أوروباروسيا

أوكرانيا.. بؤرة توتر تاريخية بين موسكو والغرب

تدهورت العلاقات بين كل من روسيا وحلف شمال الأطلسي “الناتو” خلال السنوات القليلة الماضية. ومن بين الأسباب الأساسية لهذا التدهور ميل الناتو للتوسع نحو الشرق، واختلال التوازن بشكل كبير في إمكانيات روسيا وحلف الناتو، وتدهور نظام الحد من التسلح، فضلًا عن تطوير البنية التحتية العسكرية للناتو بالقرب من الحدود الروسية. 

ودخلت العلاقات الروسية الأوروبية في أزمة حقيقية خلال الشهور الماضية عندما قامت بروكسل بطرد ثمانية دبلوماسيين من المعتمدين في البعثة الدبلوماسية الروسية لدى حلف شمال الأطلسي، مُتهمة إياهم بالقيام بأنشطة استخباراتية مشبوهة لصالح موسكو تتضمن التجسس والاغتيالات. لكن الرد الروسي جاء سريعًا، عندما قامت موسكو بتعليق عمل بعثتها لدى الحلف وإغلاق مكاتب حلف الناتو في موسكو، وإغلاق مكاتب الاتصال العسكري والمعلومات التابعة للحلف في موسكو.

وعلى صعيد أزمة المهاجرين بين بيلاروسيا وبولندا مؤخرًا، اتهمت الدول الأوروبية روسيا بأنها العقل المدبر للأزمة للتسبب في أزمة مهاجرين أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، لكنًّ روسيا نفت أي تورط في الأحداث، وألقت باللوم على أوروبا، ودعت إلى إجراء مناقشة حول المشاكل الحالية، مع ضرورة إجراء اتصالات مباشرة بين ممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا.

وبناءً على ما تقدم، يبدو أن الطرفين الروسي والأوروبي يسيران في طريق تصعيد متوازٍ، وكلًا منهما يسعى إلى تشديد الخِناق أكثر على الآخر، الأمر الذي يُنبئ بمزيد من التصعيد المُستمر بين الكرملين والدول الأوربية.

ولأكثر من عقدين من الزمن، عمل الناتو على بناء شراكة مع روسيا، وسعى إلى تطوير الحوار والتعاون العلمي معها في المجالات ذات الاهتمام المشترك. لكن ومنذ العام 2014 وردًا على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا؛ تم تعليق التعاون العلمي مع روسيا، فيما استمرت قنوات الاتصال السياسية والعسكرية بين الطرفين. 

ومؤخرًا، أثار حشد القوات العسكرية الروسية على الحدود مع أوكرانيا، قلق الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وشاركتهم الولايات المتحدة الأمريكية القلق من أن روسيا قد تنوي غزو أوكرانيا قريبًا.  فهل هناك احتمالية لتفاقم العلاقات بين روسيا وحلف الناتو وانتقالها إلى صراع مسلح بين الطرفين؟ وهل تكون أوكرانيا مسرحًا لحرب بين روسيا ودول الحلف؟ هذا ما سنحاول التطرق إليه في السطور التالية.

أوكرانيا.. القضية الأبرز في الخلافات الروسية الأوروبية

منذ قرون وأوكرانيا تظل نقطة مهمة من نقاط التوتر بين موسكو والغرب؛ إذ تستاء موسكو من ميل أوكرانيا نحو الغرب وبالتحديد منذ الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا “فيكتور يانكوفيتش” عام 2014، بجانب أن تطلعها الحالي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي جعلها النقطة الساخنة الرئيسية في العلاقات المتدهورة بين روسيا والغرب.

في هذا السياق، أثار حشد القوات العسكرية الروسية الأخير على الحدود مع أوكرانيا، قلق الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وشاركتهم الولايات المتحدة الأمريكية القلق من أن روسيا قد تنوي غزو أوكرانيا قريبًا. 

حشد القوات الروسية جاء ردًا على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية القوات الأوكرانية بالتدريب والأسلحة المضادة للدبابات، لاستخدامها في القتال ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق البلاد. وفي سبتمبر 2021 أجرت القوات الأوكرانية مع قوات من حلف شمال الأطلسي مناورات عسكرية مُشتركة. وهو الأمر الذي أزعج موسكو خاصة مع اقتراب تلك المناورات التي استخدمت فيها قاذفات غربية ذات قدرات نووية من الحدود الروسية في منطقة البحر الأسود على مسافة12 ميل من الحدود الروسية، وهو الأمر الذي تراه موسكو تجاوزًا –للخط الأحمر-

الأمر الآخر الذي أثار قلق موسكو، يتعلق باحتمالية انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، ففي عام 2008 أعلنت الدول الأعضاء في التحالف أن “أوكرانيا ستصبح عضوًا في الحلف”، وهو موقف أعادوا التأكيد عليه هذا العام. ومنذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في شرق البلاد في عام 2014، ازداد الدعم الشعبي في أوكرانيا لعضوية الناتو.

وكانت روسيا قد قامت في عام 2014، بضم شبه جزيرة القرم بالكامل، وذلك في أعقاب حركة الاحتجاج الموالية لأوروبا التي أطاحت بنظام الرئيس الأوكراني حينذاك “فيكتور يانوكوفيتش”، وصعدت روسيا من خطابها القومي، حيث صورت مناطق أوكرانيا على أنها جزء طبيعي وتاريخي من روسيا الكبرى، وأدانت بشدة أي تحركات من أوكرانيا تجاه الغرب.

تحركات روسية

لم تسفر تحركات القوات الروسية السابقة بالقرب من الحدود الأوكرانية عن وقوع صدام أو صراع مُسلح، لكن يبدو أن المعلومات التي قامت بجمعها الاستخبارات الأمريكية هذه المرة توحي بأن روسيا تنوي لعمل عسكري. وكذا، بات حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا على اقتناع هذه المرة بالمعلومات الأمريكية، وربما يكون ذلك نابعًا من مصدر ثقتهم في الإدارة الأمريكية الحالية في البيت الأبيض. 

المعلومات الاستخباراتيه الأمريكية أشارت إلى أن عشرات الآلاف من الجنود الروس –قُدر عددهم بـ 90 ألف جندي- قد تم نقلهم بالفعل بالقرب من الحدود الأوكرانية. الأمر الذي فسرته الولايات المتحدة الأمريكية بقيام روسيا في أقرب وقت بعبور الحدود والقيام بعمل عسكري في أوكرانيا. 

ويُتوقع أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بفرض حزمة من العقوبات المحتملة في حالة استمرار روسيا فيما تعتبره واشنطن غزوًا روسيًا لأوكرانيا.  في السياق ذاته، يأمل فلاديمير بوتين في إقناع بايدن بأن يتعهد بعدم قبول أوكرانيا في حلف الناتو، خاصة في خِضم سعي الناتو لتوسيع الحلف بضم أوكرانيا، وهو ما ترفضه موسكو.

تحذير أمريكي

على خلفية التصعيد الروسي، طالبت الولايات المتحدة الأمريكية روسيا بالانسحاب من أوكرانيا، مٌهددة بفرض عقوبات قوية إذا تمادت موسكو في مساعيها، فعندما يتعلق الأمر بأوكرانيا فإن الولايات المتحدة لن تتوانى في مساعدتها والرد بحزم، فضلًا عن فرض مجموعة من الإجراءات الاقتصادية عالية التأثير وذلك وفقًا لما أوضحه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين على هامش اجتماع وزراء خارجية دول حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا والذي انعقد في مدينة “ريجا” عاصمة لاتفيا، بشأن كيفية الرد على حشد روسيا لقواتها على الحدود مع أوكرانيا. 

في هذا السياق، تأمل الولايات المتحدة الأمريكية في أن تتمكن من بناء إجماع حول التهديدات الروسية هذه المرة، وذلك لتقوم بفرض عقوبات أكثر حِدة على روسيا، حتى تتجنب موسكو القيام بأي عمل عسكري ضد جيرانها. ورغم رفض الولايات المتحدة لتوضيح العقوبات التي قد تفرضها ضد روسيا، إلا أنها شجعت موسكو وكييف على العودة إلى الدبلوماسية وإحياء خطة سلام 2014 المتعلقة بشرق أوكرانيا.

دوافع موسكو

تُبرر روسيا تصرفاتها الأخيرة بأنها تأتي ردًا على السلوك المهدد من قبل حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا. ويخشى الكرملين أن تسعى أوكرانيا لاستعادة مناطق سيطرة الانفصاليين الموالين لروسيا بالقوة في منطقة دونباس في شرق البلاد. وتنفي موسكو أن يكون لها أي نوايا عدوانية في الأزمة الحالية، لكنها توضح أن أي تحركات من قبل حلف شمال الأطلسي في الشرق ستُقابل برد فعل عنيف. 

وفي هذا السياق، بدأت روسيا تدريبات عسكرية منتظمة في منطقتها العسكرية الجنوبية، التي تقع أجزاء منها على حدود أوكرانيا، وانتقل 10 آلاف جندي إلى مناطق التدريب. وأعلنت حليفتها بيلاروسيا عن مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا على الحدود الأوكرانية.

تتهم روسيا أوكرانيا بزيادة عدد قواتها بالقرب من خط التماس في دونباس، فضلًا عن استخدام الجيش الأوكراني أسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة محظورة بموجب اتفاقية “مينسك 2”. وتريد موسكو “ضمانات قانونية” من الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، بعدم سعي أوكرانيا للانضمام إلى الحلف. إضافة لانتزاع ضمانات من شأنها استبعاد أي تحركات أخرى لحلف شمال الأطلسي في الشرق ونشر أنظمة أسلحة بالقرب من الأراضي الروسية، وهو الأمر الذي يعتبره “الناتو” غير مقبول. 

وردًا على على ما تراه أوكرانيا -مزاعم روسية- بشأن سعى كييف لاستعادة سيطرتها على منطقة دونباس، نفت كييف أي خطة لأي هجوم عسكري في دونباس. موضحة أنها فقط دعايا روسية للتغطية على استعدادات موسكو لشن هجوم مُحتمل، وطالبت أوروبا بالوقوف معها في هذه اللحظة الحرجة.

غضب غربي

اجتمع وزراء خارجية الدول الأعضاء في الناتو يوم الأربعاء 1 ديسمبر 2021 في لاتفيا، الجمهورية السوفيتية السابقة المتاخمة لروسيا، في إشارة إلى تماسك الحلف ودعمه للدول الأعضاء السوفيتية السابقة. 

وردَا على التعبئة الروسية لقواتها على طول الحدود مع أوكرانيا حذر الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” من أن غزوًا روسيًا آخر لأوكرانيا سيكون له “ثمن باهظ”، مضيفًا أن الحلفاء الثلاثين يمثلون معًا أكثر من 50% من الاقتصاد العالمي. لذا فإن أي عدوان روسي ضد أوكرانيا سيكون له عواقب سياسية واقتصادية خطيرة على روسيا.

وفيما يتعلق بمطالبة روسيا من الغرب بضمانات بعدم انضمام أوكرانيا للحلف، أوضح قادة الحلف أن أوكرانيا و30 دولة من حلفاء الناتو فقط هم من يقررون متى تكون أوكرانيا مستعدة للانضمام إلى الناتو وليس لروسيا حق القبول أو الرفض، وليس لروسيا الحق في إنشاء مجال نفوذ للسيطرة على جيرانها. ورفض قادة الحلف المزاعم الروسية من أن الحلف يستفز موسكو بمناورات عسكرية في البحر الأسود.

الخلاصة

يُمكن القول إنه لا يُمكن التنبؤ بما قد يحدث في قادم الأيام، فلا يزال الوضع مرنًا، وهناك تركيز كبير وغير معتاد للقوى العسكرية، يرافق ذلك تصعيد في الخطاب والمعلومات المضللة. وجدير بالذكر أن روسيا استخدمت القوة من قبل ضد أوكرانيا والدول المجاورة الأخرى.

لكن في حال نشوب صراع عسكري بين روسيا وأوكرانيا، لا يتوقع أن ينضم الغرب إلى أوكرانيا، وفي حين أن أوكرانيا قد تطلب المساعدة في شكل أسلحة، لا يتوقع أن تؤدي هذه المساعدة إلى ترجيح نتيجة الصراع لصالح أوكرانيا، ولكنها ستزيد عدد الضحايا من الجانبين. وسيركز الغرب على فرض عقوبات اقتصادية على موسكو.

ومن الناحية العملية، تبدو فرصة انضمام أوكرانيا للناتو ضئيلة في المستقبل المنظور، فمن الصعب أن يُخاطر الحلف بالدخول في مواجهة مع روسيا بشأن كييف. ولم يتضح بعد كيف سيبدو الردع الغربي، لأن أوكرانيا ليست عضوًا في الناتو. قد يكون فرض عقوبات اقتصادية ضد روسيا هو الحل الأمثل، وقد تكون العقوبات هذه المرة أشد إيلامًا من تلك التي فُرضت عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014. وقد تستهدف العقوبات الغربية هذه المرة خط أنابيب “نورد ستريم-2” الذي تم بناؤه حديثًا تحت بحر البلطيق، والذي تحرص روسيا من خلاله على البدء في ضخ الغاز لأوروبا.

لكن في الأخير، نتوقع أنه لا مفر من حلحلة الوضع الراهن من خِلال المحادثات المباشرة من قِبل الغرب مع موسكو، إذ تبدو المحادثات ضرورية لإنهاء الحرب في شرق أوكرانيا والتي خلفت آلاف القتلى، وتظل روسيا الرقم الأبرز فى هذه المعادلة المُعقدة.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى