السودان

العودة للمربع الأول: المسار الانتقالي في السودان

في صباح (الاثنين، 25 أكتوبر 2021)، شهد السودان تحولًا فارقًا بمسار المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد منذ سقوط البشير إبريل 2019. فعلى مدار أكثر من عامين، مرت البلاد بضغوط شديدة من أجل إرساء الترتيبات الانتقالية، بين المكونين المدني والعسكري، على نحوٍ يمهد للوصول إلى انتخابات ديمقراطية وتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة.

ووقع الطرفان “الوثيقة الدستورية” التي مثّلت المرجعية الدستورية للمرحلة الانتقالية، في أغسطس 2019، وأقرت فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات. وفي ضوء الوثيقة تمّ تشكيل حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك، لإدارة المرحلة المرحلة الانتقالية والوصول إلى الانتخابات. وفي أكتوبر 2020، استطاع شركاء الحكم الانتقالي توقيع “اتفاق جوبا للسلام”، مع قادة الميليشيات المسلحة، بهدف إرساء السلام ودمج الميليشيات المسحلة تحت مظلة القوات المسلحة السودانية، وهو الاتفاق الذي غاب عنه عبد العزيز الحلو وعبد الواحد نور. وتمّ تمديد مدة المرحلة الانتقالية على خلفية اتفاق السلام، وإعادة احتساب المدة منذ توقيع الاتفاق. 

وفي أعقاب توقيع اتفاق جوبا للسلام، تمّ إعادة تشكيل حكومة جديدة برئاسة حمدوك، ضمت وزراء من الحركات المسلحة، وتم إدراج بعض عناصر القوات المسلحة في مجلس السيادة الانتقالي، وكذلك ضمان بعض المقاعد للميليشيات المسلحة في مناصب الولاة المعينين. وعلى مدار الفترة الماضية والخلافات مستمرة وفي التصاعد بين المكونين المدني والعسكري حول العديد من الملفات. وأدت هذه الخلافات في تزايد الفجوة داخل المكون المدني نفسه، وبينه والمكون العسكري. 

تباين الرؤية وتضارب المصالح

عادت مشاهد المواكب من جديد للشارع السوداني، على خلفية الانقسام الحادث داخل المكون المدني بشأن استمرار التحالف مع المكون العسكري. ففي 21 أكتوبر تظاهر الآلاف من أنصار الحكم المدني، ردَا على استمرار المعتصمين المؤيدين للمكون العسكري منذ 16 أكتوبر أمام القصر الجمهوري.

وبدأت الأمور في الاحتدام مع تظاهرت خرجت للعاصمة السودانية الخرطوم (16 أكتوبر الجاري)، قادتها مجموعة الإصلاح أو مجموعة التوافق المنشقة عن قوى الحرية والتغيير لمطالبة الفريق عبد الفتاح البرهان بحل الحكومة الحالية برئاسة عبد الله حمدوك، والمطالبة بتولي المؤسسة العسكرية السلطة منفردة لحين إجراء انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة جديدة.

وهو ما دفع قوى الحرية والتغيير إلى الدعوة إلى خروج مظاهرات مؤيدة للحكم المدني، يوم 21 أكتوبر الجاري، تحت شعار “مواكب الردع” لدعم التجربة المدنية ورفض الحكم العسكري. ويرتبط هذا الخلاف بتباين المطالب بين من ينادون بحلّ الحكومة المدنية غير القادرة على إدارة الملف الاقتصادي، وكذلك إدارة العلاقات الخارجية، وبين الداعمين للحكومة، والمطالبين باستمرار الحكم المدني. 

وتأتي هذه التوترات والتطورات بعد شهر من محاولة انقلاب فاشلة في 21 سبتمبر، قادها مجموعة من ضباط بسلاح المدرعات، قيل أنها تابعة لنظام البشير. وعقب تلك المحاولة تبادل المدنيون والعسكريون الاتهامات بشأن ما يجري في البلاد، وظهرت مبادرات ومحاولات لرأب هذا الصدع، إلا أنها باءت بالفشل. ذلك بعد أن تمسك رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بعدم حل الحكومة وتشكيل حكومة كفاءات وطنية غير حزبية تدير المشهد، وكذلك إيقاف عمل لجنة إزالة التمكين التي طالت عناصر من القوات المسلحة، بتهم الفساد والمحسوبية على نظام البشير. 

نقاط خلافية

  • تتعلق إحدى نقاط التوتر بالسعي لتحقيق العدالة بشأن مزاعم ارتكاب الجيش السوداني وحلفائه جرائم حرب في الصراع في دارفور منذ عام 2003.
  • سعي المحكمة الجنائية الدولية إلى محاكمة البشير وسودانيين آخرين مشتبه بهم، بينما وافق مجلس الوزراء المدني على تسليم المشتبه بهم، لكن مجلس السيادة لم يحسم موقفه.
  • التحقيق في قتل متظاهرين مطالبين بالديمقراطية في الثالث من يونيو 2019، في واقعة اتجهت فيها أصابع الاتهام إلى قوات عسكرية. ويثير التأخر في نشر نتائج هذا التحقيق غضب الناشطين وجماعات مدنية.
  • ضغط المدنيون من أجل الرقابة على الجيش وإعادة هيكلته، لا سيما من خلال دمج قوات الدعم السريع شبه العسكرية.
  • كانت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، التي تسببت في انخفاض قيمة العملة وفي النقص المتكرر للخبز والوقود، الشرارة التي أدت لسقوط البشير.

في ضوء هذا الوضوع، انقسمت قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السياسية لحكومة عبد الله حمدوك) إلى قسم مؤيد للتوجهات العسكرية والتحفظ على أداء حمدوك وكذلك سيطرة أحزاب على الحكومة وعلى القرار داخل قوى الحرية والتغيير. 

استمر هذا الحراك إلى أن قرر الجيش السوداني التدخل لحماية الفترة الانتقالية عقب محاولة سيطرة أحزاب بالفترة الانتقالية لتنفيذ أجندات حزبية ضيقة بعيدة عن المسار الثوري وصفت تلك الأحزاب بجماعة الاربعة. وتواردت الأخبار صباح الإثنين باقتحام قوات عسكرية مشتركة مقر الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون في أم درمان، واحتجزت عددا من العاملين، وذلك وفقا لوزارة الإعلام السودانية.

وأفادت الأخبار بأن قوة من الجيش اقتادت رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إلى مكان مجهول، حيث وضعته قيد الإقامة الجبرية، وذلك بعد رفضه تأييد التحركات الأخيرة.  كما تم اعتقال أعضاء بمجلس السيادة الانتقالي من المكون المدني وعدد من وزراء الحكومة الانتقالية بواسطة، قوات عسكرية مشتركة واقتيادهم إلى جهات غير معلومة.

وتم اعتقال عددا من الوزراء في حكومة عبد الله حمدوك، من بينهم وزير الإعلام حمزة بلول ووزير الصناعة إبراهيم الشيخ ووزير شؤون مجلس الوزراء خالد عمر يوسف، بالإضافة إلى شخصيات سياسية وحزبية وأعضاء مدنيين في المجلس السيادي. وأفادت أسرة المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء بأن قوة عسكرية اعتقلت المستشار فيصل محمد صالح بعد اقتحام منزله. كذلك اعتقال أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي علي الريح السنهوري. وكذلك ووالي الخرطوم أيمن نمر. كانت هناك أيضا أنباء عن اعتقال محمد الفكي سليمان عضو مجلس السيادة السوداني،  الذي ينتمي للحزب الاتحادي الديمقرطي، وهو جزء من تجمع أحزاب اتحادية تحت مسمى “التجمع الاتحادي” الذي يمثل إحدى كتل تحالف قوى الحرية والتغيير.

وفي أعقاب تلك التطورات، خرج رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ببيان أعلن خلاله عن ملامح الفترة القادمة كالتالي:

  • إعلان حالة الطوارئ في البلاد.
  • تأكيد عدم سيطرة حزب أو فئة على السودان، في إشارة إلى رفض سيطرة أحزاب الحرية والتغيير من جهة، وكذلك طمأنة الشارع بشأن عدم عودة ” حزب المؤتمر الوطني” و ” نظام الإنقاذ” من جهة أخرى.
  • تعليق بعض مواد الوثيقة الدستورية، مع تأكيد الالتزام باتفاق جوبا للسلام.
  • حلّ مجلس السيادة الانتقالي وكذلك الحكومة وإعفاء ولاة الولايات من منصبهم.
  • العمل على تشكيل برلمان من شباب الثورة وتشكيل حكومة كفاءات جديدة لتولي إدارة الأمور في البلاد.
  • التأكيد على مواصلة المرحلة الانتقالية وصولاً لحكومة منتخبة، وتهيئة الأجواء لإجراء الانتخابات.

ردود الفعل الداخلية والخارجية

لا تزال الأطراف الخارجية في مرحلة احتساب وتحديد مواقفها بما يتوافق ورؤيتها لمسار الانتقال السياسي في السودان، وكذلك بما يتوافق ومصالح الأطراف الخارجية في الداخل السوداني. وقد عكست ردود الفعل الأولى، حالة التنافس الدولي والإقليمي، وكذلك رغبة كافة الأطراف في ترجيح طرف على آخر بما يتوافق ومصلحته الخاصة.

فقد تحفظت كل من الصين وروسيا على تسمية ما حدث بالبلاد أنه انقلاب، وقد دعت روسيا قبيل ذلك التحرك (22 أكتوبر) إلى ضرورة توقف الدول الخارجية عن التدخل في الشأن الداخلي السوداني، لما لهذا التدخل من تبعات تقود إلى انقسام البلاد، داعية إلى الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، في إشارة إلى الولايات المتحدة. وهو الموقف المفهوم في سياق التنافس الروسي – الأمريكي على السودان.

ويشير هذا البيان إلى الدور السلبي الذي تلعبه الولايات المتحدة، في دعم المكون المدني، والضغط على المكون العسكري، ومن ذلك ” قانون دعم التحول الديمقراطي”، الذي أصدره الكونجرس، بهدف تضييق الخناق على المكون العسكري، وكان مؤشرًا على ما حدث اليوم من رفض المكون العسكري لإقصائه من المشهد. ويتصل بذلك أيضًا، إعادة النظر في الاتفاقية السودانية الروسية، لإنشاء قاعدة لوجستية على البحر الأحمر، والتي تأتي في إطار التوازنات مع الولايات المتحدة. 

وجاءت كافة المواقف الدولية، قلقة مما يحدث بالسودان، خاصة المواقف الإقليمية، مع استثناء إثيوبيا، التي دعت الاتحاد الإفريقي إلى إدانة ما حدث، ومن ثمّ تعليق عضوية السودان بالاتحاد، في سياق التوترات السودانية- الإثيوبية كذلك. وبالفعل، أعلن مجلس السلم والأمن الإفريقي، خلال جلسته اليوم ( الأربعاء، 27 أكتوبر)، تعليق كافة أنشطة السودان داخل الاتحاد حتى استعادة المسار الديمقراطي، مع دعوته إلى تشكيل بعثة لدعم الحوار بين كافة الأطراف.

https://twitter.com/AUC_PAPS?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1453320878742253568%7Ctwgr%5E%7Ctwcon%5Es1_&ref_url=https%3A%2F%2Farabic.rt.com%2Fmiddle_east%2F1287777-D8B1D988D98AD8AAD8B1D8B2-D8A7D8AAD8ADD8A7D8AF-D8A5D981D8B1D98AD982D98A-D98AD8B9D984D982-D985D8B4D8A7D8B1D983D8A9-D8A7D984D8B3D988D8AFD8A7D986-D8A3D986D8B4D8B7D8A9%2F

وعلى المستوى الأوروبي، دعا الاتحاد الأوروبي إلى إعادة عملية الانتقال إلى مسارها الصحيح، مع إدانة كل من ألمانيا فرنسا والمملكة المتحدة لما حدث، مع تعليق ألمانيا لبرامج التعاون التنموي مع السودان.  وعلى الرغم من الموقف المتشدد للولايات المتحدة، وتعليقها كذلك للمساعدات البالغة 700 مليون دولار، ودعوة إسرائيل إلى إعادة النظر في التطبيع مع السودان؛ إلا أنها حتى الآن لم تستقرعلى تسمية ما حدث بالإنقلاب. 

وفي سياق جماعي، دعت كلٍ من المملكة المتحدة والنرويج وإيرلندا والولايات المتحدة وإستونيا وفرنسا، لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن حول السودان. وعقدت الجلسة أمس (الثلاثاء، 26 أكتوبر)، التي لم تخرج ببيان وموقف موحد، نظرًا لاختلاف الدول الأعضاء فيما بينها.

وفي خضم تلك التطورات السريعة، تتضح مؤشرات على التهدئة ومحاولة استعادة الأوضاع للمسار السياسي. وترتبط مؤشرات التهدئة ببيان “البرهان” وتأكيده على استمرار المسار الانتقالي والحرص على مشاركة المدنيين استكمال مرحلة التحول الانتقالي. إضافة إلى الإفراج عن رئيس الوزراء “حمدوك” وإجراء الأخير اتصالًا هاتفيًا بوزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”. 

وتشير الاتصالات والتحركات الخارجية، بما في ذلك اتصال المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي بوزير الخارجية المصري إلى الحرص على إشراك الأطراف في الدفع بالمسار السوداني إلى الأمام. خاصة مع تحفظ الولايات المتحدة على توصيف الأوضاع بالانقلاب. على الجانب الآخر، اتجهت بعض الأصوات الداخلية للدعوة للحوار، إضافة إلى إعلان ” البجا” في شرق السودان تأيديهم لقرارات البرهان، مع تباين المواقف بشأن فتح الموانئ والممرات المغلقة، مع رهن البعض بإلغاء “مسار الشرق” من اتفاق السلام أولًا. وهو الموقف الذي يشير إلى حجم التباينات في الرؤى والمواقف الداخلية، التي بحاجة لإعادة ترتيب للبيت الداخلي من جديد، لتجاوز التحديات السياسية والاقتصادية والمضيّ قدمًا بالبلاد إلى الأمام.ويشير الموقف في الأخير إلى أن اتجاهات الأحداث باتت رهن ضغوط المواقف الدولية الدافعة باتجاه الحوار واستعادة العملية الانتقالية على مسارها الصحيح بشكل توافقي. إلا أن الموقف والدفع الخارجي، يظل رهن إرادة الأطراف الداخلية للتوافق على مستقبل البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى