السودانأفريقيا

متغيرات لافتة: إلى أين يتجه المشهد السوداني بعد جولات “البرهان” ومبادرة “حميدتي”؟

شيماء البكش

للمرة الأولى منذ اندلاع الصراع بين القوات المسلحة والدعم السريع في السودان في 15 أبريل الماضي، خرج رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان من مقر إقامته ليجري جولة ميدانية حملت طابعًا سياسيًا ودبلوماسيًا وعدّها البعض بمثابة صفقة قد تمهد لوقف الحرب، خاصة في ظل ما سبقها من حراك دبلوماسي للقوى المدنية والإقليمية والدولية الساعية للوساطة بين طرفي الحرب؛ خاصة وأنه استكمل جولاته في الخرطوم بجولة إقليمية هي الأولى له خارج البلاد منذ اندلاع الصراع، إذ زار مصر الثلاثاء 29 أغسطس بينما توجه إلى جنوب السودان الاثنين 4 سبتمبر؛ لبحث سبل تحقيق الاستقرار وشرح مستجدات البلاد. 

وتزامن ذلك التحرك مع خروج قائد الدعم السريع “حميدتي” بمبادرة نشر نصها على وسائل التواصل الاجتماعي، تعبر عن موقفه من الشروط وشكل التسوية السياسية التي يمكن أن تؤدي إلى توقفه عن مواصلة القتال، في وقت تستمر المعارك فيه بين الطرفين في مدن العاصمة الثلاثة، وخاصة في جنوب الخرطوم وأم درمان والتي اشتدت مطلع أغسطس، مع استمرار الاشتباكات في الجبهات الأخرى المفتوحة في كردفان ودارفور؛ الأمر الذي يثير بدوره التساؤل حول إمكانية أن تحدث تلك التحركات أي اختراق في المشهد الميداني أو تفتح الطريق أمام جلوس طرفي الصراع إلى مائدة الحوار.

كسر العزلة

بعد تمركزه في مقر القيادة العامة بالخرطوم على مدار الأشهر الماضية، ظهر “البرهان” للمرة الأولى خارج العاصمة، حيث تفقد القواعد والمنشآت العسكرية في أم درمان وسط القتال الدائر بها على مدار أسابيع، وغادرها يوم الخميس 24 أغسطس إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل شمالًا، حيث التقى بقيادات عسكرية وتفقد جرحى الحرب داخل مستشفى عسكري وزار سلاح المدفعية.

وقد نفى خلال كلمته وسط الجنود أي حديث عن اتفاق أو صفقة بموجبها خرج من الخرطوم، مؤكدًا استمرار القتال حتى النهاية “لمواجهة الفلول وهزيمة التمرد”، خاصة وأنهم لم يبدأو الحرب مما يمنحهم أحقية الدفاع عن البلاد حتى النهاية. وأشار إلى أن خروجه كان بمشاركة القوات الجوية والبرية والبحرية وليس بصفقة خارجية، حيث شهدت عملية خروجه من مقر القيادة العامة قتالًا ضاريًا أدت إلى وقوع شهيدين من القوات البحرية. 

وقد توجه إلى شرق السودان، حيث خاطب قوات منطقة البحر الأحمر بقاعدة “فلامنجو” البحرية يوم الاثنين 28 أغسطس وتابع الجهود التي تقوم بها قوات المنطقة في تأمين حدود السودان البحرية وكافة مناطق البحر الأحمر، وأكد مرة ثانية عدم إجراء أية اتفاق مع “جهة خائنة للشعب السوداني”، وأن “القوات المسلحة لن تضع يدها في أيدي المتمردين” وأنهم سيركزون جهودهم على الحسم وإنهاء التمرد. وقد جاءت هذه الكلمة ردًا على المبادرة التي طرحها “حميدتي” تزامنًا مع وجوده في بورتسودان. 

ينظر البعض إلى المشهد الراهن كنقطة بداية لإحياء الجهود الرامية إلى إجراء محادثات مباشرة بين طرفي الصراع، وأنها مؤشر على تحرك البرهان بحثًا عن الحلول الدبلوماسية، وأنها تعبير عن انفتاح سياسي قد يمهد لقبول الطرفين بالجلوس لمائدة الحوار، خاصة وأن تحركات “البرهان” الداخلية أعقبتها جولة إقليمية.  وتأتي هذه التحركات بعد اجتماعات وزراء خارجية دول الجوار في تشاد في 7 أغسطس بناءً على مخرجات القمة التي استضافتها القاهرة في 13 يوليو الماضي، مما قد يؤشر على مواصلة مصر وجنوب السودان بذل مزيدًا من الجهود بالتواصل مع طرفي الصراع. 

وقد رفض كل من “البرهان” و”حميدتي” أي لقاء مباشر يجمعهما منذ اندلاع الصراع؛ إذ حرصت الوفود المشاركة في مباحثات جدة على عدم التفاوض المباشر وكانت الوفود تلتقي بشكل فردي بوسطاء السلام، مما أجهض فرص تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. وكذلك رفض المجلس السيادي المقترح الذي خرجت به قمة “الإيجاد” التي انعقدت في 12 يونيو الماضي، حيث أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو عن مبادرة الإيجاد لعقد لقاء مباشر بين البرهان وحميدتي خلال الأسابيع القادمة، وكذلك انعقاد مؤتمر وطني سوداني شامل بين القوى المدنية السودانية وفتح ممرات إنسانية، على أن تقود “إيجاد” هذه المبادرات.

فرض الشروط

تزامنت تلك التحركات مع خروج “حميدتي” بمبادرة طرحها على وسائل التواصل يوم 27 أغسطس، تضمنت موقف الدعم السريع من الحل الشامل في السودان ورؤيتها لبناء دولة سودانية على أسس جديدة، حيث أوضح أن النظام الفيدرالي غير التماثلي الذي تتفاوت فيه طبيعة ونوع السلطات التي تتمتع بها الوحدات المكونة للاتحاد الفيدرالي هو شكل نظام الحكم الأنسب للسودان.

وطالب ببناء سودان قائم على العدالة الاجتماعية والتسامح والسلام، وتوقف الدولة عن ممارسة العنف تجاه أبنائها خصوصًا في الهامش؛ إذ اعتبر أن الحرب الدائرة في البلاد هي مظهر من مظاهر أزمة الدولة التي يجب أن تتوقف، من أجل إقامة نظام حكم ديمقراطي مدني يقوم على الانتخابات العادلة والحرة مع إشراك أكبر وأوسع قاعدة سياسية واجتماعية ممكنة من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمرأة والشباب، وضرورة تأسيس وبناء جيش سوداني جديد مهني وقومي من الجيوش المتعددة الحالية. 

ويمكن إجمال هذه القضايا التي حدد “حميدتي” التفاوض عليها مع أطراف الحرب في: مسألة تأسيس جيش مهني قومي، والفترة الانتقالية والحكم المدني الانتقالي، والسلام الشامل والعادل المستدام، والعدالة الانتقالية، والنظام الفيدرالي وهياكله ومستوياته وسلطات تقسيم الموارد، مع أهمية أن يشترك في المفاوضات القوى التي همشها نظام “البشير” في المركز وكذلك لجان المقاومة والشباب والنساء. 

على الجانب الآخر، كانت هناك مبادرة مماثلة صدرت في 15 أغسطس عن نائب رئيس مجلس السيادة  مالك عقار، ترسم ملامح المشهد وخارطة طريق، تبدأ بوقت إطلاق النار وتحديد مواقع تجميع الدعم السريع تمهيدًا لتنفيذ الترتيبات الأمنية، وكذلك دعوة الأمم المتحدة لتغيير المبعوث الأممي، وأن الانتخابات هي الطريق الوحيد لتولي مقاعد الحكم ومسؤولية البلاد.

مما يؤشر على التعارض في الرؤى بين الطرفين فيما يتعلق بشروط التسوية ووقف إطلاق النار؛ إذ يفرض الدعم السريع رؤيته السياسية لمستقبل البلاد كخطوة سابقة وشرط لوقف إطلاق النار، ويطرحها بافتراض أحقيته في رسم ملامح المستقبل حتى وإن كانت كافة الرؤى المطروحة سبق وتناولها اتفاق جوبا للسلام الذي فشل في إرساء السلام وتحقيق العدالة والتنمية في البلاد، ذلك في الوقت الذي تنظر فيه المؤسسة العسكرية للدعم السريع بوصفهم متمردين وأن الحسم النهائي وضمهم تحت لواء القيادة العامة للقوات المسلحة وفق شروطها هو المنطق الحاكم لتحركاتها. 

سياق حاكم

الوضع الميداني والإنساني

المعارك مستمرة بين الطرفين على مدار شهر أغسطس في مدن الخرطوم الثلاث وأم درمان، حيث تجدد القتال في محيط معسكر سلاح المدرعات في جنوب الخرطوم حيث تشن الدعم السريع على مدار أسبوع هجمات، ودارت اشتباكات عنيفة بين القوتين في أحياء جبرة والعشرة واللاماب وغزة وهي مناطق محيطة بسلاح المدرعات. وكذلك شهدت مدينة أم درمان وأحياء أم درمان القديمة وأم بدة غربي أم درمان اشتباكات، حيث واصلت مدفعية الجيش قصف مواقع الدعم السريع في أم درمان لقطع الإمدادات التي تصل لهم عبر جسر شمبات. 

واستهدف الطيران الحربي التابع للجيش مواقع قوات الدعم السريع في محيط مطار الخرطوم الدولي والقيادة العامة للقوات المسلحة شرقي العاصمة، واستهدفت الغارات الجوية مواقع بأحياء الرياض وبري وقاردن ستي ومناطق شمال الخرطوم بحري، واستمرت الغارات الجوية للدعم السريع في جنوب الخرطوم وفي محيط المدينة الرياضية وأرض المعسكرات ومنطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم. وبالتوازي مع المعارك المستمرة بالعاصمة السودانية، صدّ الجيش هجومًا لقوات الدعم السريع على حقل زرقة أم حديد النفطي بولاية غرب كردفان.

وتستمر هذه المعارك رغم الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار نظرًا لتفاقم الأوضاع الإنسانية؛ إذ أسفرت المعارك المستمرة على مدار خمسة أشهر عن مقتل 5000 شخص وفرار أكثر من 4.6 ملايين شخص من منازلهم. وعلى وقع هذه المعاناة انتقد السفير الأمريكي في السودان جون جودفري الجمعة 25 أغسطس طرفي الصراع قائلًا إنهما غير جديرين بالحكم، مما أثار استياء وزارة الخارجية السودانية. 

وهناك تحذيرات وتقارير من المنظمات والوكالات الإغاثية عن تردي الأوضاع الإنسانية في البلاد؛ إذ أعلنت اليونيسف في 4 أغسطس عن احتياج 24 مليون شخص للغذاء لكن تلقى منهم 2.5 مليون فقط المساعدات بسبب القتال ونقص التمويل وصعوبة دخول العاملين في المجال الإنساني. هذا فضلًا عن التهديدات المتعلقة بانتشار الأوبئة والمجاعات، مما يفرض حتمية دخول المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار. 

جهود ومبادرات السلام 

وسط استمرار القتال وتردي الوضع الإنساني هناك العديد من التحركات الخارجية والداخلية لوقف القتال؛ فقد تحركت القوى المدنية ودعت إلى تشكيل جبهة مناهضة للحرب ودفع الأطراف المتقاتلة لمائدة التفاوض مرة أخرى، وقد اجتمعت القوى المدنية في أديس أبابا في 14 أغسطس تحت عنوان “إنهاء الحرب” وكان من المقرر أن يعقد الاتحاد الأفريقي حوارًا للقوى المدنية تحت مسمى الحوار السوداني-السوداني مطلع سبتمبر الجاري لكن أُجل لأجلٍ غير مسمى. وتأتي هذه التحركات للحرية والتغيير في إطار الجولة الإقليمية التي كانت بدأتها في 3 يوليو الماضي من أوغندا مرورًا بمصر والاتحاد الأوروبي كجزء من مساعي وقف الحرب وإحلال السلام. 

وتأتي هذه التحركات وسط جهود متواصلة للوساطة، آخرها تلك التي تقوم بها آلية دول جوار السودان بوصفها آخر مبادرة إقليمية صامدة حتى الآن وقادرة على تقديم رؤى وفتح قنوات اتصال مع طرفي الصراع وكذلك فتح قنوات اتصال مع الآليات والأطراف الإقليمية والدولية بما يسفر عن طرح رؤية شاملة مقبولة من كافة الأطراف. 

رؤى وشروط متناقضة

خلال كلمته في بورتسودان، أوضح “البرهان” أن الجيش يعمل على إعادة التموضع والاصطفاف في المناطق التي تمكنه من إنهاء التمرد، فالسودانيون أُخرجوا من ديارهم وأصبحت الخرطوم فارغة، وربما هذا الموقف ردًا على المبادرة المطروحة من “حميدتي” يؤشر على استمرار القتال بين الطرفين. وبالتزامن مع تلك التحركات، كانت هناك أخبار تفيد بمساعي تشكيل حكومة “تصريف أعمال” مقرها في مدينة بورتسودان لتسيير أعمال البلاد، لكن هناك تحفظًا على تلك الخطوة.

وفي نفس التوقيت خرج الفريق أول شمس الدين كباشي نائب القائد العام للقوات المسلحة بتصريح ذكر خلاله أنهم لا ينتظرون جهود المجتمع الدولي وأنهم سيحسمون المعركة مع الدعم السريع. هذا في الوقت الذي طرح فيه الدعم السريع رؤية تحمل أبعادًا سياسية تقفز على مبادرات وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وقد اشترط في وقت سابق ضرورة محاكمة قيادات الجيش كشرط للسلام. مما يعكس إجمالًا استمرار حالة التناقض بين طرفي الصراع، على نحوٍ يلقي بصعوبات على الآليات الإقليمية وجهود الوساطة لوقف الصراع. 

شيماء البكش

باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى