أفريقيا

“انخراط انتهازي”.. الدور الروسي في القرن الإفريقي

عرض-شيماء البكش

بعد انقطاع دام نحو ثلاثة عقود، عادت روسيا من جديد، وأقامت علاقات مع كثير من دول المنطقة، بشكل متوازن، دون الانحياز في أي من الصراعات.

ويقترن انخراط روسيا في القرن الإفريقي بسياستها في الشرق الأوسط، على نحو يشكل سياستها في المستقبل. وفي الوقت الذي تتوافق فيه روسيا مع سياسات الصين في المنطقة، فإنها تتعارض مع كل من فرنسا والولايات المتحدة، خاصة مع سعي روسيا نحو إقامة قاعدة عسكرية على البحر الأحمر.

ولم يحظ الوجود الروسي في القرن الإفريقي بنفس القدر من الاهتمام الذي حازه وجودها في إفريقيا جنوب الصحراء، على الرغم من انعكاسات وجودها بالقرن الإفريقي على أمن البحر الأحمر، وعلى مصالح الولايات المتحدة، التي تعتبر إثيوبيا شريكًا استراتيجيًا لها في مكافحة الإرهاب، فضلًا عن إدارتها لقاعدة عسكرية في ليمونية بالقرب من مدينة جيبوتي. وبالمنطق نفسه، تدير فرنسا قاعدة بحرية في جيبوتي وتسعى إلى تعزيز شراكتها مع إثيوبيا، ما يجعلها تشترك في مخاوف مماثلة مع الولايات المتحدة من الوجود الروسي في القرن الإفريقي.

وفي هذا الإطار يسعى معهد أبحاث السياسة الخارجية لتسليط الضوء على الدور الروسي في القرن الإفريقي، من خلال عرض طبيعة المصالح والعلاقات، ومن ثم انعكاسات هذا الدور على كل من الدول الإفريقية وأمن البحر الأحمر، فصلًا عن رصد طبيعة التعاون والصراع بين روسيا والصين في المنطقة، وأخيرًا إمكانية المواجهة بين الدول الكبرى الأخرى المنخرطة في المنطقة، ومن مقدمتها فرنسا والولايات المتحدة.

السياق التاريخي لوجود الروسي في القرن الإفريقي

وذكر المركز الأمريكي أن القرن الإفريقي كان مسرحا مهما لموسكو في ثلاثينات القرن الماضي، إلا أن التدخل الحقيقي للاتحاد السوفيتي برز في الستينات، مع تأسيس علاقات وثيقة مع الصومال، ذات التوجه الاشتراكي في ذلك التوقيت. وهي العلاقات التي انهارت عام 1977-1978 مع الدعم السوفيتي والكوبي لإثيوبيا. وعلى الرغم من دعم الاتحاد السوفيتي لاستقلال جيبوتي في نفس العام، إلا أن تقديمه الدعم لعشيرة العفر في مواجهة حكم عيسى في جيبوتي، ساهم في توتر العلاقات بينهما.

وأضاف المركز أنه على الرغم من تحول المنطقة لساحة للحرب الباردة في الستينيات والسبعينيات، وسعي الاتحاد السوفيتي لنشر الاشتراكية، دون تبني استراتيجية متماسكة، إلا أن نفوذه بدأ في الانحسار في الثمانينات، مع توتر العلاقات بين جورباتشوف ومنجستو في إثيوبيا عام 1989.

وغادرت موسكو المنطقة دون شريك موثوق فيه في المنطقة، وظلت لاعبًا هامشيًا في المنطقة، حتى مع استخدام الأسلحة الروسية في الحرب الإثيوبية الإريترية ( 1998-2000)، وذلك حتى عودتها مرة أخرى عام 2008، للمشاركة في مواجهة أعمال القرصنة في البحر الأحمر، والذي لم ينعكس على وجودها الاستراتيجي في المنطقة.

وفي عام 2016، اتفقت روسيا والصومال مرة أخرى على التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب. إلا أنها لم تقدم أية مساعدات مادية في لمواجهة الشباب المجاهدين، ولم تبذل أي دور في التوسط لحل الصراع الممتد في البلاد. وبالفعل صرح السفير الروسي في الصومال، فبراير 2020، بأنه لم يتم النظر في مسألة إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع الصومال لمكافحة الإرهاب. والأمر نفسه مع جيبوتي، التي لا زالت مقيدة بمواقف الدول الغربية وفي مقدمتها فرنسا، الأمر الذي يحدّ من الدور الروسي في المنطقة. وهو الأمر الذي عزز من موقف الكاتب، بوصف روسيا كشريك انتهازي في المنطقة، يسعى فقط نحو بيع الأسلحة.

وتجلت أبرز المساعي الروسية للعودة إلى إفريقيا، في قمة روسيا وإفريقيا في سوتشي أكتوبر 2019. وقد عكس طلب السفير الصومالي حينها رغبة الصومال في عودة الروس إلى بلادهم، هذا فضلًا عن مطالبة إثيوبيا بمساعدة روسيا لها في مواجهة فيروس كورونا، وذلك بعد المساعدات التي قدمتها لها الصين.

الدور الانتهازي لروسيا في منطقة القرن الإفريقي

وذكر المركز الأمريكي أنه وفقا لرؤية “روسيا الانتهازية”، فإنها تسعى للبحث دائمًا عن فرص انتقائية للتعاون، لا ترسيخ علاقات استراتيجية مستدامة. إذ يتمثل الهدف الرئيسي لسياسة الأمن الروسية في تأمين عقود التسلحوترسيخ نفسها كمستثمر حيوي في تطوير البنية التحتية الدفاعية. وهي الأهداف التي تؤهلها لبناء قاعدة عسكرية ووجود دائم في البحر الأحمر.

وتعد روسيا المورد الرئيسي للأسلحة في إفريقيا جنوب الصحراء، وقد زادت مبيعاتها مؤخرًا لدول القرن الإفريقي. فقداستوردت إثيوبيا 71 مليون دولار قيمة الأسلحة في عام 2019 – أكثر من أي من نظيراتها في شرق إفريقيا – وتسعى إلى ترقية أنظمة الدفاع الجوي، مما يجعلها عميل الأسلحة الرئيسي لروسيا في القرن الأفريقي.

وأدى استخدام روسيا استراتيجية إعفاء الديون في قمة سوتشي، إلى زيادة مبيعات الأسلحة إلى إثيوبيا؛ إذ قررت موسكو  إلغاء 163.6 مليون دولار من الديون الإثيوبية، ما أدى إلى عقد اتفاق تعاون في مجال الدفاع. ويأتي ذلك في إطار إدراج أديس أبابا في تقرير مجلس الشؤون الدولية الروسي، مايو 2017، باعتبارها أحد أهم خمسة أسواق أسلحة أفريقية لروسيا.

ومع رفع العقوبات الدولية عن إريتريا، نوفمبر 2018، دخلت روسيا بشكل سريع إلى أسواق الأسلحة الإريترية. غير أنها استمرت في إمداد أسمرة بالمعدات العسكرية، إبريل 2005، وذلك لمواجهة التكنولوجيا العسكرية الروسية، التي تستخدمها أديس أبابا.

بينما أدت عزلة الصومال إلى تقليص عقود الأسلحة الروسية. وعلى الرغم بقاء روسيا موردا  مهما  للقوات الجوية الجيبوتية، إلا أن تعدد الاتجاهات الجيبوتية وتعاونها العسكري مع كل من الصين وفرنسا والولايات المتحدة، يحجم الدور الروسي بها.

وبجانب النمو في المعاملات العسكرية بين روسيا والقرن الإفريقي، عمقت روسيا تعاونها الدفاعي مع إثيوبيا، ففي إبريل 2018 وقعت روسيا وإثيوبيا اتفاقية للتعاون الدفاعي في مجالات حفظ السلام ومكافحة الإرهاب والتدريب على مكافحة القرصنة، إلا أن التطور في هذا المجال يتطور ببطء شديد.

الطموح الروسي في إنشاء قاعدة بحرية في القرن الإفريقي

تكشف حجم وطبيعة العلاقات سالفة الذكر، عن الطموحات الروسية في إقامة قاعدة عسكرية في القرن الإفريقي، وفقًا للرؤية الأمريكية والغربية. وهي التوقعات التي نفاها الكريملين، بأنه لا تجود أية مشاورات مع أرض الصومال لبناء مثل تلك القاعدة في ميناء بربرة، والتي يمكن أن تؤدي إلى توتر العلاقات مع الصومال، التي لا زالت لا تعترف بأرض الصومال. وتأتي السودان كثاني احتمال يمكن لروسيا أن تقيم فيها تلك القاعدة، ولقد أجرت محادثات مع السودان قبل رحيل البشير، ولا تزال علاقاتها إيجابية بالحكومة الانتقالية. كما نفت جيبوتي، إمكانية إقامة قاعدة روسية على أراضيها، ردًا على الضغوط الأمريكية. وبالتالي، تبقى إريتريا كآخر دولة محتمل أن تنشئ بها روسيا قاعدة عسكرية في القرن الإفريقي.

ففي أغسطس 2018 ، أعلن لافروف عزم روسيا على بناء مركز لوجستي في إريتريا ، مما يمنح موسكو موطئ قدم على البحر الأحمر. إذ كان للاتحاد السوفيتي تاريخ في تمركز السفن والمعدات البحرية في جزيرة نوكرا الإثيوبية ، التي هي الآن جزء من إريتريا، ويأتي ذلك كله في إطار الرغبة الإثيوبية في عدم استبعادها من المنافسة الدولية على النفوذ في القرن الإفريقي.

العلاقات بين روسيا والصين في القرن الإفريقي

اعتبر صانعو السياسة الأمريكية، منذ مطلع عام 2018، روسيا والصين أهم التحديات الاستراتيجية للنفوذ الأمريكي في إفريقيا جنوب الصحراء، إذ بسبب عمليات مكافحة الإرهاب في الصومال، ووجود القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي، أصبحت المنطقة مسرحًا هامًا للتنافس الدولي، وهو ما عكسته استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة.

ويرى المركز الأمريكي أن الروس يعتبرون امتدادا للأولويات الصينية في المنطقة، كما أنهم يمتنعون عن إجراء تقييمات معيارية للدور الصيني بالقرن الإفريقي. وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى استبعاد احتمالية المنافسة بين الصين وروسيا في القرن الإفريقي، وفقًا للمحللين الصينيين. بل ويمكن أن يكون للقاعدة الصينية في جيبوتي فوائد استراتيجية لروسيا، إذ أن مساهمة القاعدة في أمن باب المندب ينعكس بشكل غير رسمي على روسيا التي تعد بجانب المملكة العربية السعودية الضامن لأسعار النفط، المار عبر باب المندب. فضلًا عن قدرة روسيا على إنزال سفنها بشكل منتظم في جيبوتي، الذي تحميه المظلة الأمنية الصينية.

غير أن المركز يوضح أن هذا الوضع الإيجابي قد لا يستمر على المدى البعيد، نظرًا لأهمية أمن واستقرار دول المنطقة لمبادرة الحزام والطريق الصينية، في حين أن الممارسات الروسية وبيع الأسلحة للدول التي تشهد عدم استقرار، مما يؤثر بشكل سلبي على المصالح الصينية، إذ قدمت روسيا دعمًا لإفريقيا الوسطى ولتحالف متمردي السليكا المسيطرة على مناجم نفط بها استثمارات صينية، كما قدمت دعمًا لإريتريا في مواجهتها الحدودية مع جيبوتي، مما ممثل تهديدًا للمصالح الصينية.

هذا فضلًا عن التخوفات الروسية من القاعدة الصينية في جيبوتي، باعتبارها تغيرًا في نهج السياسة الصينية، قد يهدف إلى عسكرة الحزام والطريق، مما يهدد المصالح الروسية في مسارح مختلفة. ناهيك عن شركات الأمن الصينية، والتي قامت بتدريبات في دول مختلفة، زامبيا 2010، وجنوب السودان 2012، مما يجعلها تنافس مبادرات التدريب العسكري الروسية في القرن الأفريقي.

التنافس الروسي في القرن الإفريقي

يعكس المركز النظرة الروسية إلى فرنسا كمنافس مباشر في القرن الإفريقي، كما أنها تحاول تقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة. إذ تحاول كل من روسيا وفرنسا الاستفادة من مخاوف دول القرن الإفريقي بشأن الاعتماد المفرط على الصين. كما أنه في العام الماضي، تزامن إقامة كل من روسيا وفرنسا لتعاون بحرى مع إثيوبيا، والتي يرى المحللون الروس، أن هذا المسعى الفرنسي هو محاولة لربط إثيوبيا بجيبوتي، لمواجهة الدور الروسي. خاصة وأن روسيا أقامت علاقات مع إفريقيا الوسطى ومالي، المسارح التي تتواجد بها فرنسا، مما دفع الأخيرة لإقامة علاقات مع دول لم تحتلها من قبل نيجيريا وغانا.

ويشير المركز إلى احتمالية استخدام روسيا الوسيلة الإعلامية لتقويض الدور الأمريكي في المنقطة، نظرًا لعدم رغبتها في التخدل عسكريًا في القرن الإفريقي، مما يحدّ من قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة. ويرى الكاتب أن تزايد شعبية المواقع الروسية العربية كموقع RT العربي، وموقع Sputnik العربي، مما قد يؤثر سلبًا على الآراء المحلية حول السلوك العسكري الأمريكي في المنطقة. إذ انتشر سبوتنيك في كل من مصر وليبيا وتونس والسودان بكثافة تزيد عن انتشار قناة الجزيرة القطرية.

وبجانب المواجهة المحتملة مع فرنسا والولايات المتحدة، يربط الكاتب بين أدوار روسيا في الشرق الوسط وانعكاسات ذلك على دورها في القرن الإفريقي. فعلى سبيل المثال، ستمنح إقامة روسيا لعلاقات مع المجلس الانتقالي الجنوبي باليمن، منذ مارس 2019، موطئ قدم على البحر الأحمر وخليج عدن ، وتقوية روابطها مع القرن الأفريقي بشكل متبادل.

غير أن المركز الأمريكي يشير إلى ملاحظة مهمة ، وهي إمكانية تبني روسيا نهجًا حذرًا مع إثيوبيا؛ حال استمرار التوترات بين الأخيرة ومصر بشأن مفاوضات سد النهضة، حيث أصبحت القاهرة شريكًا مهمًا بشكل متزايد لروسيا في ليبيا وسوريا. إذ لا تزال منطقة القرن الإفريقي تمثل أولوية ثانوية لروسيا، نسبة إلى علاقتها المتنامية مع مصر وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، مما قد يدفع روسيا بتقليل مشاركتها في المنطقة، حال تم تهديد مصالح أي من هؤلاء الشركاء.

في الأخير: من غير المحتمل أن يتغير نهج روسيا الانتهازي في المنطقة، إذ أنها ترغب في تنظيم مشاركتها في حل التحديات الأمنية العديدة في القرن الإفريقي، فضلًا عن استمرار بيع الأسلحة وإقامة قاعدة في إريتريا. ومع ذلك، من المحتمل أن تتأثر سياستها في المنطقة بتكثيف التوترات بين روسيا والقوى الغربية (بشكل أساسي فرنسا والولايات المتحدة) ، فضلاً عن انعكاسات التوسع من نفوذ روسيا في الشرق الأوسط، فضلًا عن قدرتها على تخصيص موارد لتعزيز قدرتها على خلق موطئ قدم لها والتغلب على القيود التي فرضها عليها شركاؤها في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى