أفريقيا

فوهة البركان…مالي في مرحلة الغليان الأخير

على مدار الأربع والعشرين ساعة الماضية، مرت مالي بتطورات متلاحقة ودقيقة، لم يحسم أحد حتى الآن تبعاتها واتجاهاتها. وبدأت التطورات الدراماتيكية للأحداث مع الإعلان عن تحركات للتمرد في “معسكر كاتي” بالقرب من العاصمة باماكو بنحو 15 ميلًا. وأفادت الأخبار بأن نائب رئيس المعسكر، العقيد “ماك دياو” والجنرال “ساديو كامارا” هما من قادا هذا التحرك. وقد تواردت الأنباء بداية عن سماع دوي إطلاق للنار بالمعسكر، واحتجاز كل من وزيري الخارجية والمالية، ورئيس البرلمان، هذا فضلًا عن تقارير افادت باشتعال النار في مكتب وزير العدل. 

هذا بجانب التقارير التي أفادت بتدافع المحتجين إلى ميدان العاصمة باماكو للتنديد بالرئيس ومطالبته بالرحيل، وإعلان الدعم والتأييد لتلك الحركة التي يقودها دياو. هذا فضلًا عن إغلاق المسلحين للجسر المؤدي إلى نهر النيجر.

وتوجهت الأنظار على الفور صوب تلك الأحداث، التي لم تكن مفاجأة على الإطلاق لمن يتابع تطورات المشهد على الساحة المالية، خاصة مع تفاقمها مع مأزق الانتخابات الأخير وأشارت التقديرات الأولية إلى أنه تمردًا داخل الحرس الوطني، مع استمرار ولاء عناصر كبيرة داخل الجيش للرئيس أبو بكر كيتا. ويرجح ارتباط هذا التمرد بالأوضاع العسكرية المتدهورة في شمال مالي، وسخط الجيش من سياسات كيتا والمواجهة مع المتمردين في الشمال، أكثر من ارتباطه بالأوضاع السياسية الأخيرة. وعلية فلا ترجح التقديرات مساهمة القادة السياسيين المقربين من المعارضة “على خلفية مأزق الانتخابات” في التخطيط لهذا الانقلاب، لكنهم بالطبع سيرحبون بأي قرار يمكن أن يزيل كيتا من السلطة.

ولم تتضح معالم المشهد الأولية، حتى أفاد دبلوماسي أوروبي أن عدد الجنود المتورطين صغير نسبيًا، من أفراد الحرس الوطني، غاضبين على الأرجح من نزاع على الأجور، والمواجهة مع المتمردين، وسياسات كيتا بشكل عام، وقاموا بمصادرة مستودع للذخيرة. فيما أفاد مصدر عسكري فرنسي لصحيفة الجارديان البريطانية، بأن هناك مناقشات تجرى بين قادة الجيش المالي والمتمردين.

وظلت التقارير تتوالى تباعًا، حتى أعلن في بداية مساء أمس الثلاثاء عن احتجاز كل من الرئيس، إبراهيم أبو بكر كيتا، ورئيس الوزراء بوبو سيسي، في منزل الرئيس. وفق ما أدلت به مصادر أمنية مالية لوكالة رويترز للأنباء. وتواردت الأنباء هذه بعد ساعتين فقط من بيان صادر عن رئيس الوزراء، دعا من خلاله للهدوء، ومناشدة الحس والعقل الوطني لإسكات السلاح والجلوس إلى الحوار الوطني، دون ذكر أماكن وجود المسؤولين أو من الذي أجرى معه الحوار، وفقًا للمصادر الإخبارية. وأقرّ رئيس الوزراء بمشروعية المطالب التي عكستها الاحتجاجات نتيجة لجملة من الاحباطات، لكن هذا ليس مبررًا للمتمردين. وظلّ المشهد يتسم بالسيولة والغموض والتطور المتعاقب على مدار الساعة، حتى أعلن الرئيس أخيرًا بعد منتصف الليل عن استقالته وحلّ البرلمان، دون أن تفيد المناشدات الإقليمية والدولية بضرورة الإفراج عن المسؤولين دون اشتراطات مسبقة، ورفض أي تغيير دون دستوري في البلاد.

انغلاق الأفق وانعدام الأمل

تعكس تلك التطورات الدرامية حالة الاحباط العام التي تمر بها البلاد؛ سواء المدنيين، أو العسكريين، الذين ضاق بهم الفساد وسوء إدارة الاقتصاد وتردي الأوضاع الأمنية واستمرار تصاعد العنف الجهادي. فظلت مالي على صفيح ساخن، مع غليان الأوضاع التي بقيت نار تحت الرماد، إلى أن انفجرت في وجه الرئيس وحكومته أخيرًا. ويمكن إجمال تلك العوامل في:

  • مأزق الانتخابات الأخير

تعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي أجريت في مارس وإبريل الماضيين، القشة التي قصمت ظهر البعير. إذ ساهم الأداء السيئ لحزب الرئيس كيتا وسيطرته على غالبية الدوائر الانتخابية، وانتهاج ممارسات قمعية إزاء المعارضة، أدت لتنامي مشاعر الغضب، الراسخة بالفعل في قلوب الكثير من المواطنين. فلم يكن غضب المعارضة وليد اليوم، بل إنه تنامي منذ أواخر العام الماضي، مع تزايد الهجمات الإرهابية على مثلث بادمي الحدودي بين مالي وتشاد والنيجر، وفشل الجهود الأمنية في دحر هذا الإرهاب. ومع ممارسات المحكمة الدستورية، التي أبطلت نتائج الانتخابات في دوائر المعارضة، فضلًا عن اختطاف قادة المعارضة أثناء الانتخابات، ممل زاد من حدة الغضب ودفع نحو توحيد الجهود، من أجل حل البرلمان والحكومة وإقالة قادة المحكمة الدستورية، غير أن المطالب تصاعد سقفها للمطالبة برحيل الرئيس، وهو الأمر نفسه الذي تكرر بالأمس، مع بزوغ حالة التمرد، تدافعت الجماهير من أجل المطالبة برحيل الرئيس، الذي أصبح رحيله غاية أية مطالب احتجاجية.

  • فشل الحوار والوساطة

عقدت قمة لمجموعة الساحل في 30 يونيو في موريتانيا، أتبعت بجهود لجماعة الإيكواس بقيادة رئيس نيجريا السابق، جودلاك جوناثان، للتوفيق بين الرئيس وزعماء المعارضة “التحالف الرئاسي وقادة 5 يونيو” في 12 أغسطس الجاري، والتي على إثر شروطها قدم الرئيس كيتا جملة من التنازلات، من بينها إجراء انتخابات برلمانية جزئية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، هذا فضلًا عن قيادة المغرب لجهود وساطة سرية بين الرئيس المالي وزعيم المعارضة محمد ديكو، في 10 يوليو الماضي، وفقًا لتوجيهات الملك محمد السادس. والتي حدد خلالها ديكو شروطه بحل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات جزئية وتشكيل حكومة وحدة وطنية. وهي المطالب التي اعتمدتها مبادرة الإيكواس، ووافق عليها الرئيس كيتا. إذ أعلن السبت الماضي، موافقته لشروط الإيكواس، ووقف اعتماد باقي أعضاء المحكمة الدستورية. كما عقد رئيس الوزراء مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية.

غير أن المعارضة، وفي مقدمتهم حركة 5 يونيو، رفضت الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية. وعلى مدار الشهور الأخيرة، استمرت الحشود بقيادة الإمام محمد ديكو في الاحتشاد ودعوة الرئيس للتنحي، إلى أن صاحب هذا المشهد، تنامي غضب بعض وحدات الجيش المستنزف في مواجهات غير محسومة مع الجماعات والتنظيمات في شمال البلاد.

  • اليأس والاحباط العام

تنامت مشاعر الغضب واليأس من سياسات الرئيس الحالي، ومن الدور الفرنسي في البلاد، الذي لم يفلح في استعادة الاستقرار إلى ربوعها؛ منذ تدخله لاستعادة الاستقرار عام 2013. وتنامت مشاعر الغضب هذه منذ العام الماضي، وشهدت العاصمة تاكبو موجات متراوحة من الاحتجاجات الشعبية، التي حملت لافتات تندد بالتدخل الفرنسي وبسياسات الرئيس المدعوم فرنسيًا. وساهم في تنامي مشاعر الغضب هذه، استمرار الوضع كما هو عليه، ولم تسفر الجهود الفرنسية عن نتائج ملموسة على الأرض، بل شهدت المنطقة ارتفاع وتيرة أحداث العنف والإرهاب، خاصة مع بروز منطقة الساحل كساحة جديد أمام تموضع داعش. وساهمت الهشاشة المحلية في وجود حاضنة شعبية للتنظيم، الذي نجح في خلق روابط جديدة مع التنظيمات المحلية وتنظيم القاعدة. هذا بالإضافة لاستمرار سوء الإدارة والأوضاع الاقتصادية وكافة العوامل المحركة لانقلاب 2012، وهي العوامل التي ساهمت في غليان المعارضة، وباتت نذيرًا بهذا المشهد الذي نحن إزاءه اليوم، لتأتي أزمة الانتخابات الأخيرة، لتشعل النيران الخامدة.

مآلات جسيمة

  • فراغ دستوري وأزمة سياسية 

باتت البلاد حاليًا في مأزق دستوري، على خلفية الشغور الرئاسي الذي سببه استقالة الرئيس. غير أن هذا الوضع الاستثنائي لم يجد له حلًا في الدستور. إذ نصّ الدستور أنه في حالة عجز الرئيس مؤقتًا عن أداء مهامه، يتولى بدلًا منه رئيس الوزراء صلاحياته مؤقتًا، وفي حين شعور المنصب لأي سبب حددته المحكمة الدستورية، يتولى رئيس الجمعية الوطنية ممارسة مهام الرئيس، على أن يتم انتخاب رئيسًا جديدًا بعد 21 يومًا على الأقل وأربعين يومًا على الأكثر “المادة 36 من الدستور المالي”، في حين أن منصب رئيس الوزراء ورئيس البرلمان هو الآخر في حالة شغور، بعدما استقال الرئيس وحل البرلمان والحكومة. كما نظمت المادة 50 من الدستور الوضع الاستثنائي للبلاد، وتهديد سلامة المؤسسات الدستورية بالبلاد، غير أن الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان، هم من أناط بهم الدستور التعامل مع هذه الظروف الاستثنائية، ولم يجب الدستور عن حالة كون غيابهم هو الحالة الاستثنائية نفسها. وربما يحتاج هذا الوضع إلى تفسير دستوري جديد، وتدخل من قبل الاتحاد الإفريقي، مما ينذر بتفاقم الأوضاع أكثر مما كانت. وهو الأمر الذي تخوف منه رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، ودعا بالأمس إلى التروي ورفض أي تغيير غير دستوري بالبلا.

  • تردي الأوضاع الأمنية

أثارت أحداث الأمس الكثير من التخوفات بشأن تكرار سيناريو الانقلاب، التي مرت به البلاد عام 2012، إذ أنه بدأ بتمرد في معسكر كيتي، وأعقبه الإطاحة بالرئيس أمادو توماني، وسقوط شمال مالي في أيدي المجاهدين، غير أن الرئيس كيتا آثر تجنيب نفسه والبلاد مواجهة السيناريو الوخيم، الذي فتح الباب أمام المتطرفين الإسلاميين والعرقيين السيطرة والتمدد في البلاد. ولم تفلح حتى الآن جهود مكافحة الإرهاب التي تقودها فرنسا في تحجيم تمدد وسيطرة الجماعات الإرهابية حتى الآن. ويثير هذا الوضع مخاوف القوى الإقليمية بشأن تردي الوضع الأمني الإقليمي، مما يفسح المجال أمام التنظيمات المرتبطة بداعش والقاعدة في منطقة الساحل، فعلى الرغم من تدخل قوات حفظ السلام، فضلًا عن القوات الفرنسية والوحدات الأمريكية الخاصة، غير أن المتمردين والتنظيمات المحلية زادت من قدرتها النوعية عبر بناء شبكة من التحالفات مع التنظيمات القائمة في المنطقة.

  • العدوى الإقليمية

في ظلّ إقليم يتسم بالهشاشة الأمنية بالفعل، لم تعد العدوى الإقليمية أو عدوى التغيير هي التخوف الرئيسي، إذ أنها أزمات قائمة بالفعل. فالاضطرابات الأمنية والتهديدات الإرهابية طالبات كافة دول الإقليم، الذي جاء في مؤشر الإرهاب العالمي الأخير ضمن أكثر الأقاليم عرضة للتهديدات الإرهابية لهذا العام. وإذا كان لتنامي الإرهاب بالساحل والصحراء انعكاسات سلبية على دول المغرب العربي بالشمال، ناهيك عن تفاقم الأزمة الليبية، مع هشاشة الحدود الإقليمية، التي باتت جيوبًا إرهابية ومعبرًا وملاذًا للتنظيمات الفاعلة في المنطقة. غير أن الأزمة الليبية وانتقال التنظيمات التابعة للطوارق عقب سقوط القذافي إلى شمال مالي وتحالفها مع طوارق مالي، جعل من الانعكاسات السلبية للأزمة الليبية، على المشهد العام في منطقة الساحل، حقيقة لا يمكن إنكارها. أي بشكل عام، يمكن القول إن هناك تأثير متبادل بين تردي الأوضاع الأمنية في إقليمي شمال فريقيا والساحل والصحراء. وهو ما يتطلب جهودًا حاسمة وموحدة في الجانبين.

خلاصة القول:

 استمرار الوضع في مالي رغم جهود الوساطة الدبلوماسية والتدخلات الأمنية، الإقليمية والدولية، منذ وقت مبكر، وليس فقط على خلفية الأزمة الأخيرة، يعكس حالة من القصور في طبيعة التدخل وفي فهم عوامل ومحددات الأزمة، على نحو يسهم في علاج جذري لأزمة ساهمت في هشاشة أمنية لكافة دول الإقليم.

ومع تفاقم الوضع الأخير، الذي فرض ضرورة التعاطي سياسيًا مع الأزمة، بجانب الجهود الأمنية، فإن جهود الحل السياسي، وإجراء حوار وطني، أصبح واقعًا على عاتق الاتحاد الإفريقي. وربما يكون لمصر دورًا في هذا الصدد؛ سواء من خلال الاستجابة الأمنية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، خاصة مع دعوة الرئيس إلى تشكيل قوة إفريقية مشتركة لمكافحة الإرهاب بالساحل. والتي بات تفعيلها ضرورة آنية، خاصة مع تصاعد الرفض الشعبي للتدخل الفرنسي، حتى وإن كان دورًا لا غنى عنه حتى الآن، إلا أنه أصبح بحاجة لتضافر الجهود الإقليمية، خاصة وأن فرنسا تشترك مع مصر في كل من ليبيا والساحل والصحراء. فكما طالب الرئيس الفرنسي، عقد جلسة طارئة بمجلس الأمن، بخصوص الأوضاع في مالي، فإن مصر بكونها رئيس مجلس الأمن والسلم الإفريقي الحالي، ودولة الترويكا بجانب كل من جنوب إفريقيا والكونغو الديمقراطية بالاتحاد لهذا العام، فيمكن أن تدعو لجلسة لمجلس السلم والأمن الإفريقي، للبحث والبت في حلول لهذا المأزق الدستوري في مالي، كخطوة أولى، يمكن البناء عليها فيما بعد من أجل إرساء الأمن والسلم في البلاد. وينطلق هذا المسعى بالأساس، من الدبلوماسية والرؤية المصرية، التي تبناها الرئيس السيسي على أجندة رئاسته للاتحاد الإفريقي العام الماضي، والدعوة الدائمة إلى تبني مبدأ “حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية”، بما يعزز الدبلوماسية المصرية الإفريقية، ويضفي عليها قدرًا من المصداقية. وتأسيسًا على هذا المبدأ، فإنه من باب أولى أن يبادر البيت الإفريقي ببحث أوضاع الأزمة المالية، بدعوة مصرية، عوضًا عن الدعوة الفرنسية لمجلس الأمن، خاصة وأن الرأي العام المالي بات رافضًا لهذا الدور، المشوب طيلة الوقت بالخبرة الاستعمارية. هذا فضلًا عن فشل كافة الجهود الدولة والإقليمية؛ الدبلوماسية منها والأمنية في حل الأزمة المالية، ليس فقط في صورتها وتطورها الحالي، ولكن مع امتداد أبعادها إلى عام 2012 وما قبله، وساهم فشل تطبيق اتفاقات السلام إلى مزيد من التأزم للأوضاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى