روسيا

قلق روسي جِراء التقارب التركي الأوكراني

تنظر تركيا إلى الأزمة الأوكرانية باعتبارها تُمثل فرصة جديدة باتجاه استعادة علاقتها مع دول المحيط الأطلسي، وذلك في ظل حرص الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” على تحقيق التوازن في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. 

وإبان التصعيد الأخير بين موسكو وكييف لم يتوان الرئيس التركي في إظهار دعمه –وبشكل صريح- لأوكرانيا؛ إذ استضاف نظيره الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” في “أنقرة”، وشدّد على دعم تركيا لوحدة أراضي أوكرانيا، بل وتطلُّع بلاده إلى الانضمام لحلف شمال الأطلسي، كما تعهد “أردوغان” ونظيره الأوكراني بمواصلة تعاونهما العسكري.

دلالات التقارب التركي الأوكراني وتداعيات ذلك على العلاقات التركية الروسية

بعد المحاولة الانقلابية في تركيا عام 2016، حدث تقارب كبير في العلاقات بين تركيا وروسيا؛ إذ لعب الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” دورًا مهمًا في إظهار دعمه لـ “أردوغان”، وذلك من خلال اتصال هاتفي بالأخير ليلة الانقلاب، عرض فيه المساعدة الروسية على أنقرة، في الوقت الذي كان فيه معظم القادة الغربيين يلتزمون الحياد.

هذا التقارب أحدث توترًا في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، لا سيَّما مع إيواء الأخيرة لـ “فتح الله جولن” الذي تتهمه تركيا باعتباره العقل المدبر للانقلاب. 

التحول في العلاقات التركية الروسية

مؤخرًا، اتسمت العلاقات التركية – الروسية بالتعقيد؛ حيث اعتمدت بشكل كبير على العلاقات الشخصية بين الزعيمين وليس على الإطار المؤسسي.

ويمكن وصف العلاقات بين الدولتين باعتبارها نوعًا من “التعاون التنافسي”، وذلك نتيجة استمرار الجانبين في تنسيق السياسات المشتركة بينهما، مع سعي كلٍ منهما لإنشاء مناطق نفوذ مستقلة عبر دعم الأطراف المتصارعة في النزاعات، وهو الأمر الذي تجلّى في سوريا وليبيا والقوقاز.

وفي الحالة الأوكرانية؛ دعمت تركيا استقلال أوكرانيا منذ البداية، وعارضت ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وإن جاءت الانتقادات التركية لروسيا حذرة للغاية؛ رغبةً من تركيا في ألَّا تصبح أوكرانيا مصدرًا للتوتر في العلاقات بينها وبين روسيا، وهو ما جعلها تُقدِّم لأوكرانيا الدعم السياسي فقط وليس العسكري في صراعها مع القوات المدعومة من روسيا، مع الحرص على النأي بنفسها عن العقوبات المفروضة على روسيا، غير أن هذه التوجهات التركية شهدت تحولًا في الفترة الأخيرة، وهو ما قد يرجع إلى رؤية تركيا لأوكرانيا كعنصر توازن في علاقاتها مع القوى العظمى، ولا سيَّما في مواجهة روسيا. 

أهداف تركيا من دعمها لأوكرانيا

تركيا تتطلّع إلى النفوذ الذي تحظى به أوكرانيا لدى للغرب، تزامنًا مع تطلعات “أردوغان” لإصلاح العلاقات مع كلٍ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

كما تحاول تركيا اصلاح ومعالجة نقاط التوتر العديدة في العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، بدءًا من قضية شراء تركيا لأنظمة الصواريخ روسية الصنع من طراز  ” (S-400) في عام 2019، والتي دفعت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عليها وفقًا لقانون “مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات”، والمعروف باسم قانون “كاتسا” (CAATSA)، ووصولًا إلى التوترات التي تشوب العلاقات بين تركيا وشركائها الآخرين في حلف الناتو، والذين ينظرون إلى تركيا بعين الحذر بعد تحركاتها أحادية الجانب في شرق المتوسط منذ صيف عام 2020.

الأمر الاّخر أنه وفي ظل تعثُّر الاقتصاد التركي، وتراجع شعبية الرئيس “أردوغان” داخليًّا، بات النظام التركي يدرك أن تطبيع العلاقات مع الحلفاء الغربيين، هو السبيل الوحيد والمخرج الاّمن لتحسين الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها تركيا، وتخفيف العزلة الدولية المفروضة على البلاد.

كما تأمل تركيا أن يلقى دعمها لأوكرانيا استحسانًا من جانب الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، لا سيَّما وأنه في ظل هذا الدعم أصبح بإمكانها الترويج لنفسها كشريك لا غنى عنه في حلف الناتو؛ لمناوئة التدخلات الروسية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.

كما أن أحد أهم الأسباب التي تقف وراء التقارب التركي – الأوكراني، هو اهتمام تركيا بتطوير صناعاتها الدفاعية المحلية، وذلك في الوقت الذي تخضع فيه لعقوبات جعلتها تواجه صعوبة نسبية في التعامل مع الموردين الغربيين فيما يتعلق بالتكنولوجيا الدفاعية الحساسة، مما يجعلها في حاجة إلى خبرة أوكرانيا في هذا المجال، ولا سيَّما في ظل حاجة الأخيرة إلى الطائرات التركية بدون طيار.

تجدر الإشارة إلى الصفقة التي شملت بيع ست طائرات تركية بدون طيار من طراز “بيرقدار” (Bayraktar) إلى أوكرانيا في عام 2019، والمفاوضات التي جرت بين البلدين حول كيفية الإنتاج المشترك لسفن كورفيت، وطائرات نقل عسكرية من طراز (AN-178)، وتوقيع الجانبين على اتفاقية في عام 2020، بشأن الإنتاج المشترك لمحركات التوربينات، بما في ذلك المحركات الخاصة بالطيران العسكري.

وعلى الجانب الآخر، تنظر أوكرانيا إلى العلاقات مع تركيا باعتبارها مفيدة للجانبين؛ مما جعلها تسعى لتوثيق تلك العلاقات على مدار السنوات الماضية، ومع اتجاه روسيا لتعزيز تواجدها العسكري في شبه جزيرة القرم، يمكن أن تصبح تركيا شريكًا أمنيًّا رئيسًا لأوكرانيا في منطقة البحر الأسود، لا سيَّما في ظل عضوية تركيا في حلف الناتو.

تحذيرات روسية

حذرت الخارجية الروسية من تداعيات قيام حلف الناتو ومن ضمنه تركيا بتزويد أوكرانيا بالأسلحة.  كما طلبت من أنقرة التخلي عن اتخاذ أي خطوات من شأنها تحفيز ما وصفتها بالتطلعات الانتقامية لدى أوكرانيا. مُعتبرة أن تزويد كييف بالأسلحة والطائرات المسيرة لا يسهم في تسوية الصراع بالطرق السلمية.

قلق روسي

يتزايد قلق روسيا من التقارب الوثيق في العلاقات بين تركيا وأوكرانيا، لا سيَّما مع بروز دعوات مؤخرًا من جانب المقربين من الرئيس التركي “أردوغان” بإلغاء اتفاقية “مونترو” لعام 1936، والتي تضمن حرية مرور السفن الروسية عبر المضائق التركية، وهو ما أثار غضب روسيا رغم نفي “أردوغان” لذلك. 

فضلاً عن أن قرار روسيا في أبريل 2021، بوقف تدفق السياحة إلى تركيا، وجّه ضربة كبيرة لقطاع السياحة التركي الذي يعاني بالفعل من جرّاء الوباء، علاوة على دعوة روسيا لتركيا إلى التوقف عن تزويد أوكرانيا بالمعدات العسكرية. 

كما أن تطلع أنقرة في أن تصبح لاعبًا رئيسًا في جنوب القوقاز. كان موضع قلق من قِل الرووس، فعندما اندلعت الأعمال العدائية بين أرمينيا وأذربيجان في الآونة الأخيرة بمنطقة “ناجورنو كاراباخ”، قامت تركيا بتقديم الدعم العسكري لأذربيجان، ما أعطى لها الثقة بتحول ميزان القوة لصالحها، حيث أرسلت أنقرة مقاتلين من مدينتي عفرين وإدلب في شمال شرق سوريا إلى الخطوط الأمامية في “ناجورنو كاراباخ”، كما انخرطت القوات الجوية التركية في الصراع؛ حيث أرسلت تركيا مروحيات هجومية من طراز “إف 16″ و”تي 129” إلى أذربيجان لإجراء مناورات مشتركة.

كما تجاهلت تركيا دعوات وقف إطلاق النار من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، وروسيا بشكل خاص؛ حيث وجه المتحدث باسم الكرملين “دميتري بيسكوف” أصابع الاتهام بشكل غير مباشر إلى أنقرة بشأن انخراطها العسكري في النزاع.

يمكن تفسير دخول أنقرة على خط الأزمة ودعمها لأذربيجان بأنه رغبة من “أردوغان” في السعي لتعزيز مكانة بلاده بجعلها لاعبًا رئيسيًا في جنوب القوقاز، وهو الأمر الذي يُقلق موسكو، والذي من مصلحتها استقرار الأوضاع في هذه المنطقة، حيث إن الصراع المجمد بين الطرفين يصب في صالح تعزيز نفوذ روسيا في هذه المنطقة.

في سياق أخر، ينتاب روسيا قلق كبير من تنازل أنقرة عن “منظومة الدفاع الروسية “S-400” لصالح “واشنطن” وذلك عندما ألمحت تركيا باستعدادها للتخلي عن منظومة الدفاع الروسية “S-400” التي تستعد لنشرها، وذلك إذا أوقفت الولايات المتحدة دعمها للقوات الكردية التي تعتبرها “أنقرة” تهديدًا للقومية التركية.

وفي هذا الصدد، يُذكر أنّ الجيش التركي قد اختبر إطلاق بطاريات “S-400” في أكتوبر 2020، فيما لم يتم تفعيل استخدامها بشكل رسمي حتى الآن، وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تصنيع الأسلحة التركية، كما قامت بتعليق دورها في تصنيع مقاتلات “F-35″، كرد فعل على شراء منظومة الدفاع “S-400” الروسية.

لكن الحكومة التركية مستعدة لتقديم تنازلات، مثل الموافقة على الاستخدام المحدود لصواريخ”S-400” الروسية المضادة للطائرات، من منطلق حرص “أنقرة” على تأمين الإمدادات المستقبلية من قطع الغيار لأنظمة أسلحتها -أمريكية الصنع-، بالإضافة إلى تجنب الإضرار باقتصادها.

ختامًا، يمكن القول إن تداعيات التقارب بين تركيا وأوكرانيا على العلاقات التركية – الروسية سيتوقف على مستقبل العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، وهو ما ستتضح معالمه خلال الاجتماع المرتقب بين “بايدن” و”أردوغان” في قمة حلف الناتو في يونيو 2021، وحتى ذلك الحين، من المتوقّع أن يستمر “أردوغان” في دعم أوكرانيا؛ أملًا في أن يُسهم ذلك في تخفيف بعض التوترات في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى