الأمريكتان

“ذي إيكونوميست”: كيف يعيد “بايدن” تشكيل الدور العالمي لبلاده

عرض – أحمد السيد 

اعتبر تقرير منشور على موقع صحيفة “ذي إيكونوميست” البريطانية  أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس “جو بايدن” تتبع نهجًا مغايرا للنهج الذي اتبعه كلاً من الرئيسين السابقين “دونالد ترامب” و”باراك أوباما”.

وذكر التقرير، الذي تناول السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي جو بايدن بعد مرور 100 يوم من تولي الإدارة الأمريكية الجديدة مقاليد الحكم، أنه مع مرور 100 يوم على تولي “بايدن” سُدة الحكم للبيت الأبيض، تكون اللحظة التي ترغب فيها المؤسسة الأمريكية في اتخاذ إجراءات جديدة قد حانت. ويبدو أن النمط المتوقع في السياسة الخارجية لإدارة الرئيس بايدن يختلف عن النمط الذي اتبعه الرئيسان السابقان “دونالد ترامب”، و “باراك أوباما”.

وأوضح التقرير أنه وعلى الرغم من تأكيد مساعدو بايدن أنهم سيعملون مع “الحلفاء والشركاء”، إلا إنهم يؤكدون على الجانب الأخر أنهم سيكونون “واضحون” بشأن خصومهم. وهذه التأكيدات تأتي في سياق اختلاف كبير عن السياسة التي اتبعها الرئيس الأسبق “باراك أوباما”، والذي نُظر إليه على أنه تعامل بشكل “ساذج” سواء في إطار سعيه لإعادة ضبط العلاقات مع روسيا، أو التفاوض على اتفاق نووي غير كامل مع إيران، فضلاً عن الترحيب بصعود الصين.

وأفاد التقرير أن أسس السياسة الخارجية الامريكية لإدارة بايدن تتجلى بشكل عملي في قراره الأخير بالتخلى عن الحرب التي استمرت 20 عامًا في افغانستان، وذلك إثر قراره بسحب القوات الامريكية بشكل كامل. في هذا الإطار يحاول بايدن التعامل بشكل واقعي حول دور الولايات المتحدة الامريكية العالمي.

ولفت التقرير إلى أن الهدف العام لإدارة بايدن – كما ذكر ذلك أحد مستشاريه- هو السعي إلى “تعزيز نظام عالمي متعدد الأطراف يقوم على القواعد، وتلعب فيه الولايات المتحدة دورًا كبيرًا للتأكد من أن الدول الاستبدادية لا تقوض تلك القواعد”.

في هذا السياق، تسير إدارة الرئيس بايدن في مسارين”

الأول: مقاومة الأنظمة الاستبدادية، والعمل على تقييد طموحاتها الإقليمية، وتدخلاتها العابرة للحدود، فضلاً عن انتهاكاتها المرتبطة بحقوق الإنسان.

الثاني: التعامل مع تلك الأنظمة فيما يخدم المصالح المشتركة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.

في سياق آخر، أفاد تقرير الصحيفة البريطانية أنه مازال على بايدن تعيين الأعضاء الرئيسيين في فريق السياسة الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالفريق الخاص بالتعامل مع روسيا وباختياره السيدة “فيكتوريا نولاند” – مساعد وزير الخارجية السابق للشؤون الأوروبية والأوروبية الآسيوية في وزارة الخارجية الأمريكية – وذلك لشغل منصب مسئول روسيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، فمن المتوقع أن يكون لها دور قوي فيما يتعلق بالسياسة الروسية، لكن لم يتم التصديق على اختيارها من مجلس الشيوخ بعد.

كما احتفظ بايدن بالسفير “جون سوليفان”، الذي عينه ترامب سفيرًا للولايات المتحدة في روسيا، علاوة على ذلك، فإن “بيل بيرنز”، والذي عينه بايدن مديرًا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، كان سفيرًا سابقًا للولايات المتحدة في موسكو. كما أن وزير الخارجية الحالي “أنتوني بلينكين”، كان يشغل منصب نائب مستشار الأمن القومي ثم نائب وزير الخارجية في عهد الرئيس أوباما.

يبدو من هذه الأسماء أن بايدن يعتمد على الأشخاص ذوي الخبرة الطويلة في السياسة الخارجية منذ إدارة أوباما. فضلاً عن أن بايدن نفسه كان عضوًا في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، ونائبًا للرئيس أوباما، وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لم تشهد رئيسًا كان غارقًا في الشؤون الخارجية منذ 30 عامًا مثل الرئيس الحالي جو بايدن.

من وجهة نظر مستشاري بايدن، فإن الفشل الأمريكي في الوقوف في وجه بوتين على مدى السنوات الـ 12 الماضية – يتجلى فيما وصفته السيدة نولاند بـ “ازدواجية وإهمال أمريكا” وهو ما مكن بوتين من التمادي في مغامراته.

هذا التقييم من قِبل مستشاري بايدن قد يُبالغ في التأثير الذي يمكن أن يتوقعه أي شخص من قبِل الإدارة الجديدة في التعامل مع الرئيس الروسي، فنهج هذه الإدارة تجاه روسيا، كما هو الحال مع الصين وإيران، هو مسألة شديدة الحساسية.

وفي مفاجأة غير متوقعة، فرض بايدن الأسبوع الماضي عقوبات على روسيا وذلك بعدما اتهم تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات الأمريكية، روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020 لصالح دونالد ترامب، فضلاً عن الاختراق السيبراني الضخم لشركة ” SolarWinds”، وغير ذلك من الأعمال المسيئة التي تقوم بها روسيا من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية.

في السياق ذاته، أجرى بايدن اتصالا هاتفيا بالرئيس الروسي وحذره من العقوبات الأمريكية قبل يومين من إعلانه عنها. وبعد إعلان العقوبات الأمريكية، أصدر الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أخرى بيانات داعمة للعقوبات الأمريكية.

وصف بايدن العقوبات الأمريكية على روسيا بأنها “مدروسة ومحسوبة”، كما أوضح الأمريكيون أنهم لا يمانعون من تشديد العقوبات على روسيا إذا ما استمرت في تماديها في سياساتها المسيئة، منها على سبيل المثال، منع المؤسسات المالية الأمريكية من شراء السندات المقومة بالروبل، وهذا الأمر أعطى للرئيس بايدن السلطة لتوسيع عقوبات الديون، وهو ما رآه البعض بمثابة تهديد اقتصادي خطير.

لكن في مكالمته الهاتفية مع بوتين، خلط بايدن رسالته في التوبيخ باقتراح عقد اجتماع قمة في أوروبا هذا الصيف، حول قضية الحد من التسلح وقضايا أخرى ذات اهتمام مُشترك. في هذا السياق، أوضح السيد “دانييل فرايد” والذي عمل مساعدا لوزير الشؤون الأوروبية والأوروبية الآسيوية في عهد جورج دبليو بوش وفي بداية إدارة أوباما، إن الرسالة المختلطة كانت رسالة غير عادية ولكن مرحب بها. وأضاف، أن الإدارات الأمريكية كانت تميل إلى الوقوع في فخين في التعامل مع روسيا. إما “إعادة ضبط العلاقات” أو “اتباع خط متشدد في جميع المجالات”، وتابع انه وعلى النقيض من ذلك فإن “فريق بايدن أعطوا لأنفسهم مجالاً للعمل مع بوتين، دون أن يتراجعوا عن توجيه الضربات له”.

تضمنت العقوبات الأمريكية على روسيا عقوبات على 32 شركة وأفراد روسيين وطرد عشرة مسئولين دبلوماسيين روس من واشنطن ردًا على تلك العقوبات قالت روسيا إنها ستطرد عشرة دبلوماسيين أمريكيين وستمنع ثمانية مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين من دخول روسيا. وقال سيرجي لافروف إن روسيا في الوقت الحالي، لن تفرض “إجراءات مؤلمة” على الشركات الأمريكية. وانتقل الروس والأمريكيون إلى مناقشة قمة بايدن المقترحة.

نفس المزيج من الحزم والتقارب هو ما ميز نهج بايدن تجاه إيران والصين. فالرئيس بايدن تعهد خلال حملته الانتخابية بإحياء الاتفاق النووي مع إيران فور توليه السلطة، وهو الاتفاق الذي تفاوض عليه أوباما وألغاه ترامب. ولكن على الرغم من الضغط على بايدن لإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران، إلا أنه خيب آمال الإيرانيين وبعض الحلفاء الديمقراطيين، من خلال عدم رفع العقوبات التي فرضها ترامب على الفور باعتبارها تُمثل “أقصى ضغط”. وقال مسؤول في الإدارة الأمريكية إن الإيرانيين “لديهم توقعات مختلفة من إدارة بايدن”، إذ كانوا يعتقدون أن الرئيس بايدن سيأتي على الفور ويتخذ خطوات أحادية الجانب. لكن المفاوضات بشأن الخطوات المتبادلة مستمرة في فيينا، ولكن بغض النظر عن النتيجة، تخطط الإدارة للإبقاء على بعض عقوبات ترامب بشأن مسائل لا علاقة لها ببرنامج إيران النووي.

كما اتهم بايدن الحكومة الصينية بارتكاب الإبادة جماعية، وفي الوقت ذاته يحشد المعارضة الدولية لانتقاد طموحات الصين في الهيمنة في آسيا. وهذا هو السبب في أن أول زائر أجنبي له إلى البيت الأبيض كان رئيس وزراء اليابان، “سوجا يوشيهيدي”. وبعد اجتماعهما، في 16 أبريل، أصدر الزعيمان بيانا شددا فيه من بين أمور أخرى على “أهمية السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان”. وهو ما وصفته الحكومة الصينية بأنه محاولة لتقسيم المنطقة. في الوقت نفسه، كان مبعوث بايدن للمناخ “جون كيري”، يلتقي بنظيره الصيني في شنغهاي، وعقب اللقاء أصدر الرجلان بإصدار بيانًا مشترك يلزم دولتيهما بالعمل معًا ضد المناخ يتغيرون.

في الأخير، خلص التقرير إلى أن إصدار بيانات مشتركة، مثله مثل الحديث عن اجتماعات القمة، فهي بمثابة تقدم ضئيل مقارنة بإغلاق محطات الفحم أو سحب القوات أو تفكيك الأسلحة النووية أو وقف الإبادة الجماعية. بعد مرور 100 يوم تقريبًا، أظهر بايدن قدرته على اتخاذ قرارات صعبة، كما فعل في أفغانستان. لكن يبقى أمامه الكثير لأنه يسعى لتحقيق ليس فقط توازنًا نظريًا ولكن تنازلات فعلية تُرضى آمال المثاليين وتوقعات الواقعيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى