أفريقيا

أمن البحر الأحمر في بيئة استراتيجية متحولة

تشهد البيئة الإقليمية للبحر الأحمر تحديات استراتيجية في طور التشكيل، سواء فيما يتعلق بالتفاعلات الداخلية للدول المشاطئة له، أو فيما يتعلق بالتفاعلات البينية فيما بينها، أو ما يتصل بالتدافع الإقليمي والدولي للدول الكبرى التي تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها على ذلك الممر المائي الذي تزايدت أهميته الاقتصادية الدولية، على نحوٍ يرفع من معامل التأثير على حالة الأمن الإقليمي، ويستوجب رفع درجات الاستجابة من جانب الدول الرئيسية المشاطئة له التي باتت مصالحها الاستراتيجية في مرمى التهديد.

البيئة الإستراتيجية للبحر الأحمر 

تصاعدت التحديات التي تشهدها البيئة الإقليمية للبحر الأحمر مؤخرًا، مع تزايد حدة التفاعلات الداخلية التي تشهدها الوحدات الفرعية لذلك الإقليم من جهة، وتزايد التفاعلات البينية فيما بينها من جهة أخرى، وتصاعد التدافع الإقليمي والدولي على المنطقة من جهة ثالثة.

مع استمرار الأزمة اليمينة، تظل التهديدات التي يمثلها الحوثيون لمصادر وممرات التجارة الدولية مستمرة، خاصة بعد قرار إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في 16 فبراير الماضي برفع جماعة الحوثي من قائمة التنظيمات الإرهابية، مما أعطى الحركة دفعة معنوية للتوسع ميدانيًا، بما يكسبها أوراقًا تفاوضية، فكثفت من هجماتها على مأرب داخليًا، وفي الخارج واصلت الحركة شن هجماتها ضد المملكة العربية السعودية، فشنت هجومًا في 15 فبراير الماضي، على أبها وجدة السعوديين، وفي 7 مارس هاجمت منشآت نفطية، وكذلك حينما هاجمت مصفاة تكرير بترول بالرياض، في 19 مارس، بواسطة طائرات بدون طيار، وفي المقابل أجرى التحالف العربي عملية نوعية في 7 مارس. وفي ضوء تأثيرات هذا التصعيد على أسواق النفط، كسرت أسعار خام برنت حاجز ال 70 دولار للبرميل، للمرة الأولى منذ 14 شهرًا، على خلفية المخاطر التي فرضتها هجمات الحوثيين.

على الجانب الآخر، باتت التفاعلات التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي ذا تأثير متفاقم، ينذر بمزيد من التهديدات الأمنية للمنطقة. وهنا تجب الإشارة إلى الساحة الصومالية، وما تشهده من تصاعد نشاط حركة شباب المجاهدين، التي كثفت من نشاطها في الآونة الأخيرة، مع سحب إثيوبيا بعض قواتها المساندة للحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب، بسبب أزمتها في إقليم التيجراي. وكذلك فإن الانقسامات السياسية والاختلاف على الانتخابات البرلمانية والرئاسية الصومالية وفرت فرصة للحركة يمكن استثمارها. ومن ثمّ يوفر تراجع الدعم الإقليمي والدولي للصومال، مع اقتراب انسحاب بعثة “أمصيوم”، بالإضافة إلى التحديات السياسية الداخلية والإقليمية، واستمرار الدعم المقدم للحركة، فرصة لاستمرار بقائها كمهدد وجودي للدولة، ولحالة الأمن الإقليمي في المنطقة. 

ويمثل نشاط حركة الشباب الصومالية تهديدًا ليس فقط للدولة الصومالية وإنما لمنطقة القرن الإفريقي والبحر الاحمر برمتها. خاصة مع سيطرة التنظيم على موانئ صومالية تقع على البحر الأحمر، واحتمالية إقامة شبكة دعم لوجستي بالتعاون مع جماعة الحوثيين باليمن، مما يهدد حركة الملاحة الدولية، ويهدد المصالح الاستراتيجية للدول التي لديها قواعد لوجستية وعسكرية في المنطقة.

ولا تقل أزمة الدولة الإثيوبية تهديدًا عن تلك التي تشهدها الدولة الصومالية، مع استمرار المعاناة الإنسانية التي يشهدها إقليم التيجراي الإثيوبي، واستمرار تهديد الدولة الفيدرالية الإثيوبية، وتصاعد المخاوف الدولية من تقسيمها وما له من تداعيات على الإقليم برمته. خاصة مع الشواهد القاضية بانجرار إريتريا إلى تلك المواجهة، وما قد يؤول إليه الوضع من تهديد لميناء عصب على البحر الأحمر.

وهو الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة إلى تسمية مبعوث أمريكي للقرن الإفريقي، مما يعكس أعلى اهتمام دبلوماسي بالتحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، وما لها من تأثير على المصالح الأمريكية الاستراتيجية. خاصة مع تصاعد احتمالات المواجهة على مياه النيل. وتأتي المواجهات الحدودية السودانية- الإثيوبية في منطقة الفشقة كأثر الأزمات الصاعدة إلى الواجهة، لما تنذر به من احتمالية انجرار الإقليم برمته إلى حرب مفتوحة النطاق، واحتمالية انجرار دول إقليمية أخرى، إلى تلك المواجهة التي لا يرغبها أحد، بما يهدد حالة الأمن الإقليمي.

استمرارًا للتدافع على المنطقة، ومحاولة للحفاظ على المصالح الاستراتيجية لها، في ظلّ ارتفاع حدة المخاطر هكذا، وأيضًا لتعزيز لتعزيز دورها في توجيه السياسات الإقليمية؛ سعت القوى الكبرى للحفاظ على وجود فعليّ لها في المنطقة، بما يعزز من حالة التنافس، ويفاقم من معادلة الأمن بها. ولعل النشاط الروسي الأخير في المنطقة لإيجاد موطئ قدم لها عبر تأسيس قاعدة لوجستية لها بالسودان، أبرز مظاهر ذلك التنافس. إذ وقّعت روسيا في منتصف ديسمبر الماضي اتفاقية مع السودان لإقامة قاعدة لوجستية على البحر الأحمر. ومن مظاهر التنافس الدولي في هذا السياق، تزامن وصول سفينة حربية روسية لميناء بورتسودان في أواخر فبراير الماضي، مع وصول سفينة حربية أمريكية، في إشارة إلى التنافس المحموم على هذه المنطقة. وما يعزز من تلك الفرضية، القرار السوداني الأخير بإعادة مراجعة الاتفاقية مع الجانب الروسي، بعد عرضها على المجلس التشريعي للبلاد.

مستقبل الأمن في البحر الأحمر

يتضح مما سبق، تصاعد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، في ظلّ بيئة تشهد تحولات استراتيجية محورية، قد تغير شكل التفاعلات في المنطقة. وتجتمع كافة التفاعلات السابقة، بما تسببه من تهديدات أمنية تقليدية وغير تقليدية، لتزيد من تهديد ذلك الممر المائي الحيوي، بما يهدد التجارة الدولية.

يفرض هذا الوضع قدرًا من الحتمية لتنسيق السياسات التي تستجيب للتهديدات وترفع حالة الأمن الجماعي بين دول المشاطئة له. وتأتي مصر والسعودية في طليعة تلك الدول التي تحمل عبئًا أكبر في تعزيز الأمن في منطقة البحر الأحمر. وهناك مظاهر عدة، لتزايد الاهتمام الاستراتيجي بأمن البحر الأحمر، فافتتحت مصر القاعدة العسكرية “برنيس” في 15 يناير 2020، بهدف تأمين السواحل الجنوبية للبلاد.

ونفذت مصر كذلك مجموعة من المناورات العسكرية مع الدول المطلة على البحر الأحمر؛ بهدف رفع مستوى التنسيق العملياتي. منها المناورة المصرية الإسبانية في فبراير الماضي، سبقتها المناورة المصرية السودانية “نسور النيل 1” في نوفمبرمن العام الماضي، إضافة إلى المناورة المصرية السعودية “مرجان 16” في فبراير من العام الماضي، وكذلك المناورة المصرية – السودانية، نسور النيل 1، وكذلك مبادرة حماة النيل، في إشارة إلى تصاعد التنسيق العسكري المصري السوداني.

وتعد مبادرة “مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن” أعلى درجات التنسيق لتعزيز حالة الأمن الجماعي في المنطقة. وبعد مبادرات تاريخية متعددة، تبنت السعودية مبادرة إطلاق المجلس في يناير 2020، مع تبين أهمية التحرك تجاه حالة الأمن الإقليمي، الذي تفرضه مقتضيات اللحظة الراهنة. ويضم المجلس في عضويته كلًا من: السعودية والأردن ومصر وإريتريا واليمن والسودان وجيبوتي والصومال. تسعى هذه الدول إلى رفع مستوى التفاهم والتعاون فيما بينها، وكذلك تنسيق المواقف السياسية، وتعزيز التعاون الاقتصادي وتوثيق التعاون الأمني، بهدف الحدّ من المخاطر والتهديدات الأمنية.

غير أنه بعد أكثر من عام على تلك المبادرة، تصاعدت وتيرة التحديات، مع اتخاذ التفاعلات السياسية منحنيات تصاعدية، على نحوٍ يفرض مزيدًا من التنسيق، ورفع درجة المؤسسية في إطار ذلك المجلس، الذي لا تزال هناك الكثير من الخلافات في الرؤى بين دوله الأعضاء عن ماهية التحديات وآلية مجابهتها.

ويزيد في الأهمية على التنسيق في إطار المجلس، الذي لا زال بعض أعضائه يفتقدون للإرادة السياسية، الحاجة إلى التنسيق الثنائي بين الدول الإقليمية التي بات أمنها الاستراتيجي مهددًا، في هذا السياق الذي يموج بالتحديات. وقد أقبلت مصر على رفع مستوى التعاون العسكري لها مع السودان، فتم توقيع اتفاقية تعاون عسكري مشترك بين الجانبين في مطلع مارس الجاري.وفي الأخير، يبقى العامل الأهم، بجانب كافة التدخلات العسكرية، ضرورة تسوية كافة الصراعات السياسية، ودعم الدول الهشة في المنطقة بتدخلات تنموية وإنسانية تقضي على جذور ومسببات الصراع. ومن ثمّ، فإن الدول صاحبة المصلحة الاستراتيجية في أمن البحر الأحمر، عليها لعب دور في الدفع قدمًا بمسارات التسوية في الأزمة اليمنية، والعمل على منع عملية بناء الدولة الصومالية من الانهيار مرة أخرى، مع العمل على خفض مؤشرات التصعيد بين السودان وإثيوبيا على الحدود، فضلًا عن ضرورة لعب المجتمع الدولي دورًا في الأزمة الإثيوبية للحيلولة دون انهيار الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى