الأزمة الأوكرانيةروسيا

موسكو الغائب الحاضر في فعاليات “منتدى دافوس 2022”

بعد عامين من القيود التي فرضتها جائحة “كوفيد-19″، وما ترتب عليها من تحديات ألقت بظلالها على انعقاد الكثير من المؤتمرات والاجتماعات في العالم، عاد هذا العام منتدى “دافوس الاقتصادي العالمي” للانعقاد خلال الفترة من 22 إلى 26 مايو 2022. تحت عنوان؛ “التاريخ يقف عند نقطة تحول السياسات الحكومية واستراتيجيات الأعمال”، وذلك في منتجع “دافوس” السويسري، بحضور أكثر من 2500 من مسؤولي السياسة والأعمال والمجتمع المدني بحثًا عن حلول للمشكلات الدولية، واستضاف أكثر من 450 جلسة نقاشية.

تزامن توقيت المنتدى هذا العام مع تحديات جمة يُعاني منها العالم، منها تبعات الحرب الروسية الأوكرانية على سلاسل التوريد، وإمدادات الطاقة والأمن الغذائي، وقضية المناخ. الأمر الذي جعل هذه النسخة من المنتدى هذا العالم بمثابة النسخة الأكثر أهمية منذ عقود. 

جدير بالذكر أن “المنتدى الاقتصادي العالمي” والمعروف اختصارًا بـ “منتدى دافوس” ومنذ أكثر من 50 عامًا، كان بمثابة منصة عالمية؛ حيث يجتمع قادة الدول ورجال الأعمال والحكومات والمنظمات الدولية وقادة المجتمع المدني، فضلًا عن الأوساط الأكاديمية، وذلك لمعالجة القضايا المحورية في بداية كل عام.

كانت دومًا اجتماعات دافوس للنخب السياسية والمالية والشركات العالمية تأتي لرمز إلى عصر العولمة، لكن وفي الوقت الراهن وفي خضم الأحداث العالمية التي تصبغ العالم، بات العديد من المشاركين في تلك النقاشات على قناعة بأن عصر العولمة قد انتهى، وأن زوال العولمة تسارع بسبب الحرب الروسية الأوكرانية. 

أجندة دافوس 2022

https://english.news.cn/20220527/f2fbd7bcc28a41528146da5feead164c/20220527f2fbd7bcc28a41528146da5feead164c_b44eef5c-1653-4fe8-ad8c-5ddb974f12f9.jpg

ألقت الحرب الروسية الأوكرانية بظلالها على أجندة أعمال المجتمعين في “دافوس” 2022، لكن في السياق ذاته، لم يتم إغفال القضايا العالمية الأخرى، كقضايا البيئة والتكنولوجيا والمخاطر المناخية، ودارت أجندة دافوس هذا العالم حول ستة موضوعات أساسية تتعلق بتعزيز التعاون العالمي والإقليمي، وضمان تحقيق الانتعاش الاقتصادي، وتشكيل ملامح حقبة جديدة من النمو، وبناء مجتمعات صحية وعادلة للجميع، وحماية المناخ والغذاء والطبيعة، ودفع التحول الصناعي، وتسخير قوة الثورة الصناعية الرابعة.  

كما فرضت الظروف الفريدة المحيطة بهذا الاجتماع السنوي؛ أهدافًا واضحة وأكثر أهمية من أي وقت مضى، ومن أهم هذه الأهداف الآتي:

  • كيفية مواجهة التحديات العالمية من أزمة فيروس كورونا المستجد، وتغير المناخ إلى التعليم والتكنولوجيا العالمية وتسريع التقدم.
  • توفير منصة للتواصل، وبالتالي تعزيز وتوليد الأفكار والابتكارات الجديدة، وإشراك الأفراد وأصحاب المشاريع الراغبين في مشاركة مساهماتهم أمام الجميع، من خلال البث المباشر للجلسات الحوارية للمنتدى.

غياب روسي

على مدى أكثر من 30 عامًا، كانت روسيا تُشارك بشكل منتظم في جلسات منتدى دافوس الاقتصادي، لكن هذا العام وعلى إثر التدخل الروسي في أوكرانيا منذ نهاية فبراير 2022، لم تتم دعوة روسيا أو أيً من المسؤولين الحكوميين أو رجال الأعمال للمشاركة في المنتدى، الأمر الذي حدا بالبعض للحديث عن تفكك النظام العالمي، وتجدد المنافسة بين القوى العظمى. 

وردًا على استبعادها من حضور المنتدى أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانًا، أكدت فيه أن استبعاد وفد بلادها يُثبت أن المنتدى -وهو منظمة دولية غير حكومية تعمل كمنظمة مستقلة ومحايدة وغير مرتبطة بأي مصالح خاصة-  قررت إنهاء اتفاقيات الشراكة مع الروس لصالح واشنطن، وأضاف البيان أن مثل هذا “النهج المتعنت قد يشير إلى تحرك المنتدى نحو تحوله إلى نادٍ حصري لمصالح دول مختارة، كما أكدت روسيا أن لدى موسكو الكثير من المنصات الكافية لمناقشة قضايا الساعة الخاصة بالتنمية الاقتصادية العالمية والتعاون الدولي على أساس الانفتاح والثقة والاحترام المتبادل، وانتقد البيان الروسي حقيقة أن منظمي المنتدى قدموا منصة لمسؤولي نظام كييف، الذين استغلوا هذه الفرصة لأغراض دعائية صريحة.

لكن على الرغم من غياب “موسكو” عن الجلسات النقاشية لمنتدى دافوس هذا العام، إلا أن موسكو كانت “الغائب الحاضر” في كل الفعاليات، حيث سيطرت على كافة الجلسات الحوارية للمجتمعين في المنتدى الاقتصادي العالمي.

سيطرة الحرب الروسية الأوكرانية 

سيطرت الحرب الروسية الأوكرانية، على أجندة حوار “دافوس 2022″، حيث ألقى الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” كلمة عبر الفيديو، شكر فيها المجتمع الدولي على دعمه لأوكرانيا، لكنه دعى للمزيد من الدعم حتى تتمكن أوكرانيا من تحقيق النصر والمساعدة في إعادة إعمار كييف بعد الحرب. كما دعا “زيلينسكي” إلى فرض عقوبات “قصوى” و “انسحاب كامل للشركات الغربية من السوق الروسية”، مدرجًا بعض العقوبات التي يعتقد أنه ينبغي فرضها على روسيا بسبب جرائمها ضد أوكرانيا وشعبها، ودعا الدول الغربية إلى فرض حظرٍ نفطي على روسيا وعقوبات على جميع مصارفها والتخلي عن قطاع تكنولوجيا المعلومات التابع لها، بينما حضّ جميع الشركات الأجنبية على مغادرتها. كما حذر الدول الغربية من أن ضياع قيم الحرية يعني أن الجميع سيخسر في النهاية، وليس أوكرانيا وحسب.

في السياق ذاته، أكد المجتمعون على أهمية التأكيد على ضمان الوحدة الأوروبية، مع الدعوة لاستمرار روح التعاون، وتقديم مزيد من الدعم كييف لمواجهة ما وصفوه بالعدوان الروسي.

في سياق آخر، أوضح البروفيسور “كلاوس شواب”، رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، أن العدوان الروسي على أوكرانيا سيُنظر إليه في كتب التاريخ في المستقبل على أنه انهيار لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما بعد الحرب الباردة، وأضاف أن التاريخ يمر بنقطة تحول كبيرة، ودعي للتضامن مع الشعب الأوكراني ضد ما وصفه بالفظائع التي يقوم بها الجيش الروسي في أوكرانيا. 

وفيما يتعلق بمسألة إعادة الإعمار، دعا زيلينسكي، الدول إلى المساعدة في إعادة إعمار البلاد بعد الحرب، موضحًا أن الخسائر تتجاوز النصف تريليون دولار، كما استخدم زيلينسكي كلمات “جورج مارشال”، محذرًا من التهديد الوشيك المتمثل في “الجوع والفقر واليأس والفوضى” كنتيجة ثانوية لعدوان روسيا، ليس فقط على الشعب الأوكراني، ولكن على الكثيرين حول العالم. وأن الحل في أزمة الغذاء الراهنة يتطلب “رفع الحصار” عن الموانئ الحيوية بأسرع ما يمكن. 

في سياق آخر، تصدّرت التهديدات المتعددة للاقتصاد العالمي مخاوف كبار رجال الأعمال المشاركين في منتدى “دافوس” إذ أشار البعض إلى “خطر ركود عالمي”، وتسببت الزيادات في الأسعار في تقويض ثقة المستهلكين واضطراب الأسواق المالية العالمية، مما دفع البنوك المركزية، بما في ذلك مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة.

في الوقت نفسه، أدّت التداعيات على أسواق النفط والغذاء وعمليات الإغلاق لمكافحة كوفيد-19، إلى تفاقم الأزمات وتعقدها. واتهم الكرملين، الغرب بالتسبب في أزمة الغذاء العالمية بفرضه أشد العقوبات في التاريخ الحديث على روسيا بسبب العملية العسكرية في أوكرانيا. وكانت أسعار القمح قد ارتفعت في الأسواق الأوروبية إلى مستوى غير مسبوق، متأثرة بالأزمة الروسية الأوكرانية. 

في الأخير، يمكن القول، إن المنتدى الاقتصادي هذا العام، انطلق في ظل تحديات جمة، أبرزها الحرب في أوكرانيا، بالإضافة إلى أزمتي الاقتصاد والطاقة العالميتين، وأزمة المناخ، وغيرها من الأزمات. لكنًّ التركيز الأكبر للمنتدى هذا العام انصبَّ على تداعيات الحرب في أوكرانيا، وعلى الرغم من تغييب روسيا عن المنتدى، إلى أن المجتمعون اتفقوا على ما يبدو إلى محاصرة موسكو، والعمل على تقييد دورها الإقليمي والعالمي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى