الأمريكتانروسيا

توقعات كبيرة ومخرجات هزيلة.. قراءة في قمة جنيف

التقى الرئيسان الروسي “فلاديمير بوتين”، والامريكي “جو بايدن” في 16 يونيو في العاصمة السويسرية جنيف، في أول قمة لهما بعد تولي جو بايدن رئاسة البيت الأبيض، جاءت القمة في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين تدهورًا حادًا، كما وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ عقود. 

نُظر إلى الاجتماع على أنه محاولة من كلا البلدين لمناقشة أبرز النقاط الخلافية، ووضع قواعد أساسية لتخفيف التوترات خاصة في أعقاب سلسلة من الهجمات الإلكترونية تنسبها الولايات المتحدة الامريكية إلى قراصنة روس، إضافة للطرد الدبلوماسي المتبادل، فضلاً عن العقوبات الأمريكية ضد روسيا بسبب اتهامها بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، إضافة للعديد من القضايا الخلافية بين البلدين.

أسفرت القمة عن وضع بايدن قضايا ومجالات التعاون بين الرئيسين في ثلاث مجموعات: 

الأولى: شملت تلك المجالات التي تشترك فيها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في مصالح مشتركة ويمكنهما العمل معًا والتي تشمل التغيرات المناخية، وإيران، والقطب الشمالي، والحد من التسلح، بالإضافة إلى اتفاق مبدئي لاستئناف المحادثات المتوقفة، وكخطوة أولى في هذا الصدد، اتفق الزعيمان على إعادة سفيريهما إلى واشنطن وموسكو بعد استدعائهما للتشاور في وقت سابق من هذا العام، خاصة بعدما وصف الرئيس الأمريكي نظيره الروسي بـ “القاتل”.

الثانية: تطرقت لمسألة الهجمات الإلكترونية وسلامة أراضي أوكرانيا، وحذر بايدن الرئيس الروسي من أن الولايات المتحدة ستحمي مصالحها ومصالح حلفائها، بشأن الهجمات الإلكترونية أو سلامة أراضي أوكرانيا، وردًا على ذلك نفي بوتين حشد روسيا القوات في أوكرانيا، وفيما يتعلق بالقرصنة يرى بوتين أن روسيا الضحية الرئيسة للقرصنة.

الثالثة: شملت مجال حقوق الإنسان، وفي هذا الشأن أعرب بايدن أن بلاده ستدافع دائمًا عن القيم العالمية، موضحًا أن احترام حقوق الإنسان والحريات بمثابة “الحمض النووي” للولايات المتحدة الأمريكية. وحذر من “عواقب وخيمة” إذا مات أليكسي نافالني “زعيم المعارضة” الروسي في السجن. كما أشار بايدن إلى مسألة احتجاز مواطنين أمريكيين اثنين في روسيا، “هما بول ويلان وتريفور ريد”. وفي هذا السياق هاجم بوتين الولايات المتحدة، موضحًا انها تُدعم جماعات المعارضة في روسيا لإضعاف البلاد، لأنها تنظر لروسيا كخصم. وأشار إلى أن واشنطن ليست في وضع يسمح لها بإلقاء محاضرات على موسكو بشأن حقوق الإنسان.

وبعد اجتماعات استمرت قرابة الأربع ساعات، عقد الرئيسان مؤتمرات صحفية منفصلة، حيث وصفوا القمة بأنها مثمرة وحددوا مجموعة محدودة من المجالات لمزيد من المناقشة خاصة ما يتعلق بالأمن السيبراني وتبادل السجناء. 

نتائج هزيلة

قُبيل القمة ومع وصول العلاقات الأمريكية الروسية إلى أدنى مستوى لها منذ الثمانينيات، عًّول البعض عن أن قمة جنيف يُمكن أن تشهد انفراجة وقد يتخللها بعض المفاجآت، خاصة أن قُطبا القمة اثنين من ذوي الخبرة الطويلة في الشؤون الدولية. لكن مُخرجات القمة جاءت متواضعة للغاية، إذ اتفق الطرفان على إعادة سفراء كلاً منهما، وأكدا على أهمية “الحوار الاستراتيجي” بما يعني أن تكون هناك محادثات منتظمة بين الجانبين. وفي الواقع فإن هذه الأمور كان يُمكن التوصل إليها من خلال مكالمة هاتفية بين الرئيسين. لكن النتائج في النهاية كانت هزيلة للغاية مٌقارنة بحجم التوقعات من قِبل البعض. 

قمة جنيف.. لم تأت بجديد

في الأسابيع التي سبقت عقد هذه القمة، توقع مسؤولو الكرملين ونظرائهم الأمريكيون أن سقف الطموحات المتعلق بالقمة سيكون منخفضًا، وهو ما تبيًّن في تصريحات المتحدث باسم الكرملين “ديمتري بيسكوف” والتي أشار فيها إلى صعوبة التوصل إلى تفاهمات جادة بشأن الخلافات العميقة بين البلدين في اجتماع واحد فقط.

وبعد القمة يُمكن القول إن نتائجها لم تتجاوز سقف تلك التوقعات. إذ يُمكن القول إن اجتماع جنيف لم يُحرز تقدم ملموس، تناول اللقاء فقط مناقشة الخلافات المشتركة، مع تأكيد الجانبين على أنهم لا يريدون حربًا باردة جديدة. واتفاقهما على بدء حوار حول الحد من التسلح النووي. 

المحادثات استغرقت أربع ساعات منها ساعة فقط بين الرئيسين – وهو أقل مما كان مُقررًا – ولم يكن هناك ما يشير إلى توصلهما إلى اتفاق بشأن قضايا، مثل الأمن السيبراني وأوكرانيا ومصير زعيم المعارضة الروسي “أليكسي نافالني” الذي يقضي حاليًا عقوبة بالسجن لمدة عامين ونصف في سجن جنائي. 

أضاف بوتين أن روسيا لا تريد اضطرابات على أراضيها مُماثلة لأعمال الشغب في “الكابيتول هيل” أو حركة “بلاك لايفز ماتر”، ورفض بايدن تعليقات بوتين حول حركة “بلاك لايفز ماتر”، ووصفها بأنها “سخيفة”، وصرّح بأن حقوق الإنسان ستكون دائمًا مطروحة على الطاولة.

أما فيما يتعلق بالهجمات الإلكترونية، تجاهل “بوتين” الاتهامات الموجهة إلى روسيا، قائلاً إن معظم تلك الهجمات نشأت من داخل الولايات المتحدة.

أهمية القمة للزعيمين

بالنسبة للرئيس الروسي: استفاد بوتين من القمة كونه يٌقابل رئيس أكبر دولة في العالم، وذلك في أول جولة خارجية له، منذ توليه السلطة، الأمر الذي يعني اعترافًا ضمنيًا بروسيا “كقوة عظمى” وكل هذا يبعث برسالة إلى الشعب الروسي مفادها أن روسيا لا تزال على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبإمكانها لعب دور الواثق في القضايا الدولية. 

يُمكن القول أيضًا إن القمة أفادت روسيا حيث عكست خروج روسيا من ركودها في التسعينيات، لتصبح قوة عظمى لا يستهان بها، كما أكد البعض أهميتها في وضع أسس التفاوض بين البلدين، كما أن القمة ترسي أساسَا جديدًا من الاحترام المتبادل بين القيادة السياسية للبلدين.  كما حقق بوتين انتصارًا تكتيكيًا خلال القمة، خاصة مع إعادة تأكيد الرئيس الأمريكي دعم واشنطن لصيغة مينسك المتعلقة بحل النزاع بشرق أوكرانيا. 

وفي السياق ذاته، ترك الرئيس الروسي الباب مفتوحًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأبدى تعاونًا خاصة، واستعدادًا لإجراء محادثات في المسائل ذات الصلة بالأمن السيبراني والأسلحة النووية، والخلافات الدبلوماسية، وتبادل الأسرى، مٌعربًا عن تفاؤله بتحقيق نتائج إيجابية. لكنه كرر أن الكرملين لا يرى أن السياسة الداخلية أمر قابل للتفاوض أو المناقشة.

بالنسبة للرئيس الأمريكي: استفاد بايدن من القمة من خلال استثماره لبعض من رأس المال السياسي في الداخل الأمريكي، فقد كانت أهم رسالة سياسية خاصة به إلى بوتين هي أنه لن يتسامح مع المزيد من الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الأمريكية الحيوية، وحددا لبوتين قائمة بالمجالات الحيوية، التي يجب أن تكون بعيدة عن الهجمات السيبرانية.  فضلاً عن تحذيره للرئيس الروسي خاصة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان. وفي المؤتمر الصحفي أوضح أنه “فعل ما جاء لأجله”، ومُعربًا عن تفاؤله من أن بوتين لن يسعى لتصعيد التوترات بين البلدين، كما أوضح أنه إذا استمرت روسيا في انتهاك ما أسماه القواعد الأساسية “للسلوك المسؤول”، فإنه سيكون للولايات المتحدة حق الرد. 

ملاحظات على القمة

أولاً: على الرغم من ثناء الزعيمين على الأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء، إلا أن تلميح بايدن لروسيا بالتوقف عن الهجمات الإلكترونية، واحترام حقوق الإنسان، يُظهر أن البلدين لا يزالان منقسمان بشدة حول تلك القضايا على الرغم من نفي بوتين ادعاءات بايدن.

ثانياً: استمرت القمة لساعة واحدة فقط بين الرئيسين، ورغم رغبة الولايات المتحدة في استمرارها لفترة أطول، إلا أن رغبة روسيا كانت خِلاف ذلك، فبالنسبة للرئيس الروسي يبدو أن دلالة لقاءه بشكل منفرد مع الرئيس الأمريكي أكبر من مناقشة القضايا الخِلافية بينهما.  

ثالثًا: انعقدت القمة في وقت بالغ الأهمية، حيث جاءت في ذروة حشد القوات العسكرية الروسية على الحدود الأوكرانية، كما انعقدت في ظل اتهامات أمريكية لروسيا بشن هجمات سيبرانية. ما يُمكن القول إن قرار القمة كان مدفوعًا بالضغط الروسي، وليس وفقًا لتخطيط استراتيجي مٌسبق. 

رابعاً: عقد كلا الرئيسين مؤتمرًا صحفيًا منفصلاً، وهو في حد ذاته إشارة على انخفاض التوقعات من القمة، استمر الرئيس بوتين في مؤتمرًا صحفيًا لمدة ساعة، تحدث فيه بأريحية كبيرة، وعرض لوجهة نظره في العديد من القضايا دون أن يُقاطعه أحد. ويبدو أن هذه الخطوة كانت مقصودة من قِبل البيت الأبيض لحرمان الزعيم الروسي من منصة دولية مثل تلك التي تمتع بها خلال قمة 2018 في هلسنكي مع الرئيس دونالد ترامب.

خامسًا: لم يقدم أي من الجانبين تفاصيل حول كيفية تطور محادثات الأمن السيبراني المخطط لها، على الرغم من أن بايدن أخبر بوتين أن البنية التحتية الحيوية يجب أن تكون “محظورة” على الهجمات الإلكترونية، قائلاً إن ذلك يشمل 16 قطاعاً لم يحدده علناً.

سادسًا: في بيان مشترك صدر بعد الاجتماع، أكد الرئيسان التزامهما بتجنب الحرب النووية وأعلنا عن خطط لاستئناف محادثات الاستقرار الاستراتيجي لإرساء الأساس لمفاوضات مستقبلية للحد من الأسلحة.في الأخير، يٌمكن القول إن عامل الوقت سيظل هو المحدد الرئيس لمدى نجاح قمة “جنيف” في غرس بذور الحوار الموضوعي، وسد الفجوة السياسية الواسعة التي تراكمت بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل وجود العديد من الموضوعات العالقة بين الجانبين، من بينها مكافحة التغيرات المناخية، وقضايا الحد من التسلح، فضلاً عن أزمة “دونباس” المستمرة في شرق أوكرانيا، وكذلك الصراع الأيديولوجي الأكبر حول حقوق الإنسان والسيادة الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى