أفريقيا

يوم أفريقيا.. ذكرى ميلاد الوحدة الأفريقية

يحل يوم الخامس والعشرين من مايو كل عام ليعيد تذكير الأفارقة بالطموحات الجماعية الأفريقية للآباء المؤسسين للوحدة الأفريقية؛ حيث سعى الرعيل الأول إلى ترسيخ دعائم الوحدة والاندماج القاري، كخطوة نحو التعاون وتحقيق الرخاء والتنمية في أعقاب الاستقلال. وبعد مساعٍ عديدة خاضها الزعماء الأفارقة الذين خاضوا حروب الاستقلال، تم تأسيس “منظمة الوحدة الأفريقية” في 25 مايو 1963.

كان الهدف الرئيس لمنظمة الوحدة الأفريقية تحقيق التكامل الاقتصادي والسياسي، والقضاء على ما بقي من استعمار، ومواجهة الاستعمار الجديد للقارة. وبعد نحو أربعة عقود شهدت خلالها المنظمة تحديات وتحولات، استقرت الجماعة الأفريقية على تحويل منظمة الوحدة الأفريقية إلى الاتحاد الأفريقي عام 2002، مع تحولات السياق واختلاف العوامل الدافعة نحو الاتحاد والتعاون الأفريقي المشترك.

المسيرة التاريخية للجماعة الأفريقية

بدأت أفكار الوحدة الأفريقية في وقت مبكر، أثناء بقاء أغلب الدول الأفريقية تحت براثن الاستعمار، حيث سعت الدول المستقلة آنذاك إلى وضع أسس الاتحاد والتعاون من أجل تحقيق أهداف تحرير القارة. فكان المؤتمر الأول الذي ناقش أهداف وبواعث الوحدة، “مؤتمر أكرا في غانا 1958″، حضرته وفود عن الدول الأفريقية المستقلة تضم أعضاء من مختلف الأحزاب والاتحادات الطلابية والنقابات العمالية والوفود الرسمية والدبلوماسية. وقد تمخض عن هذا المؤتمر مجموعة من الأهداف، من بينها:

  • المحافظة على السيادة الإقليمية للدول الأعضاء.
  • صياغة وتنسيق الأساليب الهادفة إلى تسريع التفاهم المتبادل.
  • قرار خاص بمستقبل الشعوب الأفريقية غير المستقلة؛ إذ طالب الأعضاء بإعلان موحد لحصول هذه المناطق غير المستقلة على استقلالها، تمشّيًا مع رغبة شعوبها وميثاق الأمم المتحدة.

ورغم تلك المحاولات، ظهر الخلاف في الآراء بين مجموعات الدول المستقلة، حيث رأت “مجموعة الدار البيضاء “، ضرورة تشكيل اتحاد عام يضم جميع الدول الأعضاء، وتشكلت هذه المجموعة من ” غانا – غينيا – مصر – المغرب – ليبيا – الجزائر”. بينما كان لمجموعة “مونروفيا ” رأي آخر يقضي بتأسيس الوحدة تدريجيًا، على أن تبدأ هذه الوحدة في المجال الاقتصادي فحسب، دون الخوض في الأمور السياسية، وضمت هذه المجموعة دولًا من بينها ” السنغال، ليبيريا، نيجيريا، إثيوبيا”.

وفي الأخير، اجتمعت المجموعتان في مؤتمر أديس أبابا 25 مايو 1963، الذي ضمّ مجموعة من الزعماء المؤسسين: جمال عبد الناصر، وكوامي نكروما، وجوليوس نيريري، وأحمد سيكو توري، وجومو كينياتا، وهيلا سيلاسي، حيث أطلقت منظمة الوحدة الأفريقية، وقد تم الاتفاق على مجموعة من الأهداف:

  • تحرير القارة نهائيًا من الاستعمار.
  • القضاء على التخلف الاقتصادي.
  • الحفاظ على سيادة الدول المستقلة.
  • التزام مبدأ الحياد على الساحة الدولية

وظلت منظمة الوحدة الأفريقية على مدار أربعة عقود تحاول تحقيق المساعي التي تأسست من أجلها، وقد كان الاستقلال هو مرتكز تلك الأهداف. وخلال تلك الفترة، شهدت المنظمة تحولات النظام الدولي، حيث تزامنت حروب الاستقلال والتحرير مع الحرب البادرة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وهو السياق الذي زاد من جاذبية الدول الأفريقية في نظر المعسكرين؛ فعلى الرغم من عزم أغلب الدول الأفريقية على البقاء على الحياد ذلك الهدف الذي تأسست عليه منظمة الوحدة الأفريقية، وصدق عليه أغلب الزعماء الأفارقة في ” مؤتمر باندونج” 1955. 

غير أن أغلب الدول الأفريقية في تلك العقود كانت أنظمة اشتراكية، حتى انهيار الاتحاد السوفيتي. تراجع الاهتمام الدولي بالقارة لعقد من الزمان، حتى عاد الاهتمام الأمريكي بالقارة كساحة للحرب على الإرهاب في مطلع الألفية. وفي تلك الأثناء التي حافظت فيها الصين على التغلغل الهادئ للقارة، خاصة مع رغبتها في الحفاظ على الأسواق ومصادر المواد الخام، مع الانفتاح الاقتصادي الصيني في أواخر السبعينات؛ كان الغرب ينظر للقارة بوصفها عبئًا وتكلفة، نظرًا للحاجة إلى تقديم المساعدات الإنسانية لمواجهة الجوع والفقر والمساعدة في تحقيق التنمية.

وفي التسعينيات وأوائل الألفية، كانت الدول الأفريقية المستقلة واقعة تحت فخ الديون والتحديات الاقتصادية التي عانت منها جرّاء المشروطية الاقتصادية وخطط البنك والصندوق الدولي، وكان عليها في ذات التوقيت الالتزام بأهداف الألفية الإنمائية التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 2000.

أضف إلى ذلك وقوع أغلب الدول الخارجة من الاستقلال في الصراعات العنيفة والمسلحة والحروب الأهلية التي اقتضت التدخلات الدولية في صورة عمليات حفظ السلام، حيث كانت السمة الغالبة للأنظمة الأفريقية هي سيطرة الحزب الواحد على السلطة، وهو في الغالب الحزب الذي خاض حرب التحرر والاستقلال ضد المستعمر، وكذلك بقاء أغلب الزعماء الذين خاضوا معارك الاستقلال على رأس السلطة، بما أوقع الدول المتحررة في ظروف صعبة للتطور والتنمية.

تحولات السياق وتعاظم الطموحات

وفقًا لذلك السياق الدولي والمحلي، سعى القادة الأفارقة في قمة سرت في ليبيا 1999 إلى تحويل منظمة الوحدة الأفريقية إلى الاتحاد الأفريقي، وتم إقرار القانون التأسيسي بالفعل في قمة ديربان في جنوب أفريقيا عام 2002. 

فبعد أن أدت منظمة الوحدة الأفريقية هدفها الرئيس بتحقيق الاستقلال لكافة الدول الأفريقية، رأى القادة الأفارقة ضرورة وضع مبادئ وأهداف جديدة تستجيب لتحديات القرن الحادي والعشرين. فسمح ميثاق الاتحاد الأفريقي على سبيل المثال للمنظمة بالتدخل في الدول الأعضاء في حالات التهديد، بما سمح لها الانضمام لحفظ السلام في الدول التي تعاني من الصراعات. 

وعلى الجانب الآخر، ارتأى القادة الأفارفة ضرورة الارتقاء بدور المنظمة من هيمنة أزمات الأمن والاستقرار إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فتم الاتفاق على إدماج معاهدة الجماعة الاقتصادية الأفريقية في هياكل الاتحاد الأفريقي.

وفي ذكرى اليوبيل الذهبي واحتفاءً بمرور خمسين عامًا على ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، أطلق الاتحاد الأفريقي عام 2013 “أجندة الأهداف الأفريقية 2063″، لتعظيم الطموحات والأهداف الجماعية الأفريقية والعمل الأفريقي المشترك.  ووضع الاتحاد الأفريقي أهدافًا طموحة تتعلق بتحقيق الازدهار والنمو الشامل والتنمية والحكم الرشيد، وتلك التي تتعلق بالتواصل بين الشعوب والدول، وإحياء التراث والثقافة الأفريقية، وغيرها من الأهداف التي تتعلق بإسكات البنادق والقضاء على الصراعات، وما يتعلق بتحقيق التعاون الاقتصادي القاري والتنمية الاقتصادية الأفريقية.

والمشترك في كافة الأهداف هو الملكية الوطنية للتنمية، حيث ارتكز ميثاق المنظمة وكذلك أجندة التنمية على إشراك الشعوب الأفريقية في عملية تنمية القارة. وفي ظل تعاظم أهمية القارة على الساحة الدولية، وتكالب الدول عليها من جديد، فإن الأهداف الأفريقية المرتكزة على تعظيم مكانة أفريقيا على الساحة الدولية وتعظيم التعاون الأفريقي المشترك من أجل تحقيق التنمية الأفريقية يجب أن تحتل الاهتمام الجماعي الأفريقي، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالتعاون مع القارة في مواجهة أزماتها الأمنية، فإن الدول الأفريقية عليها تحقيق متطلبات الأمن وكذلك متطلبات التنمية.

فرغم الأهداف الطموحة التي انطلقت منها المنظمة وأجندة التنمية الأفريقية، لا يزال الاتحاد الأفريقي أمامه الكثير من أجل تحقيق الأهداف الأفريقية؛ فعلى الرغم من الطموحات المتعلقة بإسكات صوت المدافع في 2020، فإن الظاهرة الأمنية أصبحت مركبة ومعقدة في القارة مع تداخل الإرهاب الدولي مع الصراعات المحلية في أغلب مناطق القارة. 

فضلًا عن أن المنظمة نفسها لا تزال حتى اليوم غير قادرة على تشكيل قوات أفريقية مشتركة دون إذن مجلس الأمن الدولي، وولايتها على عمليات حفظ السلام في القارة راجعة إلى تفويض مسبق من مجلس الأمن. وبعض الدول التي حققت تقدمًا حثيثًا في مؤشرات التحول الديمقراطي باتت تشهد ارتدادًا في الديمقراطية مع تصاعد موجات الانقلاب والتغيير غير الدستوري في الحكم. 

وعلى الجانب الاقتصادي، استطاع العديد من الدول تحقيق مؤشرات نمو مرتفعة، إلا أن أغلب الاقتصادات الأفريقية لا تزال تعاني من أزمات هيكلية. ولعل إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية، يمثل نقطة انطلاقة ولمحة تفاؤل في سبيل تحقيق التعاون الاقتصادي الأفريقي، في ظل التحديات التي يعاني منها الاقتصاد العالمي، وتصاعد المؤشرات التي تفيد بأهمية تحقيق التعاون الاقتصادي الإقليمي في القارة، منبع الموارد والمواد الخام، على خلفية تعطل سلاسل الإمداد في جائحة كورونا وما تبعها من الحرب الروسية الأوكرانية. 

مجمل القول، لا بد من أن يأتي يوم أفريقيا ليذكر الأفارقة بما حققوه وما يجب أن يحققوه على مسيرة الأمن والتنمية؛ إذ يتعين أن تترافق مع فكرة التعاون خطوات ومساعٍ نحو التنمية والتعاون المشترك يسعى نحوه الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى