أفريقيا

البحث عن تسوية: تعدد المبادرات وأزمة الحوار الوطني في السودان

يتزايد تعقد المشهد السياسي السوداني، مع اتساع نطاق الفجوة بين القوى السياسية؛ مع استمرار حالة الفراغ الدستوري التي تعيشها البلاد، منذ إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، التي فضّ بموجبها رئيس مجلس السيادة، الشراكة بين المكونين المدني والعسكري وفقًا لاتفاق تقاسم السلطة بينهما (الوثيقة الدستورية).

بعد اقتراب انقضاء عام على حالة الجمود السياسي وتعطل العملية السياسية في البلاد؛ ومحاولة لاختراق الأزمة، أعلن نائب رئيس المجلس “حميدتي” عن اتفاقه مع رئيس المجلس “البرهان”، على ترك أمر تكوين رئيسي مجلس السيادة ومجلس الوزراء للقوى المدنية، وانصراف المؤسسة العسكرية لقيادة مهام القوات النظامية (16 سبتمبر 2022).

تأتي تلك الخطوة في سياق شديد الاستقطاب، مع تزايد حدة الانقسامات الداخلية، واستمرار الضغوط الدولية، بما فرض ضرورة وضع حدّ للمشهد الغامض والمضطرب الذي تمرّ به البلاد؛ لكن لا تزال آفاق المشهد يكتنفها المزيد من الغموض. 

مبادرات متعددة

مثلت الخلفية التي في سياقها تحول موقف المجلس السيادي، حالة من السيولة السياسية وتباين الرؤى والمواقف بين القوى المدنية، بشأن رؤيتها لمستقبل المرحلة الانتقالية وطبيعة ومستوى الشراكة بين المكونين المدني والعسكري، حيث فقد قطاع كبير من المدنيين الثقة في إمكانية نجاح الشراكة بينهما وبين المكون العسكري، وفق إطار لتقاسم السلطة، بينما ظلّ البعض منهم متمسكًا بأهمية الشراكة المدنية العسكرية. وعلى هذا الأساس، تعددت المبادرات من أغلب القوى السياسية في محاولة لسدّ الفراغ الدستوري التي تعاني منه البلاد.

  1. مبادرة حزب الأمة: عمل حزب الأمة على بلورة رؤية جديدة للحل؛ لكن يشهد الحزب نفسه انقسامات داخلية بين التيارات المختلفة، حيث تيار مريم الصادق المهدي بالتوافق مع الواثق البرير الذي يتشدد في مواقفه من الشراكة مع المكون العسكري، بينما تيار رئيس الحزب المكلف ناصر بورمة ونائبه صديق إسماعيل يتبنون مواقف أقرب إلى التوافق مع المكون العسكري، فيما يقف عبد الرحمن الصادق المهدي في موقع وسط ولديه موقف مرن بشأن التحالف بين المدنيين والعسكريين. وكان حزب الأمة من أوائل من تقدموا بطرح مبادرات للحل، ففي ديسمبر 2021، طرح مبادرة الطريق الثالث، باعتبارها خارطة طريق للأزمة السياسية التي تمر بها البلاد. 

واستهدف الحزب مراجعة أسس الوثيقة الدستورية والشراكة بين المكونين العسكري والمدني، حيث تضمنت المبادرة تحديد صلاحيات رئيس وأعضاء مجلس السيادة، وتحويل حركات الكفاح المسلح إلى العمل المدني وتعديل بعض النصوص القانونية للحكم الاتحادي والمفوضيات، وسرعة تشكيل المجلس التشريعي، والتأكيد على السلام ومعالجة قضايا السياسية الخارجية. 

  1. الآلية الثلاثية: بقيادة البعثة الأممية في السودان، أطلقت مبادرة لقيادة جهود الوساطة والحوار بين المكون العسكري والمدني في مطلع العام الجاري، ومع فشلها في إنجاز المهمة المستهدفة مع تشكيك أغلب القوى في دورها، انضمّ إليها كل من الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيجاد في مارس 2022. وفشلت محاولات الآلية الثلاثية للوساطة بين الأطراف المختلفة، بما في ذلك محاولة أول لقاء يجمع بين المدنيين والعسكريين في يونيو الماضي برعاية السفير السعودي في السودان. وظلت الآلية السياسية حاضرة في المشهد السوداني، عبر اللقاءات التي أجراها رئيس البعثة الأممية “فولكر بيرتس” مع أغلب القوى السياسية على الساحة. 
  2. مواثيق لجان المقاومة: أصدرت لجان المقاومة الميثاق الثوري لسلطة الشعب وميثاق تأسيس سلطة الشعب، وهي مبادرات صادرة عن لجان مقاومة الخرطوم، في ضوء استمرار تظاهرهم وتشدد مواقفهم في مواجهة المكون العسكري، ورفض أي صياغة توافقية بين الطرفين. وقد نجحت لجان المقاومة في فرض رؤيتها حتى التقى بها رئيس البعثة الأممية، على نحوٍ يجعل من لجان المقاومة فاعلًا جديدًا لم يكن مدرجًا ضمن أطراف الحرية والتغيير سابقًا. وقد أعلنت الغرفة المشتركة لتوحيد المواثيق الثورية عن تكوين لجنة فنية مشتركة لتوحيد ودمج المواثيق؛ إلا مواقف لجان المقاومة ظلت بعيدة عن الحرية والتغيير طوال الفترة الماضية، بما ساهم في مزيد من الانقسام بين الرؤى المدنية. 
  3. مبادرة الجبهة الثورية: طرحت الجبهة في إبريل الماضي رؤيتها خلال مؤتمرها التداولي الأول الذي عقد في الروصيرص، حيث ارتأت المبادرة ضرورة التوافق الوطني بين كافة القوى السياسية، مع تأكيد أهمية الشراكة المدنية العسكرية، ووضع خارطة طريق تتضمن في المرحلة الأولى الحوار بين القوى المشاركة في الوثيقة الدستورية بهدف التوصل إلى حكومة تدير المرحلة الانتقالية، أما المرحلة الثانية تشمل حوارًا أشمل بين كافة القوى السياسية للاتفاق على الموضوعات التي تختص بنظام الحكم والدستور والانتخابات. ورحبت المبادرة بالتعديلات على الوثيقة الدستورية، شريطة ألا تمس اتفاق جوبا للسلام. 

وأعادت الجبهة طرح إعلانًا سياسيًا يقضي بفترة انتقالية مدتها 39 شهرًا، حيث التقى في الثامن والعشرين من أغسطس الماضي، كلا من مالك عقار والطاهر أبو بكر حجر والهادي إدريس بنائب رئيس مجلس السيادة، لمناقشة الوضع السياسي بالبلاد، والبحث في إمكانية توحيد المبادرات وفقًا للقواسم المشتركة بينها. 

  1. مركزي الحرية والتغيير: دعمت قوى الحرية والتغيير مبادرة نقابة المحامين، التي تعد أحد مكونات تجمع المهنيين المنضوي تحت لواء التجمع؛ وقد أصدرت النقابة “مشروع الدستور الانتقالي” في سبتمبر الجاري، الذي يؤسس لرؤية دستورية متكاملة بديلة عن الوثيقة الدستورية، والتي تتمحور حول إبعاد المكون العسكري عن الحكم؛ وقت لاقت تلك المبادرة بدورها تأييد القوى الدولية وكذلك نائب رئيس مجلس السيادة “حميدتي”. 

وقد تضمنت هذه الوثيقة نصوصًا تتعلق بإلغاء الوثيقة الدستورية التي أسست للشراكة بين المكون العسكري والمدني، ومنح أفضلية للقوى الموقعة على الوثيقة في اختيار قادة الحكم المدني الانتقالي، والتأكيد على البند المتعلق بإزالة التمكين وتفكيك نظام البشير. 

ويعد مشروع الدستور الانتقالي آخر المبادرات المقترحة، التي مثلت تحول فارق في المشهد السياسي، رغم رفض العديد من القوى المدنية لهذه الوثيقة، إلا أن تزايد الضغوط الدولية وتفاقم الأزمات الداخلية، يدفع باتجاه ضرورة بلورة رؤية توافقية للأزمة. 

  1. مجموعة التوافق الوطني: حشدت مجموعة التوافق الوطني المنشقة عن الحرية والتغيير من أجل تشكيل تحالف جديد ووضع رؤية حول مستقبل العملية السياسية، حيث وقعت في 23 أغسطس عن إعلان سياسي وآخر دستوري “وثيقة الإعلان السياسي للتحول الديمقراطي”، يقترحان تعديلات واسعة على الوثيقة الدستورية التي تم تجميد معظم بنودها، وكذلك منح الإعلان الدستوري سلطة إعفاء رئيس مجلس الوزراء لقوى التوافق الوطني بدلًا عن المجلس التشريعي وفقًا لوثيقة 2019، فضلًا عن حذف المادة “20” من الواردة في الوثيقة الدستورية التي قضت بحظر الترشح للانتخابات لشاغلي المناصب خلال الفترة الانتقالية، وتشكيل مجلس وزراء مكون من 26 وزيرًا، بالإضافة إلى 6 وزراء دولة، وتشكيل مجلس تشريعي من 400 عضو، واستبدال الحرية والتغيير بالتوافق الوطني والمجلس العسكري بالمكون العسكري. وقد سعت المبادرة إلى تجميع أكبر قدر ممكن من المبادرات وتسليمها للمبادرة الأممية، سعيًا لتشكيل تحالف جديد بديلًا عن الحرية والتغيير، يكون قادرًا على إحداث أكبر قدر ممكن من التوافق الوطني. 

وقد شارك في التوقيع على الإعلان، مجموعة التوافق الوطني وتنسيقية شرق السودان والمجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، إضافة إلى تنسيقية شرق السودان والمجلس الأعلى لنظارات البجا وتنسيقية وسط السودان، علاوة على ممثلين للإدارات الأهلية ورموز دينية وممثلين من لجان المقاومة.

  1. مؤتمر المائدة المستديرة: محاولة ضمن مبادرة “نداء أهل السودان، والتي حازت على تأييد “البرهان”، والتي أطلقت في 13 أغسطس الماضي، برئاسة الشيخ الطيب الجد، ومشاركة عدد من الأحزاب بما في ذلك رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل وممثل عن حزب مؤتمر البجا وبعض رجال الدين والإدارات الأهلية والطرق الصوفية.

وترتكز رؤية المبادرة إلى تشكيل حكومة كفاءات وطنية غير حزبية، ورفض أي تدخلات خارجية بما في ذلك جهود الآلية الثلاثية، وتحديد فترة انتقالية لا تزيد عن 18 شهرًا تجرى بعدها انتخابات لا يقصى فيها أحد، مع استكمال ترتيبات اتفاق جوبا للسلام، والعودة للعمل بدستور 2005.

لكن بالنظر إلى مخرجات المبادرة التي أقرت بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين والعودة إلى المنهج الإسلامي السوداني في التعامل مع قضايا الوطن، خاصة قضايا النزاعات والسلام، ومراجعة عمل لجنة إزالة التمكين، والعودة إلى دستور 2005؛ فإن هناك توقعات قوية بعودة الإسلاميين عبر تلك المبادرة، مع عدم حيازة أي تأييد دولي ورفض أغلب القوى المدنية. 

  1. مبادرة الحزب الاتحادي الأصل: في سياق الرؤى العديدة المطروحة، اجتمع الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بممثلين عن حزب البعث والحزب الشيوعي وممثل التوافق الوطني” مني أركو مناوي”، وممثل حزب الأمة مبارك الفاضل، والقانوني نبيل أديب، والرئيس التنفيذي لمبادرة نداء أهل السودان “هاشم قريب الله”، وحزب مؤتمر البجا المعارض؛ لوضع خارطة طريق لتحالف سياسي جديد من أجل حلحلة الوضع الاقتصادي، يستهدف تشكيل حكومة جديدة مع منح القوات المسلحة صلاحيات المشاركة. وسعيًا من الحزب الاتحادي جمع كافة المبادرات، التقى بكافة القوى بما في ذلك السفير المصري والسعودي وفولكر بيترس، بينما رفض المؤتمر الشعبي الانضمام للمبادرة، مقابل انضمامه للمجلس المركزي؛ كما حاول الاتحادي الأصل استقطاب حزب الأمة، ليشكل بذلك واحدًا من أقوى التحالفات على الساحة.

وارتكزت الترتيبات الدستورية المطروحة من المبادرة على تعيين أجهزة الحكم الانتقالي ورئيس وزراء مستقل، مع أيلولة شركات الدعم السريع والجيش لوزارة المالية، ودعم إلغاء مسارات الشمال والشرق والوسط الموقعة ضمن اتفاقية جوبا لسلام السودان، والإسراع بتنفيذ الترتيبات الأمنية.  وطالبت المبادرة بمحاسبة منسوبي نظام البشير عن كل الجرائم المرتكبة وإنشاء مفوضيات مكافحة الفساد.

هذا إلى جانب العديد من المبادرات والرؤى الفردية والجماعية، بما في ذلك مبادرة مالك عقار ومبادرة مدراء الجامعات السودانية ومبادرة هيئة علماء السودان؛ التي لم تسفر جميعها عن إحداث أي توافق أو حلحلة لجمود المشهد السياسي الراهن في البلاد. 

منعطفات جديدة

  1. الانقسامات الداخلية: 

كان المسار السياسي والدستوري محل انقسام داخلي، حيث طرحت كافة المبادرات في سبيل وضع رؤية سياسية ودستورية جديدة للبلاد، يمكن خلالها إدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية. في ضوء السيولة السياسية التي اتسم بها المشهد، تجلت حالة من الانقسام الخفيّ بين الأطراف العسكرية حول مواقفهم بشأن اختراق الأزمة، مما دفع رئيس مجلس السيادة في الرابع من يوليو انسحاب المؤسسة العسكرية من الحوار السياسي، تاركًا للقوى المدنية فرصة التوافق على تشكيل حكومة مدنية.

ومنذ إعلان “البرهان” عن انسحاب المؤسسة العسكرية من الحوار الذي ترعاه الآلية الثلاثية ودعوة القوى السياسية للاتفاق فيما بينها على اختيار رئيس وزراء؛ بدت صعوبة عملية التوافق بين القوى المدنية، بما دفع المجلس السيادي للضغط بتشكيل حكومة تكنوقراط أو اللجوء لسيناريو الانتخابات المبكرة، حال لم تتوافق القوى المدنية فيما بينها. 

صاحب هذا الوضع، اتجاهًا جديدًا من حميدتي، عبر تصريحه في لقاء مع “بي بي سي” في أغسطس المنصرم، أشار فيه لفشل الانقلاب في إحداث تغيير، وأكد على خروج المؤسسة العسكرية من المشهد، وترك أمر تشكيل الحكومة للمدنيين، وتجلى في موقفه هذا في تأييده لمشروع الدستور الانتقالي الصادر عن نقابة المحامين، في سبتمبر الجاري، حيث رحب بالمبادرة التي تقضي بخروج المؤسسة العسكرية من المشهد، داعيًا الجميع إلى الانخراط في حوار وطني شامل، يفضي إلى اتفاق لاستكمال المرحلة الانتقالية. 

  1. الضغوط الدولية:

مارست القوى الدولية والإقليمية بما في ذلك الولايات المتحدة ودول الترويكا والسعودية والإمارات ضغوطًا على الفاعلين في المشهد السوداني، بغية قبول تسوية سياسية تمثل انفراجة في الأزمة، وهو الخط الذي تدعمه الأمم المتحدة ورئيس البعثة الأممية بالسودان. 

وقد رحبت أغلب القوى الدولية بمبادرة نقابة المحامين، واعتبرت بنودها تؤسس لنظام حكم مدني موثوق فيه بقيادة مدنية، ودعت الأطراف السودانية بما في ذلك الجيش للمساهمة في إنجاح العملية السياسية الديمقراطية، لاستعادة الانتقال الديمقراطي.

انطلاقًا من هذا المشهد، خرج نائب رئيس مجلس السيادة في السادس عشر من سبتمبر الجاري، ليعلن توافقه مع رئيس المجلس، بترك المدنيين لشغل رئاسة مجلسي السيادة وتسمية رئيس الوزراء، والتفرغ لإدارة القوى النظامية. 

ولم يعكس هذا التحول في الموقف انفراجة حقيقية في المشهد، فرغم ترحيب القوى المدنية إلا أنها لا تزال متباينة بشدة حول رؤيتها للمرحلة الانتقالية، وعلى الجانب الآخر، عّلق المستشار الإعلامي لرئيس لقائد الجيش السوداني ورئيس المجلس السيادي، الطاهر أبو هاجة، أن الجيش لن يسلم السلطة إلا لحكومة متوافق عليها من كل السودانيين أو حكومة منتخبة، مع التأكيد على أن ما تبقى من المرحلة الانتقالية هي حكومة كفاءات لا تخضع للمحاصصة السياسية، بما يحيلنا من جديد إلى سيناريوهات الانقسامات المدنية واحتمالات اللجوء لسيناريو الانتخابات المبكرة؛ حال لم تتوافق القوى المدنية سريعًا على تسمية رئيسي مجلس السيادة والوزراء، وفق أحدث التطورات. 

في الأخير يبدو أن مراجعة أسس الشراكة بين المكونين المدني والعسكري، باتت بالأمر العسير مع غياب الثقة وتباين الرؤى والمصالح بين كافة الأطراف، في الوقت الذي تبدو فيه التحولات الأخيرة في المشهد، تعبيرًا عن حالة من عدم التوافق الداخلي والضغط الخارجي أكثر من كونها حالة من التوافق على المستقبل السياسي للبلاد. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى