أفريقيا

أرض الصومال… حلقة جديدة من مسلسل التنافس الدولي في القرن الأفريقي”

تجلت أبرز ملامح احتدام التنافس الدولي في القرن الأفريقي؛ في محاولة التقارب الدبلوماسي بين كل من تايوان وأرض الصومال. وانعكس هذا التقارب الدبلوماسي في صورة فتح مكاتب تمثيل دبلوماسي؛ إذ أعلنت تايوان في الثالث من يوليو الجاري تعيين السفير لو تشين هوا رئيسا لمكتب التمثيل التايواني في أرض الصومال، فيما يرأس السفير حاجي محمد المكتب المماثل في العاصمة التايوانية “تايبيه”. 

وجاءت تلك الخطوة وسط ترحيب الجانبين، والتأكيد على مشاركة الجانبين في التعاون في مجالات صيد الأسماك والزراعة والطاقة والتعدين والصحة العامة والتعليم والتكنولوجيا.

مواقف متباينة

لعل الأكثر إثارة للجدل هو الموقف الأمريكي، الذي يتسم بالإزدواجية والتناقض؛ إذ رحّب مجلس الأمن القومي الأمريكي، في التاسع من يوليو، بتلك الخطوة من جانب تايوان؛ بتكثيف تحركاتها في شرق إفريقيا، واعتبرها شريكًا عظيمًا في التعليم والصحة والمساعدات التقنية.

وعلى الجانب الآخر، أدانت الصين تلك المبادرات الدبلوماسية، عبر لقاء مبعوثها بالصومال بالرئيس محمد عبد الله فرماجو. 

وشددت السفارة الصينية في الصومال في بيان نشر على موقعها على تويتر على عدم قابلية الصين للتجزئة، في سلسلة من المنشورات التي ذكرت تايوان لكنها لم تذكر أرض الصومال. وقد نجحت الصين بالفعل في إثناء كافة الدول الإفريقية عن الإعتراف بتايوان باستثناء إسواتيني، مما ترك تايوان معترف بها من قبل نحو 15 دولة حول العالم فحسب. 

واتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان تلك المساعي التايوانية بمحاولة لتقويض سيادة الصومال وسلامته الإقليمية، الذي يحظى بعلاقات جيدة بين حكومته في مقديشيو والصين، التي لا تعترف بأرض الصومال.

ومن جانبه اعتبر وزير الخارجية التايواني “جوزيف وو” هذا التقارب بمثابة تشارك وحب الجانبين للديمقراطية، مرجعًا الاتصالات بين الجانبين إلى عام 2009. وأشار إلى أن ما يقومون به هو خطوة قامت بها هيئات ودول أخرى.

و أكدت خارجية تايوان أنها ليست جزءًا من الأراضي الصينية، ولها الحق في متابعة علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى. وجاء هذا التعليق في الوقت الذي  أكدت فيه أرض الصومال وجود مشاورات في فبراير الماضي؛ قام خلالها وزير خارجيتها ياسين حاجي محمود بزيارة رسمية إلى تايبيه لمدة أربعة أيام.

اتجاهات حاكمة 

منذ إعلان إقليم أرض الصومال الاستقلال من جانب واحد عام 1991 ويعتبرها المجتمع الدولي منطقة حكم ذاتي، رافضًا الاعتراف الرسمي باستقلالها؛ للحيلولة دون تبني أقاليم أخرى ذات المسار تباعًا والحفاظ على وحدة واستقلال البلاد. ورغم ذلك تقيم العديد من الدول والمنظمات علاقات دبلوماسية مع أرض الصومال، بما فيها جيبوتي وإثيوبيا نفسهما.

ساحة جديدة للتانفس الدولي

على الرغم من التنبؤات الحاكمة لمسار العلاقات بين الجانبين؛ التي ترى محدودية تنامي وتطور العلاقات الاقتصادية والعسكرية، إلا أنها تمثل رمزية معنوية لتايوان، التي ترى في أرض الصومال نموذج مماثل واعد، في الوقت ذاته فإنها شريك غير مدين للصين بشئ، بعدما سعت الأخيرة إلى تقويض مساعي تايوان وقطع الكثير من علاقاتها الدبلوماسية عام 2016 .

 والأمر نفسه بالنسبة لأرض الصومال، إلا أن الرمزية تزداد دلالتها هنا في ظل سياقات متشابكة؛ بما يعظم نفوذ أرض الصومال في مواجهة الصومال، إذ استطاعت الأولى إثبات نفسها كنموذج للاستقرار وواحة للديمقراطية مقارنة بالصومال الذي لا زال يكافح من أجل الاستقرار، هذا من جانب. 

ومن جانب آخر، ينذر الوضع باتساع نطاق التنافس الدولي ليس على الصومال فحسب، بل وأرض الصومال، في سياق استقطاب إقليمي متفاقم. فوظفت أرض الصومال موقعها الاستراتيجي في السابق؛ عبر استضافتها للقواعد العسكرية، على غرار القاعدة الإماراتية، لترسيخ نفسها كقوة إقليمية مستقلة ذات نفوذ جيواستراتيجي، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه الصومال إلى إجهاض تلك المحاولات من خلال توظيف تحالفات وعلاقات إقليمية، وسعي مقديشيو هي الأخرى لاستضافة القواعد العسكرية، بما فيها قاعدة تركية، فضلًا عن توطيد علاقتها بقطر وتركيا، مقابل سعي الإمارات لتعزيز علاقتها بأرض الصومال. ولم تكن الصين بعيدة عن هذا المشهد الجيوسياسي المستقطب، حيث أنها تدير أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي المجاورة. كما تشارك قواتها ضمن القوات الدولية في عمليات مكافحة القرصنة في المياه المحيطة بالصومال، ما يعكس أهمية تلك المنطقة بالنسبة للصين، التي تقع ضمن طريق الحزام والطريق.  ومع عودة العلاقات الصينية الصومالية عام 2014 بعد انقطاعها في مطلع التسعينيات مع إنهيار الدولة الصومالية، نمت العلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين. وبما أن الصين لديها خبرة انفصالية مع تايوان، فإنها لا تعترف باستقلال أرض الصومال، باعتباره نموذج لا تحبذه، وتقيم علاقتها مع الصومال فقط حتى الآن. وبالتالي تقع الصين هي الأخرى في بؤرة معادلة التوازنات الإقليمية والدولية.

ولعل الترحيب الأمريكي الأخير بإقامة تايوان علاقات مع أرض الصومال، يعكس حالة الإزدواجية وحدة التنافس الإقليمي والدولي في المنطقة. ولعل التنافس الأمريكي الصيني هو ما يبرر الموقف الأمريكي الأخير، وذلك رغم عدم اعترافها بأرض الصومال. فأشارت بعض التقارير العام الماضي إلى رفض السلطات الأمريكية منح تأشيرة دخول لكاري سيموندز صديقة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وهو الموقف الذي بررته  وسائل الإعلام البريطانية حينها، بأن هذا الرفض جاء عقب زيارتها لجمهورية أرض الصومال، التي لا تعترف بها الولايات المتحدة.

تعاظم فرص أرض الصومال

تشير التحولات الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي إلى تعاظم أهمية وفرص أرض الصومال، على نحو يدفع نحو تعظيم فرص حصولها على الاعتراف الدولي، الذي تسعى إليه منذ إعلانها الاستقلال، فعلى الرغم من أهمية الخطوة التايوانية، إلا أنها تحمل دلالات رمزية أكبر بكثير من مآلاتها الفعلية. ولعل هذا يتزامن مع إعلان صوماليلاند عن استعدادها لتكون طرفًا ضمن مفاوضات سد النهضة، في الوقت الذي وقفت فيه الصومال ضد قرار الجامعة العربية. ويثير هذا الوضع التخوفات بشأن توظيف أرض الصومال ضمن أوراق التنافس الإقليمي والدولي، ما من شأنه أن تظل الأخيرة تتمتع بعلاقات رمزية لا ترقى لأن تكون علاقات استراتيجية مستديمة. ويلقى هذا الوضع بظلاله، ليس فقط على مستقبل العلاقات الثنائية بين الجانبين، ولكن أيضًا على طبيعة التفاعلات والتحولات الداخلية في الجانبين. فمن الواضح أن القوى أصحاب المصلحة تضغط باتجاه حصول أرض الصومال على استقلال بحكم الواقع وليس القانون، أو الإدارة الذاتة للإقليم؛ بما يسمح لها بإقامة علاقات تجارية واستثمارية بشكل مستقل، ويتيح لها استغلال ميناء بربرة، الذي تسعى كافة القوى إلى تعظيم نفوذها ومصالحها في هذا الميناء الحيوي. ويأتي هذا في ضوء جلسة الحوار الأخيرة برعاية جيبوتي، والتي كشفت عن تصلب مواقف الطرفين، بما يفضي بعدم إمكانية حلحلة الأزمة في القريب العاجل.

ومع ذلك، لا تزال هناك رغبات ومساعي إقليمية؛ إما لحلحة الأزمة، أو حتى توظيفها، في إطار توازنات المصالح الإقليمية. ولعل أبرز هذه المساعي، هي محاولات آبي أحمد منذ مجيئه للحكم إلى تحريك المياه الراكدة بين الجانبين؛ إذ قام بعقد قمة تشاورية بين الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو ورئيس أرض الصومال موسى بيحي عبدي، في فبراير الماضي، وكان هذا هو اللقاء الأول بين الرئيسين، في محاولة من أبي أحمد إلى إحداث حلحلة في الأزمة بين الجانبين، في سياق مساعيه الإقليمية لرعاية جهود السلام في منطقة القرن الإفريقي.

في الأخير لايبدو أن أرض الصومال قادرة على إقناع العالم بالاعتراف بها بشكل رسمي حتى الأن، وكل ما تقيمه من علاقات ثنائية غير رسمية يأتي في إطار توظيف مزاياها الجيواستراتيجية، التي مثّلت عاملًا لتدافع القوى الإقليمية والدولية صوبها. وعليه، فإنه في ظل هذه البيئة الاستراتيجية الإقليمية المعقدة، فضلًا عن تعقد وتصلب المواقف بينها وبين الصومال، يظل وضع الإدارة الذاتية للإقليم هو الأقرب، والذي تدفع نحوه كافة الأطراف والقوى أصحاب المصلحة؛ ليس فقط الإقليمية والدولية، بل وأصحاب المصلحة الداخليين، الحريصون على استمرار حكمهم وبسط سيطرتهم على البلاد في الجانبين.

وبالتالي فإن الصومال وأرض الصومال يمكنهما استغلال تلك اللحظة الإقليمية الراهنة من أجل تسوية أوضاعهما في إطار توافقي، إذ أن المواقف المنفردة والمتشددة بينهما لن تفضي إلى شيء أكثر من استمرار توظيف الخلاف بينهما إقليميًا ودوليًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى