أفريقيا

الجمهورية الجديدة والدائرة الإفريقية

تبنت مصر سياسة نشطة تجاه القارة الإفريقية، بعد يونيو 2014؛ في إطار إعادة المراجعة لسياسة مصر الخارجية، التي ظلت لفترات طويلة تتبنى منطق الكمون الاستراتيجي في تعاطيها مع محيطها الخارجي. لكن رغم التحديات الداخلية التي كانت تمر بها الدولة في ذلك الوقت، إلا أن الدولة لم تفضل الانكفاء على الذات، وعملت على متابعة قضايا الخارج بنفس القدر من الاهتمام بالتحديات الداخلية.

وكانت السياسة الخارجية هي امتداد للسياسات والمصالح العامة للدولة؛ إذ فرض موقع مصر الجغرافي وميراثها التاريخي والحضاري على صانع القرار التعاطي مع الأحداث الإقليمية والعالمية؛ لما للسياسة الخارجية من تأثير على عملية التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الداخل، في معظم مراحل التاريخ.

في ظل هذا السياق المعقد داخليًا، الذي فرض حالة من التكيف من المحيط الخارجي؛ ثارت إشكالية تتعلق بصياغة الرؤية والمصالح الاستراتيجية، وإعادة تعريف دور مصر الإقليمي، في ظل إقليم يشهد العديد من التحولات والتحديات.

وإذ كان الدور الإقليمي يتصل بالأبعاد والدوائر الجغرافية، فإن الدائرة الإفريقية كانت أولى الدوائر التي كانت بحاجة للمراجعة؛ نظرًا لانحسار الدور المصري في القارة في الفترة السابقة على يونيو 2014 من جهة، وكذلك أهمية الروابط الجغرافية والتاريخية والأبعاد الثقافية والأيديولوجية التي ارتكزت عليها سياسة مصر إزاء القارة في ستينيات القرن الماضي، من جهة أخرى.

وإذا كانت تلك السياسة التي تبناها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر؛ التي مكّنت مصر من لعب دورها الإقليمي من خلال الترابط الأيديولوجي ودعم حركات التحرر الوطني، لم تؤسس لتكامل حقيقي بين مصر ومحيطها الإقليمي خاصة الإفريقي، فإن السياسة الراهنة التي تنتهجها الجمهورية الجديدة تعمل على تلافي أخطاء الماضي.

فتشير الآراء إلى أن التحديات التي تواجهها مصر في إفريقيا ناجمة عن تراجع الدور الإقليمي المصري والإحجام عن لعب دورها السابق، بينما ترى وجهة نظر أخرى أنه بغض النظر عن تراجع مصر من عدمه؛ فإن هناك عاملا أكثر أهمية يتعلق بطبيعة الأدوات التي استخدمتها مصر للعب هذا الدور.

فتاريخيًا استخدم عبد الناصر حزمة الأدوات ذات الطابع العسكري والسياسي والثقافي، بينما تراجعت الأدوات الاقتصادية، مما أدى بدوره لعدم بناء شبكة مصالح حقيقية بين المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين المصريين ونظرائهم في المحيط الإقليمي.

ونظرًا لعدم وجود هذا الاعتماد المتبادل، فبمجرد ظهور التحديات الأمنية، شهد الدور المصري انحسارًا في محيطه، وما يحدث الآن من توظيف مصر لكافة أدواتها السياسية والاقتصادية والأمنية هو انعاكس لإدراك حقيقي لصانع السياسة الخارجية لمقومات ومصالح مصر الحقيقة.

فانتهجت مصر سياسة متعددة الأبعاد تعكس الدراية بحجم التحديات والمصالح المشتركة؛ بما ساهم في حلحلة الجمود الذي أصاب العلاقات المصرية بأغلب دول القارة في العقدين الماضيين. ويمكننا رؤية فلسفة التحرك المصري ودوافعه عبر تحركات وأهداف مشتركة:

الكتلة التصويتية الإفريقية

كان ولا زال السلوك التصويتي الإفريقي، أحد المحركات التي تدفع الأقطاب والفواعل الدولية للتدافع على القارة، باعتبارها من أكبر الكتل التصويتية في الأمم المتحدة، بما يسهم في دعم مصالح الحلفاء والشركاء في مواقفهم الدولية.

وعلى الرغم من ذلك، لم تحظ القارة بمقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، نظرًا للاعتبارات التي كانت تحكم توازن القوى أعقاب الحرب العالمية الثانية. وهو الوضع الذي يطالب به العديد من الأطراف الدولية بتعديله. وفي هذا الصدد، فإن مصر من بين الدول الإفريقية الكبرى التي تسعى لتمثيل القارة في مجلس الأمن. وحتى يتهيأ لها ذلك، يتعين أن تحظى بقبول وإجماع غالبية الدول الإفريقية، وهو الأمر التي لم يكن يتسق مع وضعية مصر في القارة قبل يونيو 2014، بعد أن وصل تراجع الدور المصري في القارة إلى حد تجميد عضويتها في المنظمة القارية، بعد أن كانت إحدى الدول المؤسسة لها والداعية لمبدأ الوحدة الإفريقية.

لكن في السنوات الأخيرة، اتخذت مصر تحركات دبلوماسية مكثفة، سواء على الصعيد القاري والمنظمات الإفريقية، وكذلك على الصعيد الثنائي. ساهم هذا الوضع في وصول مصر إلى رئاسة الاتحاد الإفريقي 2019  بالتصويت بعد أن كانت عضويتها مجمدّة بالاتحاد.

كذلك مثّل فوز مصر بعضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي في الفترة من 2016 حتى عام 2019، تزامنًا مع عضويتها بمجلس الأمن الدولي، عاملًا إضافيًا لجهود مصر القارية، لتعزيز منظومة السلم والأمن بتنسيق العمل بين المجلسين؛ خاصة وأن مصر كانت اقترحت آلية للتنسيق بين مجلس السلم الإفريقي ومجلس الأمن الدولي، خلال فترة عضويتها من 2006 إلى 2008. وبالفعل مهّدت جهود مصر القارية لفوزها مجددًا بعضوية المجلس عن شمال إفريقيا للفترة من 2020 إلى 2022.

واتسمت فترة رئاستها للاتحاد بالزخم الدبلوماسي، بما مكّن مصر من تمثيل القارة والتعبير عنها في المحافل الدولية، استنادًا لإدراك مصري حقيقي لهموم وتحديات القارة، وكذلك فهم حقيقي لأولويات التنمية والتطلعات الإفريقية، استنادًا إلى أجندة التنمية الإفريقية 2063.

كما فعّلت مصر دبلوماسية قادة الدول، عبر زيارة السيسي للعديد من الدول الإفريقية، وكذلك استقبال العديد من رؤساء الدول الإفريقية، بما ساهم في تنسيق الرؤى والعمل الثنائي المشترك، وحلحلة الجمود في كثير من العلاقات الثنائية. تؤسس هذه الجهود لعودة مصرية في محيطها الإفريقي، إلا أنها لا تزال بحاجة لمزيد من الجهد بما يخلق التنامي والتأثير ويعزز من حضورها، في دوائر أمنها القومي.

ولعل أبرز مثال على التأثير الدبلوماسي المصري إفريقيًا، ليس فقط تمثيل القارة في القمم والمنظمات الدولية، وإنما أيضًا حشد الجهود الدبلوماسية لدعم الشركاء الاستراتيجيين كانت مثالًا واضحًا في التعاطي مع أزمات السودان في فترة تحوله الديمقراطي؛ بداية من حشد الجهود داخل الاتحاد الإفريقي لاستعادة التوازن وإعادة السودان مرة أخرى بعد تعليق عضويته، وصولًا إلى دعم السودان دوليًا لإعادة اندماجه مرة أخرى في المجتمع الدولي، كما حدث في مؤتمر باريس لدعم السودان. وهو دور يقّر به السودان ويجد تأثيرًا، يؤسس لنهج دبلوماسي يمكن أن تتبناه مصر مع حلفائها الاستراتيجيين في إفريقيا، ويعزز من دور مصر الدبلوماسي في القارة.

حجم السوق الإفريقية

نظرًا لكبر حجم السوق السوق الإفريقية، فإنها تعد من بين أكثر الأسواق جاذبية، التي يتدافع عليها كافة القوى الإقليمية والدولية. لكن هذا التدافع يتم بطريقة غير متكافئة، بما يجعل مؤشرات التجارة الدولية ليست في صالح الجانب الإفريقي.

فتعاني القارة الإفريقية من اختلال موازين المدفوعات، نظرًا لارتفاع حجم الوارادت عن الصادرات، نظرًا للاختلالات التي تعاني منها الاقتصادات الإفريقية. فتعتمد أغلب الدول على استيراد السلع المصنعة مقابل تصدير المواد الخام التي تزخر بها القارة.

وهذا هو أحد التحديات التي تعاني منها القارة في علاقتها مع شركائها الاقتصاديين، والقوى المتكالبة على القارة على نحوٍ يسمى بالاستعمار الجديد، نظرًا لحالة التبعية والانكشاف الاقتصادي التي تعاني منها القارة.

وإدراكًا لتلك التحديات؛ تسعى الدول الإفريقية إلى خلق حالة من التكافؤ في علاقتها الاقتصادية، عبر تعدد البدائل والشركاء التجاريين. وهو المدخل الذي يوفر فرصة لمصر، خاصة مع المقولة التي ترى أن حجم التبادل التجاري يزيد بين الدول التي تتقارب في مستويات الدخل.

وإذا كان نموذج عدم المشروطية السياسية الذي تقدمه الصين وتقديم نفسها باعتبارها دولة نامية، يلقى قبولًا على المستوى الإفريقي، وساهم في تحقيقها اختراقًا كبيرًا في القارة، على حساب القوى التقليدية؛ فإن ذلك يوفر منطقًا يمكن توظيفه للقوى الإقليمية الساعة إلى السوق الإفريقية، بل يمكن للدول الإقليمية التي تسعى إلى خلق علاقات متوازنة أن تكون أكثر جاذبية، بعدما تنامى إدراك الدول الإفريقية لفخ الديون الصينية.

وفي هذا الصدد، فإن الفرص الاقتصادية المصرية واعدة في القارة الإفريقية، من منطلق حاجة القارة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها. وفي سبيل ذلك، تمّ إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية، بهدف رفع مستوى التبادل التجاري بين دول القارة، كخطوة نحو تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية الإفريقية.

وكانت مصر إحدى الدول التي قادت جهود المفاوضات حول منطقة التجارة الحرة القارية، كما تعمل مصر على رفع مستوى التبادل التجاري والاستثمارات مع الدول الإفريقية، فعملت على رفع مستوى التبادل على المستوى الثنائي مع أغلب دول القارة، كما نظمة مصر أربعة منديات دورية للاستثمار في إفريقيا تحت رعاية الرئيس السيسي، ومؤخرًا نظمت مصر “منتدى وكالات ترويج الاستثمار في إفريقيا: التكامل من أجل النمو”، بحضور رؤساء هيئات الاستثمار في 33 دولة إفريقية، بهدف دفع الاستثمار والنمو في إفريقيا، كجزء من أهداف التنمية الإفريقية. إذ رغم هذه الحقائق، لا تزال معدلات التبادل التجاري بين مصر والقارة في مستويات منخفضة، مقارنة بمستوى تجارتهما الدولية.

تحقيق الأهداف التنموية

اتخذت مصر من أهداف التنمية الإفريقية وأجندة التنمية الإفريقية 2063، مرتكزًا لتدخلاتها وسياستها إزاء القارة، وفي هذا الصدد تلتقي أهداف التنمية المستدامة 2030 مع أهداف أجندة التنمية الإفريقية 2063. فتتحرك مصر وفق رؤية تنموية مشتركة، تعمل من خلالها على تحقيق الأهداف والطموحات الإفريقية.

وبذلت مصر جهودًا على كافة محاور وتطلعات التنمية الإفريقية، بما يجعل التحركات المصرية متسقة مع الاولويات القارية ويؤهل مصر للتعبير عن تطلعات القارة. فتبنت مصر مبدأ قارة متكاملة تعتمد على نفسها في السلام والتنمية، وفق مبدأ “حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية”. وعملت مصر على دعم مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد، عبر تواصل المحاكم المصرية مع المحاكم الإفريقية، لتعزيز مبادئ الحكم الرشيد والمؤسسات والمبادئ الديمقراطية.

كما انطلقت مصر لتعزيز التطلعات بشأن دعم قيادة الشعوب الإفريقية لأولويات التنمية، عبر دعم برامج المرأة وتمكين الشباب. كذلك دعم مشاركة إفريقيا في المؤسسات متعددة الأطراف، حتى تتبوأ مكانتها التي تليق بها، مع استمرار دعوة إفريقيا لإصلاح مجلس الأمن لتصحيح الظلم التاريخي، وكذلك سعى إفريقيا لإقامة شراكة عالمية والتحدث بصوت واحد حول أولويات التنمية، وهو الدور الذي تبنته مصر، سواء عبر القمم الاستثمارية مع شركاء إفريقيا الدوليين، أو عبر التعبير عن أولويات القارة في المنتديات والمؤتمرات الدولية.

ودعمًا لأهداف التحول الاقتصادي والنمو والتصنيع، تم دعم تنفيذ الاستثمارات المشتركة العابرة للحدود، وكذلك تشجيع التجارة البينية الإفريقية، وعززت مصر من مبادرات النقل والبنية التحتية لدعم اتجاه إفرقيا المترابطة من خلال البنية التحتية، فأطلت مصر مشروع طريق الإسكندرية – كيب تاون، كما شاركت في مشروعات النقل والبنية التحتية في أغلب الدول الإفريقية. كذلك شاركت مصرفي مشروعات السدود والمشروعات الكهرومائية، بهدف التحول نحو محور إقليمي للطاقة، بالتعاون مع الدول الإفريقية في هذا المجال، باعتبار الطاقة المتجددة أحد أولويات العجز في موارد الطاقة الإفريقية. وفي مقدمة الموارد المتجددة تأتي الطاقة الكهرومائية.

ويستوجب التوجه نحو توليد الطاقة الكهرومائية مزيد من التعاون بين الحكومات الإفريقية، لتعويض النسبة الهائلة من السكان التي لا تمتلك فرص الوصول إلى الكهرباء. وهي التحركات التي تنطلق من أولويات التنمية المشتركة المصرية – الإفريقية.

مجابهة التحديات الأمنية:

تبنت مصر مبادرات إسكات البنادق وتعزيز الأمن الجماعي، كأحد آليات التسوية السلمية للصراعات، بحث تصبح القارة سالمة وآمنة؛ إذ تعد الصرعات والإرهاب أحد التحديات التنموية التي تعاني منها القارة. ومع مجيء مناطق كغرب إفريقيا والساحل والصحراء وكذلك القرن الإفريقي في مراتب متقدمة في مؤشر الإرهاب العالمي، واتجاه داعش نحو إعادة التموضع في إفريقيا، لتأخذ الظاهرة الأمنية طابعًا معقدًا بتشابك الصراعات المحلية مع الظاهرة الإرهابية؛ باتت الحلول الإفريقية لمواجهة التحديات الأمنية أولوية على الأجندة الإفريقية.

وتنطلق الفلسفة المصرية في هذا الصدد من قناعة مفادها أن التنمية لا تتم بمعزل عن الأمن، وفي سبيل ذلك عززت مصر من جهودها الأمنية في القارة، على المستوى الثنائي والجماعي على السواء. فعززت مصر من تعاونها الأمني من خلال اتفاقيات التعاون العسكري الثنائي المشترك، فضلًا عن التعاون على المستوى الفني من خلال التدريب المشترك ونقل الخبرات العسكرية للدول الشريكة. وعلى المستوى الجماعي، فتساهم مصر على ثلاث مستويات؛ سواء من خلال العمل الدبلوماسي واستضافة المؤتمرات وتعزيز التواصل بهدف التشاور حول آليات الامن الجماعي، إضافة إلى المساهمة في العمل المؤسسي من خلال تعزيز هياكل الأمن في القارة، وفي إطار ذلك تبنت مصر مبادرة لإنشاء قوة إفريقية مشتركة لمكافحة الإرهاب، كترجمة لمبدأ حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية، وعلى مستوى العمل، فتساهم مصر في قوات حفظ السلام المنتشرة في دول عدة بالقارة.

خلاصة القول، اتجهت مصر نحو القارة الإفريقية بمبدأ أن عملية التنمية والأمن لا تتم بمعزل عن محيطها الإقليمي، فجاءت فلسفة التحركات المصرية داعمة للتنمية المشتركة وأولويات التنمية في كل من مصر وإفريقيا على السواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى