أفريقيا

سباق الجولات: الجولة الأفريقية الثانية لأنتوني بلينكن

بعد جولته الآسيوية التي تضم كمبوديا والفلبين لحضور الاجتماع الوزاري بين الولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا، واجتماع وزراء خارجية قمة شرق آسيا، والمنتدى الإقليمي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، والتي بدأت في الثاني من أغسطس الجاري؛ يواصل وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” مسيرته إلى القارة الأفريقية في جولة تضم كلًا من جنوب أفريقيا والكونغو الديمقراطية ورواندا في الفترة من 7 حتى 12 أغسطس.

وتعد هذه هي الجولة الثانية لأنتوني بلينكن إلى أفريقيا بعد تلك الأولى التي أجراها في نوفمبر 2021، شملت كلًا من كينيا، نيجيريا، السنغال، في سياق التحديات التي شهدها الدور الأمريكي في منطقة القرن الأفريقي لتثبيت الأمن والاستقرار، وكذلك التراجع الديمقراطي الذي شهدته منطقة غرب أفريقيا.

وتأتي هذه الجولة في سياق تصاعد التنافس الروسي الغربي من جهة والصيني الغربي من جهة أخرى؛ بما ألقى بصداه على القارة الأفريقية، التي باتت محط أنظار القوى الدولية التي تسعى إلى استقطاب أفريقيا في معارك النافس الدولي كحليف يمكن أن يسهم انحيازه لطرف في ترجيح كفته، أو كساحة يسهم التحرك في إطارها تحجيم نفوذ الخصم الاستراتيجي؛ بدلًا من اعتبارها قوة لتشكيل المستقبل العالمي.

السياق الاستراتيجي

في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي ” جو بايدن” عن عقد قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا في واشنطن في ديسمبر المقبل لمناقشة قضايا واسعة؛ لتعزيز العلاقات الاقتصادية، وتعزيز الديمقراطية، ودفع السلام والأمن، ومعالجة القضايا العالمية، وتهديدات الصحة والمناخ والأمن الغذائي؛ جاءت جولة وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” إلى أفريقيا، والتي ضمت مصر والكونغو وأوغندا وإثيوبيا، في محاولة لفك طوق العزلة الغربي المفروض على روسيا، ومحاولة النأي بالنفس عن التورط في أزمات الطاقة والأمن الغذائي.

وبدوره، سارع الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى انتهاز التوقيت الحاسم؛ لإجراء جولة أفريقيا في غرب أفريقيا، في سياق التراجع الاستراتيجي للدور الفرنسي في مناطق نفوذه التقليدية؛ مع صعود المؤشرات على احتلال روسيا لمناطق الفراغ الفرنسية. في هذا الصدد؛ أجرى ماكرون جولة بدأت في 25 يوليو، شملت كلًا من الكاميرون، بنين، غينيا بيساو؛ في محاولة لإعادة صياغة الدور الفرنسي في المنطقة.

وتتزامن تلك الزيارة مع جملة من الجولات المختلفة، بما في ذلك جولة “سامانثا باور” مديرة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في يوليو الفائت؛ حيث زارت كينيا والصومال، تزامنًا مع الأزمات الإنسانية والأمنية في المنطقة، حيث تعهدت بتقديم 470 مليون دولار إلى الصومال؛ للمساعدة في مواجهة الأزمات الناجمة عن الجفاف؛ فضلًا عن إعادة التأكيد على التزام الولايات المتحدة بمكافحة الإرهاب وعدم الاستقرار في القرن الأفريقي. 

وتوجهت كذلك السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة “ليندا توماس جرينفيلد” إلى أوغندا وغانا والرأس الأخضر، الأربعاء الماضي (4-8 أغسطس)؛ حيث تواجه تلك الدول أزمات تتعلق بحالة الأمن الغذائي؛ بسبب الارتفاع الكبير في تكلفة الغذاء والطاقة؛ فمن المقرر أن تقابل “جرينفيليد” في غانا أحد المزارعين وكذلك مصنع للحبوب، للنظر في آليات دعم الإنتاج؛ لكون غانا صاحبة تجربة رائدة في التعامل مع الأمن الغذائي.

وفي مطلع العام الجاري، بدأ وزير الخارجية الصيني زياراته الخارجية بأفريقيا، في تقليد للخارجية الصينية منذ 32 عامًا؛ بوضع أفريقيا في مقدمة الوجهات التي يزورها أكبر دبلوماسي في البلاد، كجزء من أجندته السنوية. وتوجه حينها إلى كلٍ من إريتريا وكينيا وجزر القمر.

ويرتبط السياق الاستراتيجي الأوسع بالمنافسة الدولية بين القوى الكبرى، والتي تجلت أبرز ملامحها في الحرب الروسية الأوكرانية؛ فبرزت أفريقيا كفاعل ومفعول به في آن واحد؛ إذ حضرت فاعلًا كان حضوره وسلوكه التصويتي في المنظمات التي ترسخ قواعد النظام الدولي ذا أهمية محورية بالنسبة للغرب الذي أراد تقويض الحضور الروسي وصورته على الساحة الدولية، لكن في محاولة للرفض الأفريقي للانحياز امتنعت 35 دولة عن التصويت. كذلك رغم أهمية القارة الاستراتيجية، إلا أن هشاشة الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، وضعف التنمية واستمرار اعتمادها على الشركاء الاستراتيجيين في تمويل التنمية؛ جعلها عرضة لهزات الاقتصاد العالمي.

جدول الأعمال

من المفترض أن يتوجه بلينكن إلى جنوب أفريقيا في الفترة من 7 – 9 أغسطس، حيث من المقرر إطلاق استراتيجية الولايات المتحدة لأفريقيا جنوب الصحراء، والتي تعزز وجهة نظر الولايات المتحدة بأن البلدان الأفريقية لاعبون استراتيجيون وشركاء مهمون في القضايا الأكثر إلحاحًا؛ من تعزيز نظام دولي مفتوح ومستقر، إلى معالجة آثار تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي والأوبئة العالمية لتشكيل المستقبل التكنولوجي والاقتصادي.

وفي بريتوريا، من المقرر أن يترأس الوفد الأمريكي الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا؛ لتعزيز وتعميق التزام الولايات المتحدة بالتعاون الثنائي بشأن القضايا العالمية، بالإضافة إلى مجموعة واسعة من الأولويات المشتركة، بما في ذلك الصحة والبنية التحتية والتجارة والاستثمار والمناخ. هذا فضلًا عن الانضمام في جوهانسبرج للاحتفال باليوم الوطني للمرأة، وفقًا لجدول الزيارة.

وفي الكونغو الديمقراطية (9-10 أغسطس)، سيناقش بلينكن مجموعة واسعة من القضايا محل الاهتمام المشترك؛ حيث سيلتقي مع كبار المسؤولين الحكوميين وأعضاء المجتمع المدني؛ لمناقشة ضمان انتخابات حرة ونزيهة في عام 2023 وتعزيز احترام حقوق الإنسان وحماية الحقوق والحريات. هذا فضلًا عن مكافحة الفساد ودعم التجارة والاستثمار ومعالجة أزمة المناخ، وبناء المرونة الزراعية، ودعم الجهود الإقليمية الأفريقية لتعزيز السلام في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ومنطقة البحيرات العظمى.

وفي المحطة الأخيرة في رواندا (10-12 أغسطس)، يلتقي المسؤولين الحكوميين وأعضاء المجتمع المدني، لمناقشة الأولويات المشتركة، بما في ذلك حفظ السلام والدور الذي يمكن أن تلعبه الحكومة الرواندية للحد من العنف المستمر في شرق الكونغو، فضلًا عن مناقشة المخاوف المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بما في ذلك القمع العابر للحدود والحدّ من مساحة المعارضة السياسية بما في ذلك قضية اعتقال المعارض بول روسسابجينا، المقيم في الولايات المتحدة، والذي لعب دورًا مهمًا خلال الإبادة الجماعية 1994.

الأهمية الاستراتيجية

أجمع المسؤولون الذين توجهوا إلى أفريقيا على رواية واحدة مفادها أن هذا التقارب لا يهدف إلى منافسة ولا مزاحمة الخصوم، وإنما هو انعكاس وتأكيد للمكانة الاستراتيجية الأفريقية والمصلحة المشتركة للطرفين. لكن لو كان الأمر هكذا، لما لجأ الجميع إلى التبرير والتأكيد؛ إذ يدرك الأفارقة أنفسهم موقعهم من النظام الدولي وتحولاته الراهنة، بما يمنحهم فسحة لتنويع الشركاء الاستراتيجيين دعمًا لأهداف التنمية المستدامة، والبحث عن شركاء أنداد، دون أن يكونوا محصورين في الانحياز لشريك على حساب الآخر. وفي هذا السياق تواجه استراتيجية الولايات المتحدة حيال أفريقيا خلفية وثوابت بحاجة إلى إعادة النظر.

  • تبني استراتيجية براجماتية

على الخلاف من تلك الرواية؛ تثبت الاستراتيجية الأمريكية المرتبكة حيال أفريقيا تخبطها إزاء صياغة استراتيجية واضحة وفقًا للمصالح الاستراتيجية المشتركة؛ إذ برزت أفريقيا في الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي في عهد الرئيس السابق “دونالد ترامب” كساحة للتنافس الروسي الصيني. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تبنى ” ترامب” سياسات معادية للأفارقة، بما في ذلك التصريحات المسيئة وقرار منع مواطني بعض الدول الأفريقية من دخول الولايات المتحدة، بما ساهم في تقويض المكانة الأمريكية في أفريقيا. 

ووفقًا للاستراتيجية السابقة التي أصدرها مستشار الأمن القومي السابق “جون بولتون”، أعلن الرئيس الأمريكي السابق، تخفيض الانخراط العسكري الأمريكي في القارة، بما في ذلك “الأفريكوم” و”الانخراط الأمريكي في الصومال”، للتفرغ لمواجهة الخصوم الاستراتيجيين.

وانطلقت تلك الاستراتيجية من رؤية واقعية مفادها تعزيز مبدأ المعاملة بالمثل وتعزيز قدرات الشركاء الاقتصاديين الأفارقة في الاعتماد على أنفسهم، كذلك إعادة صياغة الجهود الأمنية والمساعدات التنموية، بما يسمح لقيادة الأفارقة لجهود الأمن والتنمية بأنفسهم.

  • استعادة المكانة الاستراتيجية

تنطلق تلك الواقعية من الإقرار بأهمية أفريقيا كشريك يمكن إقامة شراكات على قدم المساواة معه وليس فقط تقديم المنح والمساعدات، ذلك انطلاقًا من الاعتراف بالأهمية التجارية والاقتصادية لأفريقيا، وليس فقط لمنافسة الخصوم. 

وفي إطار التقديرات الواقعية لأهمية إعادة الانخراط في أفريقيا، أعاد الرئيس الحالي التأكيد على الالتزام الأمريكي حيال الشركاء الأفارقة، واتجه نحو تبني جملة من السياسات المنافية لسياسات سلفه، بما في ذلك المُضي في إعادة النظر في الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها سلفه. وبعد تراجع الاهتمام في عهد “ترامب”، رفع الرئيس الحالي “بايدن” شعار “أمريكا عادت” خلال حملته الانتخابية.

لكن رغم ذلك، لا تزال المقاربات المتبعة حيال قضايا الديمقراطية والسلام، في ظلّ التحديات الأمنية والسياسية التي تعاني من القارة؛ تعكس تشبث السياسية الأمريكية بمؤشرات الديمقراطية والحكم الرشيد، كشرط مسبق للتعاون، بما يفقدها فرصًا يقتنصها خصومها الاستراتيجيون.

فارتباطًا بذلك، أكدت الحملة الانتخابية لبايدن على التزامها بدعم الانتخابات في أفريقيا دعمًا للديمقراطية، هذا فضلًا عن إعادة تنشيط الشراكة مع أفريقيا، لما تتمتع به من اقتصاديات واعدة؛ كذلك التأكيد على لعب الدبلوماسية الأمريكية دورًا فيما يتعلق بمواجهة التغير المناخي والأمراض والأوبئة، وسوء الإدارة والغذاء والماء وانعدام الأمن الصحي.

في ضوء ذلك، تم تعيين مبعوث أمريكيًا لمنطقة القرن الأفريقي العام الماضي، لمباشرة المصالح الأمريكية في تلك المنطقة الحيوية، وكذا تمّ إعادة الانخراط العسكري مع الصومال، وتحاول الإدارة الأمريكية تكثيف النشاط الدبلوماسي مع القارة. 

في الأخير، لا يمكن اعتبار الزيارات وحزم المساعدات الطارئة بديلًا عن استراتيجيات طويلة المدى تأخذ المصالح الأفريقية بعين الحسبان بوصفها شريكًا عالميًا ضمن النظام الدولي الذي تعاد صياغة قواعده؛ فالنظام الدولي القائم على القواعد الذي تروج له الرواية الغربية لضمان الانحياز الأفريقي لمعارك النفوذ الدولي يجب أن يعترف بالمساهمة الأفريقية في مستقبل التنمية والاقتصاد العالمي. 

وتأتي الاستراتيجية الجديدة التي يأتي بها الوزير الأمريكي في ضوء الوعود الانتخابية الرئاسية بإعادة الالتزام من جديد من أفريقيا، لكن يتعين أن تسفر أية استراتيجية جديدة عن الوفاء بالمصالح الاستراتيجية المشتركة للطرفين، بعيدًا عن سياق التنافس والاستراتيجيات المجزأة؛ وهو ما سيتضح في الأفق القريب، مع انكشاف الخطوات التنفيذية لتلك الاستراتيجية، وقمة القادة الأفارقة التي وعد بها بايدن من قبل ومقرر عقدها في واشنطن في ديسمبر المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى