مصرروسيا

آفاق أرحب للعلاقات: خصوصية المشاركة المصرية في القمة الروسية الأفريقية الثانية

تستضيف مدينة “سان بطرسبرج” الروسية يومي 27 و 28 يوليو أعمال القمة الروسية الأفريقية الثانية التي تعد خطوة مُهمة نحو تعزيز الشراكة بين روسيا ودول القارة الأفريقية، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات. ومن المتوقع أن يساعد هذا التعاون في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في دول القارة، وفي نفس الوقت يتيح لروسيا فرصًا للتوسع في الأسواق الأفريقية وتعزيز وجودها الاقتصادي على المستوى الدولي.

هذا وتأتي تلك القمة في الوقت الذي تشتد فيه حِدة الأزمات الدولية؛ إذ تُعاني دول القارة من أزمات اقتصادية وغذائية طاحنة، خاصة مع إعلان روسيا انسحابها من اتفاقية تصدير الحبوب الأسبوع الماضي، واستمرار التداعيات السلبية للأزمة الروسية الأوكرانية على العالم أجمع وخاصة الدول الأفريقية. مع تطلع دول القارة لتعزيز التعاون وتنمية العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا.

وانطلاقًا من هذه القمة، سنتطرق إلى طبيعة العلاقات المصرية الروسية، وكيف تطورت خلال السنوات الأخيرة، وصولًا إلى المشاركة الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة بعد أن شارك في القمة الأولى التي عُقدت في منتجع سوتشي في 2019.

علاقات وثيقة

يصادف عام 2023 الاحتفال بمرور 80 عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين مصر وروسيا، التي تتسم بأنها على درجة عالية من الأهمية، بالإضافة إلى كونها تاريخية وعميقة وتشمل كافة المجالات تقريبًا، بما يمكننا من تصنيفها على أنها علاقات ذات “طبيعة استراتيجية”، فدائمًا ما ينظر إلى روسيا على أنها شريك سياسي وأمني وتنموي لمصر.

وقد اكتسبت العلاقات المصرية الروسية زخمًا كبيرًا خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة وأن لدى البلدين رؤى مشتركة فيما يتعلق بالحوكمة العالمية بجوانبها السياسية والاقتصادية، لاسيما مبادئ الاحترام المتبادل بين الدول والمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحق كل دولة في اختيار النموذج التنموي الذي يناسب ظروفها، وتأكيد مركزية دور الأمم المتحدة في النظام الدولي الحالي والتسوية السلمية للمنازعات.

وتُعد مصر كذلك واحدة من الدول المهمة لروسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ نظرًا إلى كونها تضم العديد من المراكز السياسية والاقتصادية والثقافية الرائدة في المنطقة، فضلًا عن مكانة مصر الكبيرة في العالم الإسلامي. وتعد مصر أحد الشركاء الرئيسين لروسيا الاتحادية في منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، انطلاقًا من علاقات التعاون الوثيقة بين الجانبين منذ أربعينيات القرن الماضي، وخاصة إبان تولي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومشاركة روسيا في العديد من المشروعات الاستراتيجية الكبرى في مصر حينها، وصولًا إلى الزيارة التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2015 وحضر خلالها مراسم توقيع اتفاقية لبناء محطة الطاقة النووية “مشروع الضبعة”.

فقد كانت ثورة 30 يونيو 2013 نقطة تحول كبيرة في علاقة مصر بروسيا، وتحديدًا منذ الزيارة التي تمت في 14 نوفمبر 2013 وقام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي –وقت أن كان وزيرًا للدفاع-، الأمر الذي بدا أنه مؤشر على تحول مهم في السياسة الخارجية المصرية، ثم تعددت الزيارات المتبادلة بين الجانبين على كافة المستويات. ومنذ هذا الوقت، توثقت العلاقات المصرية الروسية؛ إذ زار الرئيس عبد الفتاح السيسي موسكو عدة مرات.

ورغم ما قد يشوب العلاقات المصرية الروسية من بعض التوترات أحيانًا مثلما حدث بعد سقوط الطائرة الروسية في سيناء عام 2015 وكذا بعد موقف مندوب موسكو لدى الأمم المتحدة في جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن سد النهضة في 8 يوليو 2021، إلا أن الجانبين يتداركان هذه التوترات سريعًا؛ انطلاقًا من عمق العلاقات التي تجمع البلدين. وتتحدد طبيعة العلاقات المصرية الروسية باتفاقية “الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي” التي وقعها الرئيسان عبد الفتاح السيسي وفلاديمير بوتين في أكتوبر عام 2018 ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2021.

وتُشارك مصر بشكل منتظم في منتدى سانت بطرسبرج الاقتصادي الذي يعقد سنويًا في روسيا. والتي تستعرض مصر من خلاله فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع روسيا، وتقوم بتوقيع العديد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم مع روسيا في مجالات الطاقة والنقل والسياحة. وتستخدم مصر المنتدى كفرصة لجذب استثمارات روسية إلى السوق المصرية. وبشكل عام تُعد مشاركة مصر إيجابية وفعالة في هذا المنتدى الذي يعزز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

الموقف المصري من الأزمة الأوكرانية

تميز الموقف المصري مُنذ بداية الأزمة الروسية الأوكرانية بالحياد، والدعوة إلى التمسك بمبادئ الأمم المتحدة، ولم تنحز لأي من الطرفين، بل اتسمت السياسة الخارجية المصرية بالدعوة إلى نبذ التهديد أو استخدام القوة في العلاقات الدولية، واللجوء إلى الوسائل السلمية لحل المنازعات، واحترام سيادة الدولة الوطنية ووحدة أراضيها، مع التأكيد وحث طرفي النزاع التوصل لتسوية سلمية للأزمة والجلوس على طاولة المفاوضات. 

وسعت مصر إلى دعم الجهود الدولية الرامية لحل الأزمة، ويتمثل موقف مصر من الحرب الروسية الأوكرانية في محاولة لعب دور إيجابي لوقف الاقتتال وتشجيع الحل الدبلوماسي بين طرفي الصراع. وتتويجًا لهذا الدور، شارك رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي في يونيو 2023، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، فى الزيارة التى قام بها الوفد الأفريقي لكل من أوكرانيا وروسيا، وذلك ضمن وفد رؤساء المبادرة الأفريقية المشتركة للمساهمة في تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية؛ وضم وفد المبادرة الأفريقية المشتركة رؤساء: جنوب أفريقيا، والسنغال، وجزر القمر، وأوغندا، وزامبيا، وممثل عن جمهورية الكونغو، بالإضافة إلى مصر .

والتقى الوفد الأفريقي كلًا من الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” والرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، وأكد رئيس الوزراء المصري أن الموقف المصري يتبنى نهجًا يؤكد على ضرورة التحرك مع كافة الأطراف من أجل التوصل الى حلول سياسية وسلمية للمشكلات التي أدت إلى اندلاع هذه الحرب، ومعالجة جذورها. وأن مصر تتواصل مع كافة الشركاء الدوليين للعمل على حشد الجهود الدولية لنزع فتيل الأزمة، ووقت التصعيد المتبادل.

مُشاركة الرئيس السيسي في القمة الروسية الأفريقية 

في عام 2019، شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الروسية الأفريقية التي عُقدت في مدينة “سوتشي” الروسية. وكان الهدف من القمة هو “تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين روسيا والدول الأفريقية”، وتعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين. وشارك في القمة قادة وممثلون عن 43 دولة أفريقية، وتمحورت المحادثات حول عدد من المواضيع المهمة، بما في ذلك تعزيز التجارة والاستثمار بين روسيا والدول الأفريقية، وتعزيز التعاون في مجالات مثل الطاقة والتعليم والصحة والتكنولوجيا.

وشارك الرئيس السيسي في العديد من الجلسات الرسمية للقمة، وعقد لقاءات ثنائية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعدد من زعماء الدول الأفريقية المشاركين في القمة. وقد عكست مشاركة الرئيس السيسي في هذه القمة الأهمية التي تعطيها مصر للتعاون مع روسيا والدول الأفريقية، وتعزز دور مصر في تعزيز العلاقات الدولية والتعاون الإقليمي.

ومن المتوقع أن يتناول الرئيس السيسي على هامش القمة الثانية وجهة النظر المصرية حول تطورات الازمة الأوكرانية، والدفع نحو إيجاد حل سلمي للأزمة. ومن المتوقع أيضًا أن يتطرق الرئيس إلى أزمة الغذاء، وسيعرض مع القادة الأفارقة التداعيات السلبية للأزمة على القارة الأفريقية، ومحاولة التوصل مع روسيا لإيجاد حل لتلك الأزمة، خاصة بعد انسحاب روسيا من اتفاقية تصدير الحبوب، وربط عودتها للاتفاقية مقابل تنفيذ عدد من شروطها في هذا الصدد.

توقعات القمة الثانية

  • أولًا: على الصعيد الأفريقي:

بشكل عام، يمكن توقع أن تهدف القمة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين روسيا والدول الأفريقية، وتعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين. ومن المتوقع أن تتطرق القمة لتبادل النقاشات حول مواضيع مثل: التجارة، والاستثمار، والطاقة، والتعليم، والصحة، والتكنولوجيا، وتعزيز التعاون في هذه المجالات. ومن المتوقع أيضًا أن تتطرق إلى قضايا أخرى مثل الأمن والاستقرار في القارة الأفريقية، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. فضلًا عن التركز على الاحتياجات والمصالح المشتركة لجميع الدول المشاركة في القمة. 

ويتوقع أن يتناول القادة الأفارقة الحديث عن أزمة الغذاء وتداعياتها السلبية على مواطني القارة الأفريقية، وحث روسيا على مواصلة إمداد القمح لتلك الدول. خاصة وأن انسحاب روسيا من اتفاقية تصدير الحبوب يشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن الغذائي في أفريقيا، وستكون له آثار اقتصادية واجتماعية سلبية على القارة، منها ارتفاع أسعار الحبوب والسلع الغذائية في الأسواق الأفريقية والعالمية، ما يزيد من مخاطر نقص الغذاء والمجاعات في أفريقيا.

  • ثانيًا: على صعيد العلاقات الثنائية

عقب وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مدينة سانت بطرسبرج، التقى بالرئيس “بوتين”، الذي أشاد بالدور المهم للرئيس المصري في إطلاق النسخة الأولى من القمة في عام 2019، وما هدفت إليه من دعم وتعميق العلاقات المتميزة والتاريخية بين القارة الأفريقية وروسيا، بالإضافة إلى تعزيز التشاور بين الجانبين حول كيفية التصدي للتحديات المشتركة، مع تقديره لدور مصر كركيزة أساسية للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وأكد الرئيس الروسي متانة الشراكة المصرية الروسية والتطور المستمر في العلاقات الثنائية، وهو ما توج بتوقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

ومن جانبه، أكد الرئيس السيسي أهمية العمل على بلورة نتائج فعلية وعملية من القمة الروسية الأفريقية لصالح الشعوب الأفريقية بالمقام الأول، باعتبار أن القمة تستهدف إرساء التعاون المستدام بين روسيا والدول الأفريقية، معربًا في هذا الصدد عن استعداد مصر لتعزيز مختلف أوجه التعاون الثلاثي بين البلدين في القارة الأفريقية.

واستعرض الرئيسان القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتبادلا وجهات النظر بشأن عدد من النزاعات القائمة فى منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها تطورات الأوضاع في السودان وسوريا وليبيا، والقضية الفلسطينية، حيث توافقت الرؤي على دفع الجهود من أجل استعادة وترسيخ الأمن والاستقرار والسلام لدول المنطقة، وعلي نحو يحافظ على وحدة وسيادة أراضيها وحقوق شعوبها المشروعة. 

وكذلك قام الرئيس بوتين بإحاطة الرئيس السيسي بمستجدات الأزمة الروسية الأوكرانية، وفي هذا السياق أكد الرئيس المصري دعم مصر لكافة المساعي التي من شأنها سرعة تسوية الأزمة سياسيًا بشكل سلمي من أجل الحد من المعاناة الإنسانية القائمة، وإنهاء التداعيات الاقتصادية السلبية على دول العالم خاصة الدول النامية والأفريقية، والحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين.

هذا ومن المتوقع أن تُكلل هذه القمة بتوقيع البلدين لعدد من الاتفاقيات في العديد من المجالات مثل: التجارة، والاستثمار، والطاقة، والزراعة، والصناعات الثقيلة، والفضاء، والثقافة، والدفاع والأمن، ومكافحة الإرهاب. سواء على الصعيد الثنائي أو مع دول أفريقية أخرى؛ بما يدعم البنية التحتية والتنمية الاقتصادية في القارة الأفريقية. وتعد هذه الخطط مهمة لتعزيز العلاقات بين البلدين وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، وتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في كل منهما.

وفي الأخير، تعد القمة الروسية الأفريقية الثانية خطوة مهمة نحو تعزيز الشراكة بين روسيا والدول الأفريقية، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات. ومن المتوقع أن يساعد هذا التعاون في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الدول الأفريقية وتشجيع التجارة والاستثمار بينهما، مع توفير فرص لروسيا للتوسع في الأسواق الأفريقية وتعزيز وجودها الاقتصادي على المستوى الدولي.

+ posts

باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية

أحمد السيد

باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى