أوروباروسيا

هل تكون أوكرانيا “الضحية” بين التصعيد الروسي والتعنت الغربي؟

أصبحت أوكرانيا بؤرة التوتر الرئيسية في علاقات روسيا مع الغرب بعد حشد عشرات الآلاف من القوات الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية، تتزامن تلك التحركات مع سلسلة من التصريحات المتشددة من الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” تحدد “خطوطه الحمراء”. وبالإضافة إلى حشد روسيا قواتها العسكرية على طول الحدود الأوكرانية؛ تعمل أيضًا على مفاقمة أزمة المهاجرين على الحدود البيلاروسية، إلى جانب تعزيز نفوذها في القوقاز، الأمر الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على الغرب.

يمكن تفسير التحركات الروسية بأنها تأتي في سياق سعي موسكو إلى استغلال نقاط الضعف الغربية من أجل تأجيج الأزمات في آن واحد، كما هو الحال في أوكرانيا وجورجيا وحدود دول الاتحاد الأوروبي؛ وذلك في محاولة لدحض آراء المراقبين حول تراجع القوة الروسية، وإثارة حالة الانقسام داخل المعسكر الأوروبي حول السياسة المٌثلى التي يجب اتباعها مع موسكو. 

ويُعزى التأخر الأوروبي في الرد على التحركات الروسية الأخيرة أيضًا إلى حالة التشرذم الأوروبي –وفقًا لروسيا-وتراجع القوة الأمريكية في أعقاب الانسحاب من أفغانستان، وفشل الغرب في الاستفادة من دروس حرب جورجيا في أغسطس 2008، حينما غاب الرد على الهجوم الروسي الذي أدى إلى سيطرة روسيا على 20% من الأراضي الجورجية، الأمر الذي أكسب موسكو “الجراءة” وقامت بضم شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، مما يؤكد أن سياسة الاسترضاء غير مُجدية في التعامل مع موسكو.

وفي ظل تفاقم المشهد الراهن على الحدود الروسية الأوكرانية والتراشق بالكلمات من هنا وهناك، فضلًا عن الغضب الغربي والأمريكي من التصرفات الروسية، يُثير البعض عددًا من التساؤلات، منها يتعلق بإمكانية قيام الغرب بشن حرب ضد موسكو؟ والأسباب الكامنة وراء سعي موسكو إلى حشد قواتها على الحدود الأوكرانية؟ وهل تشهد الأيام القادمة حلحلة للأزمة الراهنة، أم تزداد الأمور سوءًا؟ هذا ما سنحاول التطرق إليه في السطور التالية.

هل تخشى روسيا غزوًا غربيًا؟

على الرغم من أن إقدام حلف “الناتو” على شنّ هجوم على روسيا أمر يصعب تحقيقه في الوقت الراهن، فإنه دائمًا يُلاحظ وجود مخاوف روسية من احتمالية تعرُّضها لهجوم من جانب الدول الغربية؛ وذلك نظرًا للخبرة التاريخية الروسية في هذا الشأن؛ إذ تعرضّت “موسكو” على مدار القرون المنصرمة لعدة هجمات من قِبل (بولندا والسويد وفرنسا وألمانيا).

وقبل سقوط الاتحاد السوفيتي بزمن طويل، شاركت الولايات المتحدة الأمريكية فيما يمكن وصفه “غزوًا” عندما تم إرسال القوات الأمريكية إلى روسيا خلال الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد في عام 1918، وبعد مرور عقدين، غزت ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتي، وتوغّلت في عمق روسيا، واحتلت العديد من المدن الروسية، وتم تدمير العديد منها بحلول نهاية الحرب.

وفي ضوء هذه الخبرة التاريخية، فليس من المثير للدهشة أن تقوم “موسكو” بتحديث أسطولها البحري، وإجراء تدريبات عسكرية دورية، بالإضافة إلى تطوير معدات تفوق سرعتها سرعة الصوت، وكذا تعزيز وحدات الحراسة في المنطقة العسكرية الغربية الروسية، من أجل حماية الحدود الاستراتيجية الغربية لروسيا. إذ ترى روسيا أن الحدود الغربية لها لا تزال تُشكل التهديد الأكبر للأمن الروسي، ووفقًا لخطة العمل الروسية (2019–2025)، ستعمل روسيا على تنفيذ سلسلة معقدة من الإجراءات والاستعدادات العسكرية، والتي من شأنها أن تكون رادعًا لأي غزو آخر محتمل من قِبل الغرب.

لماذا تُهدد روسيا بغزو أوكرانيا؟

قد يبدو أن هناك عددًا من الأسباب الكامنة وراء سعي موسكو إلى حشد قواتها على الحدود مع كييف وتهدديها بغزو أوكرانيا، ومن جملة تلك الأسباب نستعرض التالي:

  • السبب الأول: سلط تقرير نُشر في مجلة فورين بوليسي الضوء على ما تُمثله عملية التحول الديمقراطي وجهود مكافحة الفساد في أوكرانيا من تهديد لروسيا، موضحًا أن استشراء الفساد في أوكرانيا بدأ منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991؛ إذ انهار الاقتصاد، وأفلست مؤسسات الدولة وجرت خصخصتها، وتجلُّى الفساد في عدد من المظاهر؛ أهمها سيطرة كبار رجال الأعمال على قطاعات مهمة من الاقتصاد، وبدأوا في السيطرة أيضًا على وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام والنتائج الانتخابية.

وباندلاع الثورة الأوكرانية في عام 2014، أُجبر الرئيس الأوكراني السابق “فيكتور يانكوفيتش” –المعروف بسياساته الموالية لروسيا-على ترك السلطة. ومن هنا مثلت هذه الثورة نقطة انطلاق نحو التحول الديمقراطي؛ إذ عمدت منظمات المجتمع المدني الأوكراني والمصلحون الحكوميون والشركاء الدوليون على صياغة خطة لمكافحة الفساد، وقد استندت إصلاحات مكافحة الفساد إلى ركيزتين؛ الأولى: شفافية المعلومات وإتاحتها للشعب، والثانية: تدشين مؤسسات مُستقلة لمكافحة الفساد، ومحاسبة كبار المسؤولين.

ويسرد التقرير، أن تهديدات الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” بغزو الأراضي الأوكرانية تنبع بشكل رئيس من نجاح التجربة الديمقراطية الأوكرانية، الأمر الذي يجعلها مصدر إلهام لإطلاق إصلاحات ديمقراطية مٌماثلة في روسيا. وهو ما قد يٌفسر تقديم الدعم الغربي لأوكرانيا لحمايتها -وفقًا للغرب-من الغزو الروسي، وذلك لاستكمال إنجازاتها على الصعيد الداخلي، وذلك من خلال تزويد أوكرانيا بالأسلحة اللازمة، وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية رادعة لموسكو.

  • السبب الثاني: تأتي التهديدات الروسية بغزو أوكرانيا في سياق مساعي موسكو للسيطرة على منطقة دونباس شرق أوكرانيا، لا سيما بعد دخول الحرب في دونباس عامها الثامن، فضلًا عن الحيلولة دون انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو عبر التهديد باندلاع حرب جديدة في وسط أوروبا. وتسعى موسكو إلى استمرار حرب دونباس من أجل الحفاظ على الوضع الراهن الذي يمنحها سيطرة واسعة على هذه المنطقة الانفصالية، وكذلك تقويض مساعي كييف بشأن التقارب مع الغرب، والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.
  • السبب الثالث: ان التعزيزات الروسية على الحدود الشرقية لأوكرانيا تستهدف استفزاز واشنطن وحلفائها الأوروبيين، لا سيما في ضوء نشر عدد من السفن الأمريكية في البحر الأسود، فضلًا عن المساعي الأمريكية المستمرة لتقويض مشروع خط الأنابيب الروسي “نورد ستريم-2”.

إضافة إلى هذه الأسباب، توجد دوافع تاريخية وجيوساسية وشخصية للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” الأمر الذي قد يٌفسر اهتمامه الكبير بالجارة الأوكرانية، والوقوف في وجه الغرب والولايات المتحدة الأمريكية للحيلولة دون انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” أو توسع حلف الناتو بالقرب من الحدد الروسية، وهذه الدوافع تتمثل في الآتي:

دوافع تاريخية: مع تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، فقدت روسيا السيطرة على 14 جمهورية سوفيتية كانت تسيطر عليها سابقًا، لكن خسارة أوكرانيا كانت أسوأ خسارة لموسكو. حيث كان هناك ارتباط كبير بين الدولتين منذ القرن التاسع عندما أصبحت كييف عاصمة الدولة الروسية القديمة. 

ومن العام 1654 تم توحيد روسيا وأوكرانيا تحت حكم القيصر الروسي. ويتحدث البلدان لغة مُشتركة، وشكلا فيما بعد، مع بيلاروسيا، النواة السلافية للاتحاد السوفيتي. ويشعر الكثير من الروس بوجود صلة ارتباط بأوكرانيا لا يشعرون بها تجاه دول الاتحاد السوفيتي الأخرى في دول البلطيق والقوقاز وآسيا الوسطى. وقد ألمح بوتين إلى هذا في مقال له نُشر في يونيو 2021 بأن الروس والأوكرانيين هم شعب واحد يتقاسم “مساحة تاريخية وروحية واحدة” وأن ظهور “جدار” بينهما في السنوات الأخيرة كان أمرًا مأساويًا. 

دوافع جيوسياسية: منذ انتهاء الحرب الباردة، توسع الناتو شرقًا من خلال ضم 14 دولة جديدة، بما في ذلك دول حلف وارسو السابق ودول البلطيق الثلاث التي كانت في السابق تابعة للاتحاد السوفيتي. ورأت روسيا هذا تعديًا خطيرًا على حدودها.

ورغم أن أوكرانيا ليست عضوًا في الناتو، لكن تم وعدها منذ عام 2008، بأنها ستنضم للحلف. ومنذ الإطاحة بالرئيس الموالي لروسيا في عام 2014، اقتربت كييف من الغرب، وأجرت تدريبات عسكرية مشتركة مع الناتو، واستلمت أسلحة بما في ذلك “صواريخ جافلين” الأمريكية المضادة للدبابات وطائرات بدون طيار من تركيا.

وتعد كييف وواشنطن هذه التحركات مشروعة لتعزيز دفاع أوكرانيا بعد أن استولت روسيا على منطقة القرم في عام 2014 وقدمت الدعم للانفصاليين الذين ما زالوا يقاتلون القوات الحكومية في شرق أوكرانيا. ويخشى بوتين من أن علاقات أوكرانيا المتنامية مع الحلف يمكن أن تجعلها منصة إطلاق صواريخ الناتو التي تستهدف روسيا. وترفض روسيا الشكوك الأوكرانية والأمريكية في أنها تستعد لغزو أوكرانيا، موضحة أنها ترد فقط على التهديدات والاستفزازات. وتريد ضمانات أمنية من الغرب بما في ذلك إلغاء وعد عضوية حلف شمال الأطلسي لكييف.

دوافع شخصية: يخشى فلاديمير بوتين المعارضة والثورات الداخلية، وينظر بامتعاض للثورات في البلدان المجاورة؛ تحسبًا لأن تشجع هذه الثورات الحركات الاحتجاجية الداخل الروسي. تجلى ذلك في الدعم الروسي للرئيس البيلاروسي “ألكسندر لوكاشينكو” بعد مظاهرات حاشدة ضده العام الماضي. وفي حالة أوكرانيا، فإن فكرة وجود جار قريب ديمقراطي ومزدهر في طريقه إلى عضوية محتملة في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي هو فكرة غير مستساغة لبوتين.

بجانب أن استمرار التوتر بشأن أوكرانيا يساعد بوتين على تعزيز رسالته السياسية في روسيا: بأنه مدافع قوي عن مصالح روسيا في عالم يحيط به الأعداء والتهديدات. ونجاح بوتين في إبقاء الغرب في حالة تخمين بشأن غزو محتمل لأوكرانيا؛ وضع روسيا على رأس جدول الأعمال الدولي وأجبر الرئيس الأمريكي “جو بايدن” على التواصل مع بوتين في مكالمة فيديو في 7 ديسمبر 2021.

سياسات بوتين تحركها قناعة شخصية باستعادة مجد الاتحاد السوفيتي، تجلى ذلك في مقابلة بثت في 12 ديسمبر 2021، عندما أعرب عن حزنه على انهيار الاتحاد السوفيتي واصفًا إياه بزوال “روسيا التاريخية”، حيث “ضاع إلى حد كبير ما تم بناؤه على مدى 1000 عام”. مشيرًا إلى أن 25 مليون روسي في البلدان المستقلة حديثًا وجدوا أنفسهم فجأة معزولين عن روسيا، وهو جزء مما أسماه” مأساة إنسانية كبرى”. 

تدعم مثل هذه التصريحات وجهة نظر بعض المحللين بالاهتمام الكبير من قبل موسكو بكييف، فقد يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تعزيز شعبيته في روسيا بمزيد من الإجراءات لإعادة جزء أو كل أوكرانيا إلى سيطرة موسكو.

مقترحات روسية لخفض التصعيد

قامت روسيا بعرض حزمة من الاقتراحات على الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بشأن وضع نظام ضمانات أمنية لخفض التوترات في أوروبا، في إطار رفضها للتحذيرات الغربية بشأن ما يعتقدون أنه نوايا “روسية” لغزو أوكرانيا.

جاءت الاقتراحات الروسية على خلفية تحذيرات قادة الاتحاد الأوروبي لروسيا؛ بأنه في حال شنت “موسكو” هجومًا على كييف، ستشمل قطع روسيا عن شبكة التمويل العالمية “سويفت”، وإدراج البنوك الروسية الخاصة في القائمة السوداء، وفرض حظر على بعض صادرات التكنولوجيا إلى شركات الاتصالات الروسية.

المقترحات التي نشرتها وزارة الخارجية الروسية يوم 17 ديسمبر الجاري، تتضمن الآتي:

  • وعد من الطرفين بالامتناع عن تنفيذ أنشطة تؤثر على أمن الطرف الآخر، والتعهُّد بعدم توسُّع حلف شمال الأطلسي “الناتو” شرقًا ليشمل أوكرانيا، بالإضافة إلى وقف الأنشطة العسكرية في كلٍ من أوروبا الشرقية، والقوقاز، وآسيا الوسطى.
  • تعهُّد الطرفين بالامتناع عن نشر الصواريخ المتوسطة وقصيرى المدى؛ بحيث يمكنهم ضرب أراضي الطرف الآخر، فضلًا عن عدم استخدام أراضي دولة أخرى لشن هجوم مسلح ضد بعضهم البعض.
  • عدم نشر قوات وأسلحة إضافية لـ “الناتو” خارج الدول التي كانت موجودة فيها قبل انضمام أي من دول الكتلة الشرقية إلى الحلف في مايو 1997، ما لم يوافق جميع الأطراف.
  • عقد اتفاق بين الجانبين لتبادل المعلومات بانتظام حول التدريبات العسكرية، والامتناع عن إجراء تدريبات عسكرية وأعمال أخرى مع أكثر من لواء في المنطقة الحدودية المتفق عليها.

وتعقيبًا على هذه المقترحات، رأت روسيا أنه من المهم بالنسبة لموسكو أن تحصل على ضمانات أمنية وأن تكون الالتزامات قانونية قدر الإمكان، نظرًا لعدم وجود خيار آخر مع انعدام الثقة في تلك المرحلة من العلاقات بين روسيا ودول الغرب.  بينما أوضحت واشنطن أنها لن تتنازل عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الأمن الأوروبي، بما في ذلك حق جميع الدول في تقرير مُستقبلها وسياستها الخارجية دون تدخل خارجي. 

في السياق ذاته، أكد بيان “مجلس شمال الأطلسي” أن أي حوار مع روسيا سيتم على أساس المعاملة بالمثل، ويجب أن يُعالج مخاوف “الناتو” بشأن سلوك روسيا الذي ينطوي على تهديدات، وأن يستند إلى المبادئ الأساسية والوثائق التأسيسية للأمن الأوروبي، وأن يتم بالتشاور مع شركاء “الناتو” الأوروبيين. لكن الأمين العام لحلف الناتو، “ينس ستولتنبرج”، أعرب عن استعداد الحلف للعمل على بناء الثقة مع “موسكو” حال اتخذت تدابير ملموسة لتخفيف التوترات مع أوكرانيا.

وبهذا يُمكن القول إن الهدف الرئيس لروسيا من التهديد بغزو أوكرانيا يتمحور حول دفع الجانب الأمريكي والغربي إلى الجلوس على طاولة الحوار، وكذلك عرقلة توسُّع قوات الناتو شرقًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى