أوروبا

خطوط الغاز الروسي إلى أوروبا. تؤجج الخلافات بين واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تنظر بعين الرضا إلى المشروع الروسي بمد خطي أنابيب وهما “السيل الشمالي- 2” لمد الغاز الروسي إلى ألمانيا والاتحاد الأوربي و “السيل التركي” لمد الغاز الروسي إلى تركيا. وهما مشروعان استراتيجيان لنقل الغاز الطبيعي الروسي، ويُمثلان أهمية كبيرة لموسكو من ناحية ولدول الاتحاد الأوربي وتركيا من ناحية أخرى.

الولايات المتحدة ينتابها قلق كبير من أن يساعد هذان المشروعان روسيا في إحكام قبضتها على إمدادات الطاقة الأوروبية، مما يقلل من حصتها في سوق الغاز الطبيعي المسيل في المنطقة الأوروبية، ولذا أصدرت الإدارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي في وقت سابق عقوبات على الشركات المُساهمة والعاملة في هذان المشروعان. ومؤخرًا تنوي فرض عقوبات جديدة.

هذه العقوبات قوبلت بردود فعل غاضبة من قبل موسكو ودول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي دفع ألمانيا مؤخرًا إلى التلويح بقيام برلين – وبالتعاون مع الشركاء الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي –  بالعمل كجبهة موحدة ضد الولايات المتحدة وفرض عقوبات على واشنطن. 

وفي السطور التالية سنتناول الحديث عن هذين المشروعين إضافة للتخوف الأمريكي الأمر الذي دفع الولايات المتحدة لفرض عقوبات على الشركات العاملة، كما سنتناول ردود الفعل الروسية والأوربية ردًا على تلك العقوبات.

مشروع “السيل الشمالي-2”

https://lh5.googleusercontent.com/cX2E5NnDKc8lz6zAURJQndzbQ1Y_NzDZ2HBIBpqvnfXtCfa2Xlt66syZskRZx8uZhQ962EGwKVUG-ztHc7d_ve46cNhQOdtRy-tzvJe-MGt-RPb_u9xOxnPfGs8cv3eOUCE_-_ZvjXUxB-IQVQ

السيل الشمالي -2، هو مشروع يقوم على بناء خطي أنابيب بطول 1224كم لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا مباشرة عبر بحر البلطيق دون المرور بأراضي دول ترانزيت، هذا الخط الذي تبلغ تكلفته 9.5 مليار يورو. تبلغ حصة شركة الغاز الروسية “غاز بروم” فيه ما نسبته 50% بينما تمتلك الـ 50% الأخرى خمس شركات أوروبية لكل شركة 10%.

وتشارك حوالي 350 شركة في بناء الرابط البحري، أبرزها شركة Allseas، وشركة Group S.A. إلى جانب شركة “غازبروم” العملاقة، وشركتي Uniper وWinter shall الألمانيتان، وOMV النمساوية، وEngie الفرنسية وShell البريطانية الهولندية.

المشروع تدعمه ألمانيا وتستفيد منه النمسا وإيطاليا، لكن أكبر المعترضين عليه أمريكا التي تعتبر المشروع يقوض أمن واستقرار الطاقة في أوروبا. ومن المقرر أن يشحن خط الأنابيب الجديد ما يقرب من 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا إلى ألمانيا مباشرة، وهو ما يضاعف من سعة خط الإنتاج الحالي، وترى الولايات المتحدة الأمريكية أن الخط الجديد يمثل تهديدًا لطريق العبور الأوكراني الذي كان قائمًا منذ عقود، ما كان يمثل عائدًا لأوكرانيا، وهو ما يعطي روسيا نظريا القدرة على تجاوز أوكرانيا كممر عبور.

مشروع “السيل التركي”

هو مشروع لبناء خطوط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا ودول أوروبية، مرورًا بالبحر الأسود إلى البر التركي، لينتهي عند الحدود التركية اليونانية، حيث يفترض إقامة مستودعات ضخمة للغاز، ومن ثم توريده للمستهلكين في شرق ووسط أوروبا.

أُعلن عنه رسميا في الأول من ديسمبر 2014 من طرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء قيامه بزيارة إلى تركيا. ويتألف المشروع من أربعة خطوط تبلغ قدرتها الإمدادية الإجمالية 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، وتقتصر المرحلة الأولى من المشروع على مد خط وحيد من الخطوط الأربعة بطاقة استيعابية تناهز 16 مليار متر مكعب سوف تذهب كلها لسد احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي.

في ديسمبر 2015 عُلقت المفاوضات بخصوص تنفيذ المشروع بسبب توتر العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وأنقرة عقب إسقاط الجيش التركي مقاتلة روسية قرب الحدود التركية مع سوريا. ثم عاد العمل بالمشروع في مايو 2017، عقب المصالحة بين تركيا وروسيا، واكتملت المرحلة الأولى من خط الغاز.

المشروع انطلق بخطي أنابيب متوازيين يبدآن من محطة “روسكايا” بالقرب من “أنابا” على الساحل الروسي في قاع البحر وعلى مسافة 210 كلم في المياه الروسية ثم 700 كلم في المياه التركية في البحر الأسود وينتهي به المطاف في شمال غرب تركيا حيث يقطع مسافة 180 كلم فوق سطح الأرض وصولًا إلى “إبسالا” ليتم توريده نحو دول جنوب وجنوب شرق أوروبا.. وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخطين 31.5 مليار متر مكعب سنويًا.

وفي 8 يناير 2020 افتتح الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان الأنبوب الأول من “السيل التركي”. هذا ويُعزز مشروع “السيل التركي” الروابط القوية بين موسكو وأنقرة اللتين زادتا أيضا التعاون الدفاعي بعد أن اشترت تركيا أنظمة صواريخ دفاعية روسية متقدمة العام الماضي.

حيث سيسمح لتركيا وروسيا بالتوحد فيما يخصّ سعيهما للابتعاد عن الهيمنة الأميركية والأوروبية، وهو ما يخدم من جهةٍ تركيا التي تعزّز مكانتها كقوة إقليمية ودولية، ويخدم اقتصادها الذي تريده أن يدخل تصنيف الاقتصادات العشرة الأولى في العالم، ومن جهة أخرى يخدم روسيا التي تضع نُصبَ أعينها أسواقًا جديدة أوروبية وآسيوية لا يمكن الوصول إليها دون العبور بالأراضي التركية، كما أن مشروع السيل يساعد على تقوية الحصة السوقية لروسيا في السوق الأوروبية”.

الفوائد الروسية

  • المشروع يفتح طريقًا التفافيًا لتجاوز أوكرانيا التي احتكرت توريد الغاز الروسي عبر خط الغاز الجنوبي طوال الفترة الماضية.
  • تسعى موسكو من خلال هذا الخط لتحجيم دور كييف والحد من تأثيرها بالمصالح الروسية بعد أزمة القرم التي حكمت علاقاتها بموسكو منذ 2014.
  • سيمنح المشروع موسكو فرصة تاريخية لاحتكار تصدير الغاز إلى أوروبا التي ترتفع وتيرة طلبها عليه بشكل مضطرد حتى بلغت في السنوات الأخيرة 450 مليار متر مكعب سنويا.
  • سيعزز تصدير الغاز الروسي لأوروبا من الأراضي التركية العلاقات بين البلدين ويزيد من قدرة الروس على التداخل مع القوى الإقليمية بمشاريع المنطقة، أي أن مشروع “السيل التركي” سيمنح روسيا حلفا جديدا مع تركيا يعزز حلفها مع إيران.

الفوائد التركية

  • باستكمال هذا الخط ستتحول تركيا إلى مركز حيوي لنقل الطاقة نحو أوروبا     
  • سيتيح المشروع لتركيا فرصة الحصول على حصة كبيرة من الغاز الروسي بسعر مخفض، فضلاً عن اقتطاعها لعمولة جيدة من سعر الغاز المتدفق إلى أوروبا عبر أراضيها.
  • سيمنح المشروع تركيا أرضية صلبة لبناء شراكة إستراتيجية مع الروس على قواعد تبادل المنافع الاقتصادية.
  • ووفقًا لخبراء اقتصاديين أتراك فإن أنقرة تريد فرض نفسها كقوة في سوق الطاقة رغم أنها ليست بلدًا منتجا لها، وذلك عن طريق تجميع خطوط الإمداد في أراضيها لتصبح ممرًا استراتيجيًا للغاز والنفط. ستقوم تركيا بجني أموال من ترانزيت الغاز الروسي عبر أراضيها إلى أوروبا.
  • إضافة لتحقيق مكاسب اقتصادية، سيكون لخط الغاز “السيل التركي” أهمية استراتيجية وبُعد جيوستراتيجي حيث سيكتسب البلد قيمة وقدرة تفاوضية أكبر أمام جيرانه وأمام البلد المورد وباقي البلدان المستهلكة للغاز المار عبر أراضيه.
  • وبالتالي فأن تركيا تتحكم في قدر كبير من الطاقة المُصدرة لأوروبا ما يفسر تصاعد ابتزاز أردوغان لدول القارة دون تلقيه ردع كافي، وهي بالضرورة لا تريد أن تخسر مركزها الإقليمي لصالح أي دولة أخرى بالمنطقة لا سيما مصر المرشحة للقيام بهذا الدور مستقبلاً في ظل وقوعها في حوض شرق المتوسط الغني بالخام.

العقوبات الأمريكية

أثار هذان المشروعان، غضب الإدارة الأمريكية كما عارضه النواب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حيث توجد مخاوف لدى إدارة ترامب حيال أن يساعد هذا المشروع روسيا في إحكام قبضتها على إمدادات الطاقة الأوروبية، مما يقلل من حصة الولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المسيل في المنطقة الأوروبية. 

تبلورت العقوبات الامريكية في استهداف السفن التي تعمل في مشروع إنشاء خط “السيل الشمالي 2” والخط الروسي التركي “ترك ستريم”، وتجميد أصول العاملين فيه وإلغاء تأشيرات الدخول الأميركية الممنوحة لهم.

وأثناء توقيع الرئيس الأمريكي في 20 ديسمبر 2019، على قانون الميزانية الدفاعية للعام 2020 أو كما تسمى بـ “قانون إقرار الدفاع الوطني (NDAA)”، فرض عقوبات تستهدف الشركات المساهمة في بناء خطي الأنابيب. وفرض العقوبات ناتج عن مخاوف في الكونغرس بأن يمنح هذا المشروع الكرملين نفوذًا على الحلفاء الأوروبيين.

والعقوبات الأمريكية وفقًا لما جاء في (قانون الميزانية الدفاعية) تتطلب من الجهات التي قامت ببيع أو تأجير أو توفير السفن المشاركة في مد خطوط الأنابيب على عمق أكثر من 100 قدم تحت سطح البحر في إطار بناء “السيل الشمالي-2” و”السيل التركي”، ضمان توقف تلك السفن فورا عن الأعمال المتعلقة بالبناء.

اعتبرت موسكو توجه واشنطن لفرض عقوبات على مشاريع نقل الغاز الروسي انتهاكًا للقانون الدولي ومنافسة غير نزيهة وبسط هيمنة مصطنعة على الأسواق الأوروبية عبر إجبار المستهلكين الأوروبيين على شراء منتوج أغلى وغير قادر على المنافسة، هو غاز طبيعي أكثر غلاء. ورغم العقوبات الأمريكية قررت موسكو المضي قُدمًا في استكمال خطي الغاز “السيل الشمالي-2” و “السيل التركي” 

الموقف الأوربي

مؤخرًا هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات جديدة على “السيل الشمالي – 2” بينما صعد في الوقت نفسه انتقاداته لألمانيا. وقبل عامين، هدد ترامب علنًا بانسحاب الولايات المتحدة من الناتو لأن ألمانيا وحلفاءها كانوا مُستمرين في مشروع “السيل الشمالي -2”. وفقًا لمنطق دونالد ترامب، فإن الولايات المتحدة تدفع للأوروبيين مقابل سلامتهم، وبالتالي يجب على الأوروبيين في المقابل شراء الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، حتى وإن كان بسعر أعلى.

ردًا على هذه التصريحات والتهديدات أدان الاتحاد الأوروبي العقوبات الأمريكية التي تطال الشركات المشاركة في بناء خط أنبوب “السيل الشمالي – 2″، كما أعلنت ألمانيا عن استعدادها للرد إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات إضافية. 

حيث تدرس حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إمكانية الدعوة إلى إجراءات منسقة من قبل الاتحاد الأوروبي إذا استمرت واشنطن في فرض عقوبات على المشاركين في مشروع “السيل الشمالي – 2”. وتستند ألمانيا في إدانتها تلك إلى أنَ العقوبات الأمريكية الجديدة ستضرب الشركات والبنوك والوكالات الحكومية الألمانية والأوروبية.

ففي خطاب للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام البرلمان في 2 يوليو، صرَحت إن برلين تنظر في مشروع “السيل الشمالي -2” من حيث فوائده الاقتصادية وترى أنه من الضروري استكماله. وأضافت أنه على الرغم من العقوبات الأمريكية المهددة، فإن ألمانيا ستدعم استكمال خط أنابيب الغاز الممتد تحت بحر البلطيق. وجادلت بأن العقوبات الموسعة الجديدة التي تتم مناقشتها في واشنطن تتجاوز الحدود الإقليمية، و “لا تتسق مع القانون الدولي”.

ترى ألمانيا أن هذا الأمر يتعلق بالسيادة الأوروبية ولا يحق للولايات المتحدة الامريكية أن تٌقرر شئون أوروبا.

ملاحظات ختامية

  1. يبدو أن سياسة “ضبط النفس” الدبلوماسية لأوروبا قد انتهت، فدول أوروبا ستنظر لمصالحها، وبالتالي من المُمكن قيام ألمانيا والاتحاد الأوروبي باتباع تدابير مُضادة وفرض عقوبات انتقامية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الممكن أن تفرض عقوبات على الغاز الصخري الأمريكي، وربما التلويح بهذا الأمر هو ما يدفع الإدارة الأمريكية للتراجع عن فرض عقوبات على خطي الغاز. لأن هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمها دونالد ترامب على ما يبدو.
  2. بالنسبة لروسيا، فإن هذا الأمر سيخلق فرصًا لتعاون تجاري واقتصادي وسياسي أوثق مع ألمانيا ودول أوروبية أخرى. بالنظر إلى نطاق مشاركة الأعمال الألمانية في مشروع “السيل الشمالي-2” والموقف الشخصي للمستشارة أنجيلا ميركل، فإن هناك احتمالية كبيرة في استكمال خطي الأنابيب وستكون موسكو قادرة على الاستفادة من التناقضات المتزايدة بين الولايات المتحدة وأوروبا.
  3. ربما تتجنب الولايات المتحدة الأمريكية تفاقم التناقضات الموجود بالفعل بينها وبين ألمانيا، وكذلك حلف شمال الأطلسي بشكل عام. على أن تستمر الإدارة الأمريكية في اللعب على وتر “حرب التصريحات” والتلويح بفرض عقوبات على خطي الغاز، وذلك حتى الانتهاء من الانتخابات الرئاسية المٌقبلة والتخفيف من تفاقم الأوضاع الداخلية المتدهورة جراء فيروس كورونا المُستجد. وهذا ربُما ما ستكشف عنه الأيام القادمة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى