كورونا

فيروس كورونا ودرجات الاستعداد…تحديات صعبة تواجه القارة الأفريقية

منذ ظهور فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” في ديسمبر 2019 في الصين، انتشر على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى إرهاق النظم الصحية وتدهور الاقتصاد العالمي. الأمر الذي دفع بالعديد من الدول والعواصم العالمية لوضع قيود شاملة على الحركة، شملت إغلاق معظم المدارس والشركات. وكان التأثير الاقتصادي لاستراتيجيات “التباعد الاجتماعي ” social distancing” كبيرًا، مما أدى إلى ركود اقتصادي من المتوقع أن يتجاوز في شدته مرحلة الكساد الكبير التي ضربت العالم عام 1929.

وعلى الرغم من أن القارة الافريقية هي الأقل تسجيلًا حتى الآن لحالات الإصابة بالفيروس المستجد مقارنة بأجزاء أخرى من العالم. الأمر الذي يمكن إرجاعه لعدد من الأسباب من بينها ضعف النظم الصحية في معظم البلدان، وعدم قدرة الكثير منها على إجراء اختبارات كشف الفيروس نتيجة لنقص الإمكانيات. إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة في القارة الافريقية الأمر الذي يبطئ من انتشار الفيروس.

لكن بلا شك أن القارة الافريقية ستعاني عاجلًا أم أجلًا من التداعيات السلبية لفيروس كورونا، الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية إلى إصدار إنذار للجميع بأن الخطر بات قريبًا، عندما أعلن المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية الدكتورة “ماتشيديسو مويتي”، في مؤتمر صحفي يوم 23 مارس، “أنه قبل حوالي 10 أيام كان هناك 5 دول متضررة، والآن أكثر من 30 دولة وهذا التطور كان سريعًا للغاية”. 

ونحاول في السطور القادمة إبراز التحديات والتداعيات السلبية لفيروس كورونا على القارة الأفريقية، والفرص التي يمكن استغلالها لمواجهة ذلك.

التداعيات السلبية لفيروس كورونا على القارة الأفريقية

بداية، من غير المحتمل أن تتمتع أفريقيا بتطبيق استراتيجيات التباعد الاجتماعي. ففي الأماكن ذات المستوى المعيشي المرتفع مثل جوهانسبرج أو نيروبي، ربما يتمكن عدد كبير من أطفال المدارس والموظفين من العمل عن بعد خلال هذه الأزمة. لكن أكثر من 70% من سكان أفريقيا – أي حوالي 200 مليون شخص –  الذين يقيمون في أحياء فقيرة ومزدحمة، قد تكون استراتيجية التباعد الاجتماعي مستحيلة بالنسبة لهم.

كما يعيش حوالي 40% من الأفارقة في بيئات تعاني من ندرة المياه، حيث يعد الحصول على المياه النظيفة – ناهيك عن الصابون – عقبة يومية لا يمكن التغلب عليها، وبالنسبة لهؤلاء السكان، فإن مجرد التدابير البسيطة لمنع انتشار الفيروس، مثل غسل اليدين المتكرر، ستكون بعيدة المنال. وبالنسبة إلى 85% من الأفارقة الذين يعيشون على أقل من 5.50 دولارًا في اليوم، فإن التوقف عن العمل سيشكل تهديدًا وجوديًا لحياتهم.

ولا شك أن الدول الافريقية ستعاني بشدة جراء هذا الوباء الذي سيؤثر على الاقتصاد ليس فقط بسبب انهيار التجارة مع الصين، ولكن أيضًا بسبب اعتماد أفريقيا على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وصادرات السلع. كما سيؤثر على المواطنين بشكل كبير وخاصة المواطنين الأكثر ضعفًا، مواطني الأحياء الفقيرة والأشخاص الذين يعانون من فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، والسل.

وعلى الرغم من أن دول افريقيا تحاول بذل قصارى جهدها لتقليل التأثير، لكن ذلك غير كافٍ لأنه يتوقف على مدي استعداد الاّخرين لمساعدة القارة الأكثر ضعفًا.

ومنذ ظهور الفيروس لأول مرة، تنبأ علماء الأوبئة بوضع صعب ستشهده القارة الأفريقية. ففي حين أن الدول الغربية والآسيوية قد تحاول زيادة إنتاجها من الإمدادات اللازمة، فإن الدول الأفريقية لا تملك القدرة المحلية على تصنيع أجهزة التنفس الصناعي أو الأدوية والإمدادات الطبية، إضافة إلى عجزهم عن توفير الموارد الأساسية التي يحتاجونها لتتبع هذا المرض وعلاجه.

أسباب قلة عدد الاصابات في افريقيا…وارتفاع درجات الحرارة 

البعض يُرجع سرعة انتشار فيروس كورونا إلى الظروف المناخية، حيث ينتشر الفيروس بشكل أبطأ مع درجات الحرارة المرتفعة، ولكن مع اقتراب فصل الشتاء في النصف الجنوبي من القارة فمن المتوقع أن يزداد انتشار الفيروس بوتيرة متسارعة. 

والملاحظ أن الفيروسات تنتشر بشكل أكبر في المناطق الباردة.  لكن لا يمكن الاستناد إلى هذا السبب بمفرده لتفسير العدد المنخفض الحالي لحالات الإصابة في البلدان الأفريقية المتضررة. ولكن هناك أسباب أخري منها:

  1. السبب الأول، هو أنه بعد ظهور الوباء في شهر ديسمبر في الصين، تم اتخاذ تدابير لمنع انتقال الفيروس في دول أخرى خارج الصين. وقد سمح ذلك للعديد من البلدان للاستعداد بشكل أفضل.
  2. السبب الثاني، الحالات التي تم تسجيلها في البلدان الأفريقية معظمها حالات حديثة، أو قادمة من الخارج وتم عزل الأشخاص المتضررين.
  3. السبب الثالث، لا تمتلك العديد من البلدان القدرة الكافية على اختبار الفيروسات.
  4. السبب الأخير، تُعد التركيبة السكانية للقارة مصدرًا آخر للتفاؤل. إن فيروس كورونا، على الرغم من كونه معديًا بشكل كبير، لكن أعراضه تنتشر ببطيء بين فئة الشباب – و70 في المائة من سكان إفريقيا تحت سن الثلاثين، ونسبة 4 % فقط من السكان هم في الفئة العمرية الأكثر تعرضًا للخطر فوق 65 سنة. وبالتالي هذه الميزة العمرية لسكان أفريقيا قد تكون هي أكثر ما يٌميزها عن العالمين الغربي والآسيوي اللذين ترتفع فيهما نسبة كبار السن.

يمكن لهذه الأسباب أن تفسر الانتشار البطيء لحالات الإصابة في الدول الافريقية.

اختلاف درجة استجابة الدول الأفريقية للوباء

الدول الأفريقية الصغيرة والمتوسطة الدخل والتي تعتمد على التصنيع بشكل كبير كـ (السنغال ورواندا وبوتسوانا) من المرجح أن تكون في وضع أفضل من الدول الكبيرة (مثل إثيوبيا ونيجيريا)، كونها تتمتع بسيطرة أكبر على حدودها، وهي مجهزة بشكل أفضل لتنفيذ تدابير التباعد الاجتماعي من الدول ذات الأحياء الحضرية الكبيرة وممرات العبور الدولية. 

ومن المحتمل أيضًا أن تتضرر الدول التي تشهد نزاعات (بما في ذلك الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي) والقرى الريفية النائية هناك، حيث تفتقر للخدمات الطبية والكهرباء ومصادر المياه الصالحة للشرب وخدمات الإنترنت. والتخوف من أن ينضم فيروس كورونا إلى قائمة التحديات القاتلة الأخرى التي تعاني منها القارة مثل سوء التغذية وتنامي العنف. وربما تظل العديد من حالات الوفاة الناجمة عن الفيروس في مناطق النزاع والمناطق الريفية غير مشخصة وغير مسجلة.

صعوبة الوصول للمياه…سبب لتفشي كورونا 

إذا أراد المجتمع الدولي القضاء على فيروس كورونا المستجد، فيجب على الحكومات أن تزود السكان بإمكانية الوصول المستمر إلى المياه الكافية.

فالأشخاص الذين يعيشون في العشوائيات، والمشردين والسكان الريفيين والنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والمهاجرين واللاجئين وجميع الفئات الأخرى المعرضة لآثار الوباء بحاجة إلى الحصول المستمر على المياه الكافية؛ لأن هذا فقط ما سيسمح لهم بالامتثال لتوصيات المؤسسات الصحية للحفاظ على تدابير النظافة الصارمة. ومن الضروري أيضًا توفير المياه مجانًا طوال فترة الأزمة للفقراء والمتضررين من المصاعب الاقتصادية القادمة.

فيروس كورونا يمثل لأفريقيا أزمة سياسية بقدر ما هي أزمة صحية واقتصادية

في مواجهة وباء “كوفيد-19” سريع الانتشار، تتجه دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو أزمة سياسية بالإضافة إلى تبعاتها الكارثية على الصحة والاقتصاد.

  • فيروس كورونا.. اختبار سياسي قاسٍ للقادة الأفارقة

سيسهم التدهور الاقتصادي المتفاقم والمتصاعد لفيروس كورونا، نتيجة الاستجابة البطيئة وغير المتكافئة من قبل حكومات المنطقة، في تأجيج وتصاعد الأزمات السياسية في العديد من الدول الأفريقية. الرئيس الجنوب افريقي وصف الأزمة بـ “الكارثة الوطنية”، وحذر من أن “هذا المرض سيكون مدمرًا للغاية وذو تأثير خطير على الشركات والوظائف في جنوب أفريقيا. كما أمر الرئيس السنغالي بإغلاق جميع المدارس والجامعات وإلغاء جميع الأعياد الدينية. ورغم أن حكومات أخرى فرضت قيودًا، أو أنشأت محطات لغسل اليدين، أو خصصت موارد كبيرة للاستجابة للأزمة. لكن مع تنامي الخسائر المالية والبشرية، فمن شبه المؤكد أن الجماهير الأفريقية سوف تبحث عن شخص تلقي عليه اللوم. 

في كينيا على سبيل المثال أدى التعامل المتأخر للحكومة مع جائحة فيروس كورونا – حيث لم تقم بإعداد مستشفيات كافية ومٌجهزة كما تركت الرحلات الجوية المباشرة مع الصين كما هي – إلى غضب الشعب الكيني ضد الحكومة وهو ما عبروا عنه من خلال آرائهم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. 

كما أن احتمالية المزيد من المواجهات السياسية تظل عالية. ففي العديد من البلدان. استغلت أحزاب المعارضة الأمر في كثير من الدول الافريقية وقامت بدور كبير في تقديم مقترحاتها الخاصة لاحتواء المرض كما في الغابون وموزمبيق وجنوب إفريقيا. 

وعلى صعيد آخر، فإن بعض الحكومات الأفريقية ربما تري أنه من المغري استغلال وباء “كوفيد-19” لصالحها، حيث سيوفر تفشي المرض فرصة لتلك الأنظمة لترسيخ نفسها وتأخير الانتخابات وحظر احتجاجات الشوارع لأسباب تتعلق بالسلامة العامة. 

في أوغندا، على سبيل المثال، يوجد حاليًا التماس لتعليق الانتخابات الرئاسية المقرر أجراؤها عام 2021 لمدة خمس سنوات حتى تتمكن الحكومة من مقاومة الوباء. وفي حالة الموافقة عليه، سيفيد هذا القرار الزعيم الأوغندي يوري موسيفيني، الذي يشعر بالقلق بشكل متزايد من الحملة المعارضة التي يتبناها المعارض “بوبي واين”، الذي يتمتع بشعبية كبيرة.

وفي حالات أخري يمكن لفيروس كورونا أن يعزز القوى الديمقراطية. ففي غينيا طالبت المعارضة الرئيس الفا كوندي بالتخلي عن محاولته لتمديد فترة ولايته، معترضين على قراره بإجراء استفتاء دستوري كان مقررًا له يوم 22 مارس بحجة أنه من غير المنطقي المضي قدمًا في هذا الاستفتاء الدستوري في ظل تفشي الوباء، لكن رغم ذلك دعا الرئيس الغيني المواطينين للاستفتاء وجري في موعده.

  • التأثيرات السلبية لفيروس كورونا علي الاقتصاد الافريقي

بدأت اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء تعاني بشكل كبير جراء تفشي الوباء، ففي منتصف فبراير الماضي حذر صندوق النقد الدولي من أن أفريقيا معرضة لخطر كبير نتيجة لأن الفيروس المستجد قلل بشكل كبير الطلب من الصين التي تُعد أكبر شريك تجاري لأفريقيا. 

وبينما تتسابق الحكومات الأفريقية لتحويل جميع مواردها المتاحة لمنع انتشار هذا المرض، فقد بدأت تعاني من ضغوط اقتصادية كبيرة – نتيجة وقف الأعمال التجارية وتدهور الاقتصاد العالمي جراء الأزمة – وقد تواجه انخفاضًا كبيرًا في المساعدات الإنسانية الأجنبية من الدول المانحة. كما أن انخفاض أسعار النفط قد يؤدي إلى تدمير ميزانيات عدد من الدول – من بينها أنجولا ونيجيريا – في حين أن نقص المخزون الناتج عن تباطؤ التصنيع والتصدير في الصين يهدد الأعمال التجارية وأنشطة البناء في كل مكان في أفريقيا.

شركات الطيران الأفريقية أيضًا لم تسلم من تحمل التبعات السلبية لكورونا فالخطوط الملكية المغربية وشركة مصر للطيران خسرتا ما يقرب من 400 مليون دولار منذ بدء تفشي المرض، عندما علقت كلاً منها رحلاتها من وإلى الصين. 

كما تتخوف حكومات المنطقة بشكل خاص من أن الفيروس سيبطئ من سير عمل مشروعات البنية التحتية. وستعاني الشركات الصغيرة والمتوسطة في جميع أنحاء أفريقيا نتيجة سعيها لإيجاد موردين جُدد بنفس مزايا الصينين. 

ستمتد الأثار السلبية علي العمال الأفارقة الذين يعملون في قطاعات البناء والتصنيع والزراعة، ذلك لأن توقف الاستيراد من الصين يجعل من الصعب الوصول للسلع والموارد اللازمة للمشاريع التي يعملون عليها.

  • فيروس كورونا والنظم الغذائية في افريقيا

هل سيؤثر وباء “كوفيد-19” بشكل مباشر على الإمدادات الغذائية؟.

لا يمكن الجزم بأن فيروس كورونا سيؤثر على الإمدادات الغذائية في أفريقيا بشكل كبير، لعدد من الأسباب منها:

  • حوالي 60٪ من السكان الأفارقة يعملون في الزراعة، فسكان أفريقيا يزرعون معظم طعامهم. وبالتالي قد يكون المزارعون الذين ينتجون للأسواق  بالإضافة إلى استهلاكهم الخاص في وضع جيد للتغلب على الأزمة لأنهم يقومون بإطعام أنفسهم وكسب الدخل في ذات الوقت. 
  • وإذا ما أصبح الأمن الغذائي مصدر قلق، فقد تعلق الحكومات تصدير المنتجات الزراعية لتوفيرها في الأسواق المحلية.
  • وفي بعض المدن والمناطق شبه الحضرية، تظل الزراعة الحضرية مصدرًا حيويًا للتنوع الغذائي والدخل. فخلال الأزمة، يمكن أن تكون الحدائق الصغيرة في المدن مصدرًا مهمًا للغذاء، من خلال زراعة الحدائق العامة بالمنتجات الزراعية. وفي ذات الوقت تُوفر فرص عمل للكثيرين.  
  • وفي بعض المناطق الريفية، يمكن أن يعتمد المواطنون على المأكولات البرية، كالحيوانات وغيرها من الطيور. 

هل ستؤثر أزمة كورونا علي منتجي الأغذية في إفريقيا؟

قد يكون هذا الأمر من المسائل الأكثر إثارة للقلق، على الرغم من أنه من الصعوبة التنبؤ بالضبط بالآثار التي ستظهر.

وفقًا لبعض التقديرات، تنتج النساء 70٪ من الطعام في أفريقيا. ففي العديد من بلدان الجنوب الأفريقي، على سبيل المثال، تعتبر النساء الريفيات المنتجين الأساسيين لمحاصيل الأغذية بينما يشارك الرجال بشكل أكبر في تربية الحيوانات. وكثيرًا ما تكون المرأة مسؤولة عن رعاية الأطفال والمرضى وكبار السن. وهذا يعني أن نسبة تعرضها للإصابة بفيروس كورونا مرتفعة، وبالتالي التخوف من تداعيات ذلك علي إنتاج الغذاء وإعداد الطعام وتغذية الأطفال.

أيضًا النسبة الأكبر من الرجال العاملين بالزراعة من كبار السن، فعلي الرغم من ارتفاع نسب الشاب في إفريقيا، إلا أن الشباب أقل ميلًا واهتمامًا للعمل بالزراعة وأكثر ميلًا للهجرة إلى المناطق الحضرية. وبالتالي يظل السكان الأكبر سنًا العاملين بالزراعة هم الأكثر عرضة لفيروس كورونا. وبالتحديد الأشخاص الذين تكون أنظمتهم المناعية ضعيفة كالمصابين بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”.

ماذا عن قدرة الناس على شراء الطعام؟

قد يكون هذا مصدر قلق فوري وسيعتمد إلى حد ما على أنواع السياسات والقيود التي تفرضها الحكومات. حيث يواجه العديد من الناس في المناطق الحضرية الفقر ويكافحون للحصول على الغذاء. وتحت وطأة وباء فيروس “كوفيد-19″، ستزداد هذه الصعوبات. 

يعتمد الناس بشكل كبير العمل في القطاع الخاص من أجل الحصول علي الوظائف، ولكن في ظل سياسات الحظر والتباعد الاجتماعي التي تتخذها الحكومات لمواجهة وباء فيروس كوورنا، سيكون هؤلاء الناس الأشد معاناة وتضرراً وربما سيكونون في وضع صعب لشراء طعامهم.  

إذا انخفضت فرص العمل، فقد يعود بعض سكان الحضر إلى منازلهم العائلية في المناطق الريفية حيث يكون الحصول على الغذاء أسهل. لكن هذا ليس خيارًا متاحًا للجميع، خاصة لأولئك الذين غادروا أصلاً هربًا من العنف أو الجوع من المناطق الريفية.

معضلات الإدارة وتراجُع الثقة

تُعد الأزمة الجارية من أبرز معضلات الإدارة؛ على خِلاف حالة طوارئ التي أعقبت فيروس إيبولا في غرب أفريقيا في الفترة من (2016-2013)؛ حيث كان الأكثر فتكًا ولكن أقل عدوى، وتم احتواءه جزئيًا من قبل الدول الأكثر ثراءً التي تستثمر في أفريقيا.

بينما ظهر (كوفيد-19) في وقت تتآكل فيه الثقة داخل البلدان وتظهر فيها الاضطرابات مع القيادة الوطنية وكذلك الاضطرابات المجتمعية المتزايدة والمواجهات الاقتصادية بين القوى الكبرى. 

علاوة على ذلك، يتنشر الذعر بشكل أسرع مع الأوبئة، ومثل هذا الخوف يزعزع ثقة المواطنين في قدرة الحكومات على حمايتهم من المخاطر، ويزيد من احتمالات اتخاذ تدابير دفاعية ونفسية مدمرة اجتماعيًا مما يزيد من سرعة انتشار الفيروس.

حاجة البلدان الافريقية للاستعداد بشكل أكبر

الآن وبعد أن شق فيروس كورونا المستجد طريقه إلى أفريقيا، تحتاج دول القارة إلى أن تكون أكثر استعدادًا لاتخاذ إجراءات أكبر لاحتواء الفيروس، ومنها: 

  1. الحاجة إلي تعزيز قدراتها من حيث تحديد الحالات الجديدة. ويجب أن تكون مرافق الرعاية الصحية والعاملين مجهزين تجهيزًا جيدًا للتعامل مع أي حالات طارئة قد تظهر.  
  2. يحتاج الجمهور إلى توعية أكبر بشأن كيفية الحصول على الرعاية الطبية إذا اشتبهوا في أي علامات أو أعراض للفيروس. 
  3. يجب تشجيع ممارسات النظافة الشخصية والمنزلية باستخدام المنظفات، لمنع انتقال هذا الفيروس أو غيره من الأمراض.
  4. لا يجب التعويل بشكل كبير على الدول الكبري لمساعدة افريقيا، إذ إن هذه الدول مٌنكبة على ذاتها لمواجهة هذا الوباء، وما يمكن للمجتمع الدولي فعله هو تقديم قدر محدود من الدعم فقط لا غير.
  5. يجب على الدول الأفريقية تعديل أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعات – وما يرتبط بها من وضع خطط لتوفير الغذاء في حالات الطوارئ – لزيادة الاهتمام بالمناطق الحضرية. وكذا التركيز علي المناطق الريفية التي تكون أكثر عرضة للأزمات الغذائية التي يسببها الجفاف أو الإصابة بالحشرات، وهو ما يؤدي لتلف المحاصيل وبالتالي ما يترتب عليه من أزمات غذاء طاحنة. 
  6. يجب على العديد من الحكومات الأفريقية الاستمرار في التعامل مع التحديات المستمرة مثل غزو الجراد الصحراوي لشرق أفريقيا. ويجب إيجاد حلول لتلك الأزمات كما يجب أن تحظي بالاهتمام الذي تستحقه إذا ما أردنا الحفاظ على الإنتاج الغذائي المحلي.
  7. يمكن للمجتمع الدولي أن يعمل على تعزيز قدرات الحكومات الافريقية في مواجهة وباء “كوفيد-19″، من خلال عدد من الإجراءات من بينها تعليق الدين العام للدول الأفريقية وتقديم المساعدة لها بدون قيود كبيرة. 

وفي الختام ورغم قتامة ما تبدو عليه الصورة الأفريقية، إلا أن هناك دلالات تبعث على الأمل منها أن عدد من الدول الافريقية تعلمت بالفعل من التجارب السابقة التي شملت التعامل مع الفيروسات أخري مثل الإيبولا، وتصرفت بسرعة واتخذت خطوات منها إجراء فحوصات درجة الحرارة، وإلغاء الرحلات الدولية، وفرض إجراءات عزل على أولئك الذين يظهر عليهم المرض. وربما ساعدت هذه الإجراءات بعض الدول على تأخير وصول فيروس كورونا لأراضيها حتي الاّن. 

كما أن تبعات تلك الجائحة ورغم أن توقعاتها الاقتصادية ستكون أكثر صعوبة على القارة الأفريقية على المدي القصير نتيجة للتباطؤ الاقتصادي العالمي الذي سيشهده العالم، لكن هناك بصيص أمل على المدي الطويل مُتمثل في أن تؤدي تلك الجائحة الي تحول العالم من الاعتماد على التصنيع الصيني إلى إعادة توجيه سلاسل التوريد إلى الدول الإفريقية والدول النامية الأخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى