الانتخابات الأمريكية

أيهما تُفضل مدارس الفكر الروسية..”ترامب” أم “بايدن”؟

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية المزمع إجراؤها في 3 نوفمبر 2020، تترقب دول العالم أجمع ما ستسفر عنه نتيجة تلك الانتخابات من فوز أي من المرشحين الجمهوري “دونالد ترامب”، أو الديمقراطي “جو بايدن”.

وكغيرها من دول العالم، تعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية أحد أهم الأحداث المؤثرة في السياسة الروسية، وسيكون للنتيجة التي ستسفر عنها تلك الانتخابات تأثير ملحوظ على سياسات “الكرملين” المستقبلية، سواء الداخلية أو الخارجية.

قد يعتقد البعض أن ترامب هو المرشح المُفضل للكرملين في السباق الانتخابي الحالي، وأن انتصار بايدن بمثابة انذار وتهديد للمصالح الروسية الخاصة، لكن في حقيقة الأمر، لا يوجد إجماع داخل صفوف النخبة الروسية الحاكمة بشأن أي من الرشحين سيكون أفضل حال فوزه، وربما يبدو موقف “الكرملين” أكثر تعقيدا مما يعتقده الكثيرون.

لكن بلا شك كان انتصار الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب على منافسته هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 بمثابة مفاجأة سارة للكرملين؛ وذلك لعدد من الأسباب منها:

  • كان خِطابه حول روسيا مختلفًا عن خطاب أسلافه: لا انتقاد، ولا مديح، ولا ترويج للقيم الليبرالية، بل كان يدعو إلى “الانسجام” مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكانت موسكو تأمل في أن يؤدي انتخابه إلى تغيير العلاقات الثنائية بين البلدين.
  • بالإضافة إلى ذلك، حطم ترامب الجبهة المتحدة للغرب، وتشاجر مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي “ناتو”.
  • كما قلص من دور الولايات المتحدة في الصراعات الدولية، وذلك بإيلاء اهتمام كبير بالتركيز على الشأن الداخلي الأمريكي.
  • أوضح ترامب أن الصين هي العدو الرئيسي للولايات المتحدة وليس روسيا.

إذن بدا ترامب شخصًا مرحبًا به من قبل الروس، كما زادت الاحتمالات في إحداث توافق وإبرام صفقة مُشتركة مع روسيا في عهد ترامب.  لكن بحلول عام 2018، كان من الواضح بالفعل أنه لا يمكن الاعتماد على إبرام أي صفقة في عهد ترامب.

وعلى الرغم من مرور أربع سنوات على حكم الرئيس ترامب للولايات المتحدة الأمريكية إلا أن كثيرا من الآمال مع روسيا لم تتحقق، بل فرض عقوبات جديدة، أدت إلى تدمير العلاقات في بعض الأحيان؛ لكن على الرغم من ذلك فإن حلم التوصل إلى اتفاق مع ترامب لا يزال قائما في الكرملين، على الأقل يبدو أن بوتين نفسه يفضل التعامل مع ترامب عن بايدن. وهناك شعور سائد في موسكو بأنه إذا لم يستطع ترامب إخراج روسيا من دوامة المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فلن يستطيع أي رئيس أخر أن يفعل ذلك.

ووفقًا لاستطلاعات الرأي المختلفة تبدو فرص جو بايدن كبيرة في الفوز في السباق الانتخابي المقبل، الأمر الذي يجعل روسيا تبدأ في الاستعداد لهذا الاحتمال، وهذه المرة، تتوخى موسكو الحذر أكثر مما كانت عليه في عام 2016، عندما بذلت جهودًا كبيرة لتشويه سمعة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

موقف “مدارس الفكر” الروسية من الانتخابات الأمريكية

داخل النخبة الروسية، لا يوجد موقف موحد ومتفق عليه بشأن احتمالية فوز أي من المرشحين في الانتخابات القادمة، كما لا يوجد موقف موحد من مخاطر الانتخابات الوشيكة داخل النخبة الروسية. ومع ذلك، هناك العديد من مدارس الفكر الروسية.

  • المدرسة الأولى: أنصار هذه المدرسة يعتقدون أن ترامب هو “رجل” روسيا، والمنتمون لهذه المدرسة يعتقدون أن ترامب، إذا استطاع، سيقدم صفقة جيدة لروسيا، ويبشر بعهد جديد للعلاقات بين البلدين. وكان هذا هو التفكير الذي طغى على أنصار هذه المدرسة حتى يوليو 2018، عندما التقى بوتين بترامب في قمة هلسنكي.
  • المدرسة الثانية: يرى أنصار هذه المدرسة أن “ترامب” هو هدف في حد ذاته، فترامب – وفقًا لهم – يمكن أن يكون أداة لزرع الفوضى داخل الطبقة السياسية الأمريكية وتدمير الوحدة الغربية. وهؤلاء لا يعنيهم أن تحصل روسيا على أي مزايا من خلال المفاوضات. لكن المهم هو أن سياساته المتناقضة والمدمرة تجعل الولايات المتحدة أكثر انكشافًا وهشاشة، مما يمنح روسيا حرية أكبر في السيطرة على المسرح العالمي.
  • المدرسة الثالثة: أنصار هذه المدرسة هم من العاملين في أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية، فهم يرون أن نزوع ترامب إلى الانعزالية فهو لا يتدخل في الشؤون الداخلية لروسيا، أو في النزاعات في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي، أو حتى في سوريا. فهذا يفضلون ترامب أكثر من بايدن لأنه في حال انتخاب بايدن، لا يتوقع أنصار هذه المدرسة حدوث أي انفراج في العلاقات بين البلدين.
  • المدرسة الرابعة: أنصار هذه المدرسة من العاملين في السلك الدبلوماسي وخبراء السياسة الخارجية، فهم يرون مشاكل من رئاسة ترامب أكثر من المزايا. فهم يرون أن عدم القدرة على التنبؤ وانخفاض الكفاءة المهنية للسياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب يشكل تهديدًا ليس فقط للدولة الأمريكية، ولكن للمجتمع العالمي بأكمله، بما في ذلك روسيا. يعتقد الكثير من هؤلاء أن رئاسة هيلاري كلينتون كانت في الواقع ستكون أقل ضرراً لروسيا. لهذا السبب، فإن آمالهم الآن على نجاح بايدن، بصفته سياسيًا من داخل النظام، سيكون لديه سلطة أكبر مما كان عليه ترامب لتنفيذ أي اتفاقيات تم التوصل إليها مع روسيا.
  • المدرسة الأخيرة: ترى أنه كلما كانت العلاقات سيئة مع واشنطن، كانت هناك أسباب أكثر لاتباع أجندة محافظة وقمعية في الداخل، لذلك فهم يفضلون جو بايدن، حيث يبدو أن خطاب المواجهة وانعدام الثقة المتبادل سيتزايد بين الطرفين؛ الأمر الذي سيعطي روسيا حرية أكبر في تشديد قبضتها على شؤونها الداخلية. أرتفع صوت أنصار هذه المدرسة خاصة وسط تسميم السياسي المعارض أليكسي نافالني.

يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية إزاء روسيا خلال عهد الرئيس دونالد ترامب اتَّسمت بالخلل؛ فالتقارب بين الرئيسيْن “ترامب” و”بوتين” أسفر عن تهديد حقيقي للأمن الأوروبي، وهدَّد حلف الناتو، كما حفَّز موسكو على تقوية نفوذها في الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

في المقابل، كان الكونجرس دائمًا متنبِّهًا للتهديدات الروسية؛ لذا اتخذ مواقف صارمة إزاء موسكو، وشدَّد العقوبات المفروضة عليها؛ لتدخلها في الانتخابات الأمريكية في عام 2016، وحربها بالوكالة في أوكرانيا، كما هدَّد مجلس الشيوخ بفرض عقوبات بشأن خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، الذي يستهدف نقل إمدادات الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا، خصوصًا ألمانيا.

كما أن فترة رئاسية ثانية لـ “ترامب” تعني امتدادًا للفترة الأولى؛ إذ إنه من المرجَّح أن يقوم “ترامب” بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان والشرق الأوسط وأوروبا، وأن يسعى لمزيد من التقارب من روسيا ضد الصين، وقد تعني فترته الثانية نهاية لحلف الناتو.

الموقف الروسي حال انتخاب جو بايدن رئيسًا

جعل انتخاب ترامب روسيا رهينة المعركة الدائرة في السياسة الداخلية للولايات المتحدة. والآن هناك أمل في أن يكون لنصر الديمقراطيين ميزة واحدة على الأقل: وهي إبعاد الأضواء عن قضية التدخل الروسي، وبالتالي جعل أي حوار مع روسيا أقل ضرراً للأمريكيين.

في غضون ذلك، حول بوتين انتباهه إلى مبادرات جديدة، تسعى لمناقشة القضايا العالمية الرئيسية في اجتماعات الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وسيتطلب ذلك مشاركة أكثر مسؤولية ومهنية من الولايات المتحدة، وهو أمر سيكون صعبًا في عهد ترامب.

وفي المقابل، فإن “بايدن” ربما ينتهج سياسات أكثر صرامة إزاء روسيا، فهو يراها بمثابة التهديد الأكبر للولايات المتحدة، لكنه لن يتمكن من ذلك بسبب تفاقُم الأوضاع في الداخل، فضلًا عن اهتمامه بدرجة أكبر بالصين، التي تطغى على أي ملف آخر في سياسته الخارجية.

في الأخير، إذا أعيد انتخاب ترامب، فستواصل روسيا الشماتة، والاستفادة من هشاشة السياسة الأمريكية، والاستفادة من الافتقار إلى الوحدة الغربية. ولكن هناك أيضًا شعور تخوف من انتخاب ترامب: من قيامه بتدمير العلاقة الاستراتيجية، والتهديد الذي سيمثله على خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، ووضع روسيا كرهينة للسياسة الأمريكية. كل هذا يعني، أن فوز بايدن لن يكون أسوأ شيء بالنسبة لروسيا.

المصدر:

A Farewell to Trump? Russia’s Elite Braces for U.S. Elections:

https://www.themoscowtimes.com/2020/10/21/a-farewell-to-trump-russias-elite-braces-for-us-elections-a71821

America’s Dysfunctional Russia Policy Is Unlikely to Improve under Biden:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى