أوروبا

بوادر حرب: هل تشهد منطقة غرب البلقان حربًا بين صربيا وكوسوفو؟

يبدو أن العالم على شفا صيف ساخن، فلم يلبث أن تعافى من جائحة كورونا وما ترتب عليها من تداعيات سلبية طالت الجميع؛ حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد المشهد الدولي تعقيدًا وتمتد آثار الحرب للجميع، وما اَلت إليه من تداعيات خطيرة على الاقتصاد والغذاء والطاقة. واليوم يبدو أن بوادر حرب جديدة تلوح في الأفق عنوانها “صربيا وكوسوفو”؛ فبؤرة المخاوف الأوروبية القديمة تعود مرة أخرى إلى الغليان. 

وفي الوقت الذي يقف فيه الأوروبيون عاجزين عن تقديم حل للأزمة المُمتدة مُنذ قرون، تحاول روسيا استغلال الموقف لتوجيه ضربة للناتو في عقر داره، وصرف أنظاره بعيدًا عن أوكرانيا. فما الذي حدث؟ وما هي تداعيات الأزمة الراهنة؟ وهل تتطور الأمور لحرب بين القوات الصربية من جانب وقوات حلف شمال الأطلسي “الناتو” في كوسوفو على الجانب الآخر؟ وما هي ماَلات التصعيد المُحتملة؟ فضلًا عن المواقف الدولية. 

خلفية الصراع

بدأت المُشكلة مع تفكك يوغوسلافيا نتيجة للمشاكل الداخلية، وتسبب ذلك في ظهور العديد من المُشكلات التي لم تُحل بين الأعراق المُختلفة في الداخل اليوغوسلافي. وبعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وُضعت يوغسلافيا على الخط ضمن اتحاد الجمهوريات الست وهم (سلوفينيا – كرواتيا – البوسنة والهرسك – صربيا – الجبل الأسود – مقدونيا) وبالإضافة إلى ذلك أُنشئت محافظتان مستقلتان داخل صربيا وهم “فويفودينا” و”كوسوفو”. وفي داخل “صربيا”، بقي صراع مرير وصدام داخلي مُنذ قرون، ولم يُحل حتى الوقت الراهن. 

ويُعد الصراع في البوسنة والهرسك وحرب كوسوفو خلال تسعينيات القرن الماضي أحد الشواهد الحديثة على التوتر بين العرقية الصربية والعرقية الألبانية في كوسوفو، وهو توتر يعود إلى عِدة قرون؛ فقبل تأسيس يوغوسلافيا بوقت طويل –في العصور الوسطى تحديدًا– كانت الإمبراطورية الصربية تُسيطر على كوسوفو، لكنها فقدت تلك السيطرة لصالح الإمبراطورية العثمانية، ونتيجة لذلك اعتنق العديد من العرقية الألبانية في كوسوفو الإسلام بينما ظل الصرب محافظين على المسيحية.

وكان ذلك بداية الانقسام بين الصرب والألبان، حيث يُشكل الألبان في الوقت الحالي أكثر من 90% من إجمالي سُكان كوسوفو. وفي عام 1912، ضمت صربيا كوسوفو بعد حرب البلقان الأولى، مما أدى إلى استياء واسع النطاق بين السكان الألبان بسبب السياسات الصربية القاسية. 

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تأسست يوغوسلافيا كدولة شيوعية وضُمت كوسوفو إليها، ومُنحت وضع الحكم الذاتي. لكن الألبان استمروا في مواجهة التمييز من قبل الحكومات التي يُهيمن عليها الصرب، ورغم ذلك ظلت كوسوفو إحدى مقاطعات صربيا مع تمتعها بدرجة من الحكم الذاتي.

ومع ذلك، كان الاستقلال الكامل نصب أعين الألبان دائمًا، مما تسبب في حرب عنيفة في كوسوفو خلال الفترة من 1998 و1999 والتي أودت بحياة حوالي 10 آلاف شخص، ودفعت إلى تدخل حلف شمال الأطلسي “الناتو” دفاعًا عن ألبان كوسوفو من القوات الصربية.

ومُنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقات متوترة بين صربيا وكوسوفو التي باتت تحت حماية قوات حفظ السلام. ولكن في العام 2008، أعلنت كوسوفو استقلالها عن صربيا، وعلى الرغم من اعتراف معظم دول العالم باستقلالها؛ ظلت صربيا تراها جزءًا من أراضيها ولم تعترف باستقلالها. وهو سبب جوهري للتوتر بين البلدين الذي بقي مستمرًا حتى عصرنا هذا. 

وكوسوفو بلد صغير يقع في منطقة البلقان في جنوب شرق أوروبا، تحدها ألبانيا ومقدونيا الشمالية والجبل الأسود وصربيا. ومن بين 1.8 مليون شخص يعيشون في كوسوفو، هناك 92٪ ألبانيون و6٪ فقط صربيون، والباقون هم من عرقيات أخرى مثل “البوشناق” و”الأتراك” و”الغجر”. وعلى الرغم من قلة عدد المواطنين الصربيين في كوسوفو، فإن غالبيتهم تتمركز في شمال كوسوفو، وهي المناطق التي تشهد التوترتات الراهنة. 

أسباب التوترات

توترت العلاقات بين الحكومة التي يُهيمن عليها الألبان والأقلية الصربية؛ نتيجة الانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت في كوسوفو الشهر الماضي “أبريل 2023″، والتي شهدت مُقاطعة غالبية السُكان الصرب الذين يعيشون هناك. وقد أسفرت عن انتخاب أربعة رؤساء بلديات من أصل ألباني بنسبة إقبال ضعيفة جدًا قاربت الـ 4%، في انتخابات وصُفت بالمثيرة للجدل.

وعندما حاول الرؤساء المنتخبون الوصول لمكاتبهم، حاول سكان من الصرب منعهم من تولي مناصبهم، والاستيلاء على مباني الحكومة المحلية، الأمر الذي دفع شرطة كوسوفو إلى تأمين الأعضاء، مما أدى إلى اشتباكات عنيفة مع السُكان الصرب الذين اشتبكوا مع قوات حفظ السلام التابعة لحلف شمال الأطلسي، مما أسفر عن إصابة أكثر من 50 من المشاغبين و 30 من القوات الدولية.

رأت صربيا في ذلك تعديًا من شرطة كوسوفو وقوات الناتو على مواطنيها الصرب، وأعلنت أنها لن تسمح بمثل هذه الإجراءات مرة أخرى. ولا يبدو أنها مجرد تهديدات؛ إذ أعلنت حالة التأهب القصوى في الجيش الصربي، وتقدمه نحو الحدود مع كوسوفو، وهو ما دفع رئيس وزاء كوسوفو “ألبين كورتي” للقول إن بلاده سترد على أي عدوان عليها.

وفي ظل انشغال القوى الغربية في المعركة مع روسيا، تتسارع الأحداث في تلك المنطقة من البلقان؛ إذ أكدت صربيا أن الجيش سيبقى قرب الحدد مع كوسوفو، ما يُعيد التوتر إلى منطقة البلقان ويحرك المخاوف من حرب جديدة مُحتملة.

جدير بالذكر أن قوات الناتو المتمركزة في كوسوفو تبلغ نحو 3800 جندي، يشاركون بشكل أساسي في مهام حفظ السلام، ومراقبة الحدود، خاصة تلك المشتركة مع صربيا. وعلى وقع الأحداث الأخيرة، قال الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” إن الحلف أرسل 700 جندي إضافي إلى كوسوفو للمساعدة في إخماد الاحتجاجات العنيفة، ووضع كتيبة أخرى على أهبة الاستعداد في حالة انتشار أعمال الشغب. وبالتالي، فإن أية محاولة من جانب صربيا لإرسال قواتها عبر الحدود تعني صدامًا مع قوات “الناتو” المتمركزة هناك.

الموقف الغربي

ردًا على الاشتباكات الأخيرة، أوضح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أن عدم إدانة مثل هذا العنف الذين اتهموا “بلجراد” بتدبيره من شأنه التسبب في زعزعة استقرار كوسوفو. وبينما تعيش هذه الرقعة على صفيح ساخن، يقف الزعماء الأوروبيون مكتوفي الأيدي غير قادرين على وضع حد لهذه المناوشات حتى الآن.

وقد أصدرت فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في وقت سابق بيانًا حذروا فيه جميع الأطراف من التهديدات أو الإجراءات الأخرى التي يُمكن أن تؤثر على البيئة الأمنية. بما في ذلك حرية التنقل، وأن ذلك يُمكن أن يؤدي إلى تأجيج التوترات أو إثارة الصراع. 

في السياق ذاته، تُبذل جهود دولية بشكل مُستمر لإيجاد أرضية مُشتركة بين صربيا وكوسوفو، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي حتى الاَن. وحتى الاتفاقيات التي تم التوصل إليها في كثير من الأحيان، كان نادرًا ما يتم تنفيذها على أرض الواقع. وعلى وقع الأزمة الراهنة؛ يحاول الأوروبيون التوسط لعقد لقاء بين صربيا وكوسوفو يمنع المنطقة من أي تصعيد قد يخدم روسيا ويهدد وسط أوروبا.

الموقف الروسي

فيما يتعلق بالموقف الروسي، تُعد صربيا من الحلفاء المقربين وشريكًا استراتيجيًا لروسيا، وربما تطلب الأخيرة من بلجراد التسبب في حرب لصرف انتباه الناتو عن أوكرانيا، لذلك هناك احتمال حقيقي للغاية باندلاع حرب أخرى في أوروبا حسب تسريبات أوروبية.

ويُدرك الغرب أن الاشتباك المُباشر مع صربيا يعني استدعاء روسيا إلى داخل أوروبا، وهذا الأمر يبدو غير وارد. ولكن تقارير صادرة عن مراكز صنع القرار الأوروبي توضح أن روسيا تريد من صربيا تشتيت الانتباه الأوروبي وإشعال فتيل القنبلة الموقوتة الصربية.

فضلًا عن أن صربيا -المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي- كانت شريكًا وثيقًا لموسكو لعدة قرون. وبينما صوتت لصالح قرار للأمم المتحدة يدين العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فإنها رفضت الانضمام إلى العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على موسكو. وتُدرك روسيا أن زرع الشق في الصف الغربي سيكون مفيدًا جدًا لها، خاصة في غرب البلقان الذي يبقى دائمًا على شفا صراع جديد، وتتركز معظم الجهود مُنذ سنوات على تجميد الصراعات فيه بدلًا من حله بشكل نهائي.

ويبدو أن الحرب الروسية الأوكرانية قد تشجع صربيا على استخدام وسائل أكثر عدوانية؛ سعيًا وراء مصالحها المحلية، علمًا بأن روسيا ستدافع عنها سياسيًا بكل تأكيد. وهو ما اتضح في تصريحات وزير الخارجية الروسي مؤخرًا خلال زيارته إلى كينيا قائلًا إن “الصرب يقاتلون من أجل حقوقهم في شمال كوسوفو، وأن هناك انفجارًا كبيرًا يلوح في الأفق في قلب أوروبا”.

في سياق آخر، كان هناك قلق أوروبي من أن روسيا قد تستخدم علاقاتها الوثيقة مع صربيا لفتح “جبهة ثانية” في البلقان؛ إذ اقترح رئيس وزراء كوسوفو “ألبين كورتي” أن صربيا مثلها مثل روسيا تحلم أيضًا باستعادة “العالم الصربي” في المنطقة. ومن جانبه، قال الرئيس  الصربي “ألكسندر فوتشيتش” إن كورتي يتصرف مثل “زيلينسكي الصغير”.

وما يُمكننا التأكيد عليه أن روسيا ستعمل على تقديم كافة أشكال الدعم الدبلوماسي والسياسية لصربيا في الأزمة الراهنة، ولكن فيما يتعلق بتقديم روسيا لدعم عسكري لصربيا فيبدو أمرًا غير مُرجح في الوقت الحالي؛ نظرًا لأن روسيا مُنشغلة في حربها مع أوكرانيا والتي قد تمتد لسنوات. 

خطر اندلاع حرب إقليمية

الخطير في الأزمة الراهنة ببين صربيا وكوسوفو أنه في حالة نشوب حرب فإنها لن تقتصر على هذين البلدين؛ فنظرًا للوضع الجيوسياسي للمنطقة فإن نشوب حرب سيدفع عِرقيات أخرى لاتباع المسار ذاته، خاصة في البوسنة والهرسك، فمن المعروف وجود نقاط ضعف عرقية وجيوسياسية مماثلة في البوسنة والهرسك. ومن الواضح أن صرب البوسنة يسعون إلى لانفصال عن البوسنة والهرسك والانضمام إلى صربيا. وبالتالي، فإن التوتر على خط بلجراد – بريشتينا يمكن أن يضاف إلى الأزمة بين بلجراد وسراييفو بسبب نهج صربيا الذي يدعي حماية جميع الصرب.

وفي مثل هذا السيناريو، قد تصبح عودة البلقان إلى “منطقة النزاعات المسلحة”، كما كانت في التسعينيات “حتمية”. ومع ذلك، يجب التأكيد على أن الأمر لا يقتصر فقط على الديناميكيات الإقليمية والخصائص العرقية التي تتميز بها البلقان. لأن المنطقة تأتي في المقدمة كواحدة من أهم منصات المنافسة بين روسيا والغرب.

في الأخير، يُمكن ملاحظة أن التوترات الحالية يُمكن التلاعب بها وبسهولة في الوقت الراهن، أكثر من أي وقت مضى؛ لتحقيق أهداف قوى عُظمى أكبر، بالنظر إلى أن صربيا حليف طويل الأمد لروسيا.  ولا يبدو أن هناك مصلحة حقيقية في الوقت الراهن لحل التوترات وديًا في إطار مُستدام، لذا من السهل إشعال الصراع في غرب البلقان مرة أخرى، والدفع بكلا الطرفين إلى مواجهة حقيقية.

أحمد السيد

باحث ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى