إبريل الماضي، الذي أوضح بيان تعيينه جاء انعكاسًا للشواغل السياسية للولايات المتحدة في منطقة القرن الإفريقي؛ والتي في مقدمتها ثلاث قضايا، تقدمها الوضع المتقلب في إثيوبيا والصراع في تيجراي، إضافة إلى النزاع الحدودي مع السودان وأخيرًا سد النهضة.

وعقب انتهاء جولة المبعوث الأمريكي، في الفترة من ( 4 – 13 مايو) جاء بيان الخارجية الأمريكية، ليمهد لتلك الخطوة القاضية بفرض عقوبات على إثيوبيا. خاصة بعدما تنامي إدراك لدى الإدارة الأمريكية أن الوضع أوشك على الانفجار بما يهدد المنطقة والمصالح الأمريكية. 

وأولت واشنطن رؤية بقاء الدولة الإثيوبية موحدة، أهمية خاصة في إطار معالجة أزمات منطقة القرن الإفريقي. واستندت هذه الرؤية إلى تنامي حالة القلق العميق إزاء زيادة حالة الاستقطاب السياسي والعرقي في جميع أنحاء البلاد، بما يهدد مصير الإصلاحات الهادفة إلى الاستقرار. 

وأشار البيان إلى المساعي الأمريكية بالمشاركة مع الحلفاء الدوليين لوقف إطلاق النار وإنهاء الصراع الوحشي في الإقليم  وتوفير المساعدات الإنسانية، مع تأكيد محاسبة المسؤولين عن خرق وانتهاك حقوق الإنسان.

كما طالب المبعوث الأمريكي بضرورة معالجة التحديات من خلال بناء إجماع وطني شامل، وطالب الرئيس أفورقي بانسحاب قواته من الإقليم. كما أكدّ البيان أن هناك قرارات ستتخذ الأسابيع والأشهر المقبلة سيكون لها تداعيات كبيرة على شعوب المنطقة وكذلك المصالح الأمريكية؛ في إطار المنعطفات التي يمرّ بها القرن الإفريقي، والتزام الولايات المتحدة بمعالجة أزماته بما يجعل الحكومات مسؤولة أمام مواطنيها وللمواطنيين رأي في حكمهم.

وفي الثالث والعشرين من مايو، أعلنت الخارجية الأمريكية قرارها بموجب قانون الهجرة والجنسية، ” تقييد إصدار تأشيرات لأي مسؤول حكومي إثيوبي أو إريتري حالي أو سابق، أو أفراد من قوات الأمن أو أي أفراد آخرين، بما في ذلك قوات الأمهرا الإقليمية وغير النظامية وأعضاء جبهة تحرير التيجراي، المسؤولين أو المتواطئين في تقويض حل الأزمة في تيجراي.

ويشمل ذلك أولئك الذين ارتكبوا أعمال عنف غير مشروعة أو غير ذلك من الانتهاكات ضد الناس في منطقة تيغراي في إثيوبيا ، وكذلك أولئك الذين أعاقوا وصول المساعدة الإنسانية إلى أولئك الموجودين في المنطقة. قد يخضع أفراد الأسرة المباشرين لهؤلاء الأشخاص أيضًا لهذه القيود. إذا فشل المسؤولون عن تقويض حل الأزمة في تيغراي في عكس مسارهم ، فعليهم توقع المزيد من الإجراءات من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي”.

إضافة للسابق، فرضت قيود واسعة النطاق على المساعدات الاقتصادية والأمنية لإثيوبيا، وكذلك موائمة التجارة الدفاعية معها، مع مواصلة المساعدات الأخرى في مجالات الصحة والأمن الغذائي والتعليم الأساسي ودعم النساء والفتيات وحقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد وتخفيف حدة النزاعات. وكذلك مواصلة قيودها الواسعة على إريتريا. وعلى وقع هذه القرارات، جاء رد الخارجية الإثيوبية، ليعكس نوعًا من التحدي، بأنها ستضطر لإعادة تقييم علاقتها بالولايات المتحدة إذا استمرت الضغوط على البلاد.

دلالات وانعكاسات

  • إعادة صياغة المكانة الإثيوبية:

باعتبارها الدولة الإقليمية التي راهن عليها المجتمع الدولي والولايات المتحدة في قيادة دور إقليميً في جهود مكافحة الإرهاب وكذلك رعاية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة؛ فإن الكثير من المؤشرات تعكس تراجعًا في تلك المكانة.

وما يؤشر على إعادة الولايات المتحدة صياغة مكانة إثيوبيا لديها في السياسة الأمريكية، هو تعيين المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي، وهي الخطوة التي جاءت استجابة للتقديرات التي ترى أن إثيوبيا لم تعد حليفًا يمكن التعويل عليه في رعاية المصالح الأمريكية، بعد أن باتت مهددًا حقيقيًا لتلك المصالح، وبذلك فإن على واشنطن إعادة الانخراط المباشر في المنطقة لمباشرة مصالحها، في ظل التنافس الدولي على المنطقة والتدافع الروسي والصيني بما يمثل تهديدا للمصالح الأمريكية. 

يقترن تراجع المكانة الإثيوبية كذلك بتراجع وهبوط مكانة أبي أحمد الدولية كرجل حاز على دعم الغرب، بهدف استعادة الأمن والاستقرار في تلك الدولة الهامة في منطقة القرن الإفريقي، والتي تشهد حالة من عدم الاستقرار العرقي والإثني، من شأنه تفتيت الدولة وكذلك انفجار المنطقة ككل، كما وصف المبعوث الأمريكي، أن الأزمة الإثيوبية إذا انفجرت ستكون أعقد من الأزمة السورية.

فبخلاف الدعم الذي قدم لأبي وللحكومة الإثيوبية فور مجيئه عام 2018، مع إصدار قانون رقم 128 تحت مسمى ” دعم احترام حقوق الإنسان وتشجيع الحوكمة الشاملة في إثيوبيا”، بهدف دعم حكومة أبي أحمد حينها؛ تأتي العقوبات الآن لتستهدف أبي أحمد ومسؤوليه عما يرتكبوه من جرائم ضد الإنسانية، وكذلك جرائم تهدد الديمقراطية وحكم القانون. ونفس القانون الذي أصدر لدعم أبي أحمد يمكن استخدامه لمحاسبته ومحاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان من مسؤوليه، مع إمكانية فرض المزيد من العقوبات الدولية وفقًا لقانون ماجنيتسكي للمساءلة بشأن حقوق الإنسان عالميًا.

  • عودة إريتريا لعزلتها الدولية

استهدفت سياسات  أفورقي بالأساس دعم حكمه وبقائه في السلطة، عبر محاولة فك العزلة الإقليمية والدولية، مع تعرض نظامه للعقوبات الدولية، التي شملت منعًا للسفر وتجميدًا لأصول بعد الكيانات والأفراد الإريترية، عام 2009 باعتبارها دولة راعية للإرهاب. 

ومع وصول أبي أحمد، سعى الرجلان إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية في المنطقة وبناء التحالفات، التي تدعم بقاءهما في الحكم. فجاءت اتفاقية السلام الإثيوبية – الإريترية، التي استهدف من خلالها الرجلان خصمهما المشترك التيجراي. وبتجاوز أبي منطق التجاوزات الداخلية في بلاده، لم يستطع بالفعل تنفيذ الاتفاقيه وتسليم إريتريا ” مثلت بادمي” الحدودي بين إقليم التيجراي وإرتيرتا.

وعمل أبي أحمد على تمهيد وبناء التحالفات الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي، ليلتقي كلا من الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو بالرئيس أفورقي في أسمرة بعد خمسة عشر عامًا من القطيعة، في يوليو 2018، أعقبها لقاء الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله ونظيره الإريتري، بعد عشرة أعوام من القطيعة.

عملت هذه التحركات التي استهدف من ورائها أبي أحمد إعادة صياغة المكانية الإقليمية الإثيوبية، في إطار رؤيته لمشروع القرن الإفريقي الكبير؛ على فتح الباب لأسياس أفوري وفك العزله تدريجًا، إلى أن أصدر مجلس الأمن الأمن قرارًا في نوفمبر 2018، يقضي برفع الحظر عن عن الأسلحة المفروض منذ 2009 وكذلك حثّ إريتريا وجيبوتي على تطبيع العلاقات بينهما وإنهاء الخلاف الحدودي. 

غير أن انخراط أفورقي مع أبي أحمد في صراعه مع جبهة تحرير التيجراي، ينذر بانتكاسة التحركات وتقويض الجهود التي استهدفها الرجلان، بعد أن أكدت التقارير الدولية عن تورط القوات الإريترية في أعمال تنتهك حقوق الإنسان، وكذلك اعتراف الحكومتين الإثيوبية والإريترية بوجود  القوات الإريترية في الإقليم، على نحوٍ دفع بتعرض المسؤولين الإريتريين للعقوبات الأمريكية، بما يهدد مستقبل الرجلين، اللذين عملا على تقويض الاستقرار الداخلي والإقليمي بهدف بقائهما في الحكم.

  • إعادة صياغة التحالفات في القرن الإفريقي

تفتح التوترات في العلاقات الإثيوبية – الأمريكية، الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة صياغة التحالفات في المنطقة، مع التوجه الإثيوبي ناحية الصين، التي عرقلت بجانب روسيا، إصدار مجلس الأمن قرارًا يدين الانتهاكات الحادثة في التيجراي. 

ففي ظلّ العودة الروسية للمنطقة، وإقامتها لقاعدة لوجستية في السودان، وكذلك اتجاه إثيوبيا إلى التحرر من النفوذ الأمريكي وكذلك الصيني بالتوجه ناحية الهند، في خطوة للمناورة وتعدد شركائها الدوليين. 

وتأتي التحركات الأمريكية الأخيرة، برفع السودان من قوائم الإرهاب، وكذلك تعيين مبعوث أمريكي للمنطقة  وعودة الانخراط المباشر كرد فعل لتدافع القوى الدولية المنافسة لها، وكمؤشر على إعادة صياغة رؤيتها للدور والمكانة على الإثيوبية. 

وفي المجمل فإن التحركات الأخيرة تعكس تحولات في خارطة التحالفات وإعادة صياغة للتوازنات الإقليمية والاستراتيجية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى