الأزمة الأوكرانية

هل يُنذر قصف “محطة زابوريجيا” بخطر حدوث كارثة نووية؟

في تصعيد جديد للأحداث الراهنة وعلى وقع الحرب الروسية الأوكرانية، يبدو أن العالم على شفا خطر جديد وتصعيد غير مسبوق للأحداث قد يدفع بالجميع إلى نقطة اللا عودة، وذلك بعدما شهد يوم 5 أغسطس الجاري حادثة خطيرة، عندما تم استهداف محطة “زابوريجيا- Zaporizhzhya” النووية على الأراضي الأوكرانية. وفي الوقت الذي ألقى فيه كلا الجانبين الروسي والأوكراني باللوم على الآخر في الهجوم على المحطة النووية، حذر الخبراء النوويون من خطورة الأمر، وأن أي انفجار للمحطة النووية الأكبر في العالم قد يدفع الجميع إلى آتون كارثة مُدمرة.

كانت روسيا قد سيطرت على موقع المحطة النووية –التي تقع في الجزء الجنوبي من أوكرانيا- في مارس الماضي، بعد وقت قليل من شن عمليتها العسكرية في الأراضي الأوكرانية، ويوجد بالمحطة ما يقرب 500 جندي روسي و50 عربة عسكرية. ورغم السيطرة الروسية على المحطة، لكنها ما زال يديرها فنيون أوكرانيون.

وفي مطلع الشهر الجاري، تبادلت أوكرانيا وروسيا الاتهامات بشأن ضربات تم توجييها للمحطة النووية، فقالت أوكرانيا إن هجومًا روسيًا ألحق أضرارًا بثلاثة أجهزة رصد إشعاعية وتسبب في نقل أحد موظفي المحطة إلى المستشفى مصابًا بشظايا، فيما اتهمت روسيا أوكرانيا بالتسبب في القصف الذي تم على المحطة. وسرعان ما أثارت أنباء القصف الإدانات الدولية، مع حث الجميع على توخي الحذر والالتزام بأقصى درجات ضبط النفس لتجنب كارثة نووية على غِرار ما حدث في تشيرنوبل. 

اتهامات مُتبادلة

تعد محطة “زابوريجيا” النووية الأكبر من نوعها في أوروبا، ويمكن أن يتسبب أي انفجار للمحطة أو بالقرب منها -سواء كان مقصودًا أو بدون قصد- في تسرب آلاف الأطنان من الوقود النووي الإشعاعي عالي النشاط. وفي السياق ذاته، تكهن الخبراء الأوكرانيون بأن ما يصل إلى 3 ملايين شخص يمكن أن يموتوا وأن 51 مليونًا آخرين قد يتأثرون بالإشعاع في حال تعرض المحطة لحادثة خطيرة.

وفي هذا السياق، تبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بمسؤولية كل جانب في عمليات القصف؛ إذ اتهمت روسيا أوكرانيا بالتسبب في الهجوم على المحطة، الأمر الذي أدى إلى زيادة التيار الكهربائي وتصاعد الدخان في مرافق المحطة، مما تسبب في إغلاق طارئ للمحطة. بينما تمكنت فرق الإطفاء من إخماد الحريق وخفض العاملون في المحطة إنتاج المفاعلين رقم 5 و6 إلى 500 ميجاوات. وحثت روسيا القوى الغربية على إجبار كييف على وقف مهاجمة المنشأة لما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على أوروبا، واتهمت لواء المدفعية 44 الأوكراني بشن هجمات من بلدة “مارجانيتس” القريبة من محطة زابوريجيا.

فيما ألقت أوكرانيا باللوم على القوات الروسية في تخزين الأسلحة هناك، واتهم الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” القوات الروسية بقصف “محطة زابوريجيا”، موضحًا أن أي قصف لهذه المنشأة هو جريمة سافرة وعمل إرهابي، وحمّل روسيا المسؤولية عن خلق التهديد الذي طال المحطة، ودعا العالم إلى فرض عقوبات على الصناعة النووية الروسية. 

وأفادت تقارير صادرة عن المخابرات الأوكرانية أنها تلقت معلومات موثوقة من عدة مصادر بأن القوات الروسية زرعت متفجرات في محطة “زابوريجيا” لتفادي هجوم أوكراني مضاد في المنطقة، واتهام روسيا بشن هجمات على المحطة النووية واستخدام العاملين الأوكرانيين كدروع بشرية، وإذا كانت روسيا تبرئ نفسها من القصف فيمكن لها تقديم بادرة حسن نية بتسليم السيطرة على المحطة للجنة دولية تابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.   

ويتضح من ذلك أن كلا الطرفين الروسي والأوكراني يعملان على استغلال الأمر؛ بالنسبة لروسيا، تستخدم هذه الهالة وتضخيم الأمر لزيادة المخاوف المحلية في الداخل الأوكراني، وتسليط الضوء على أهمية مواصلة العملية العسكرية الروسية، هذا من جانب. وعلى الجانب الآخر، تستغل روسيا الأمر للعب على المخاوف الغربية من وقوع كارثة نووية وتقويض الإرادة الغربية لمنع تقديم أي دعم عسكري إضافي للنظام الأوكراني. أما بالنسبة لأوكرانيا، فإن الهدف يتمحور حول بناء “تعاطف شعبي” حول المحطة النووية التي تم الاستيلاء عليها من قبل القوات الروسية. 

تداعيات القصف على السلامة الأوروبية

أثارت التقارير عن قصف أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا مخاوف من حدوث كارثة نووية، لكن الخبراء ما زالوا واثقين من أن خطر وقوع كارثة شبيهة بتشرنوبيل منخفض. ووفقًا لعدد من الخبراء، فإن القصف لا يستدعي تحذيرات من حدوث كارثة على مستوى أوروبا؛ فمخاطر القصف محدودة نظرًا إلى أن المفاعلات محمية بما يصل إلى 10 أمتار من الخرسانة، ولكي يتم اختراق جُدران المفاعل فإن الأمر يحتاج إلى وابل من القصف الجوى المركز على المنشأة النووية.  بجانب أن الهجوم على مواقع تخزين الوقود المستهلك سيكون له تأثير محدود، فأي مادة مُشعة يتم إطلاقها ستنتقل فقط في حوالي 10 إلى 20 كيلومترًا.

وكذلك يتم تصميم محطات الطاقة النووية بأنظمة أمان مستقلة متعددة، بما في ذلك العديد من الوصلات ومولدات الديزل الاحتياطية. وعلاوة على ذلك، تستخدم محطة “زابوريجيا” نظام رش للتبريد، مما يعني رش الماء الساخن في الهواء الخارجي لخفض درجة حرارته.

وحتى في أسوأ السيناريوهات -إذا فشلت أنظمة التبريد، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار المفاعل- فلن يتسبب ذلك إلا في أضرار جسيمة على المستوى المحلي، الأمر الذي سيكون بمثابة مأساة للسكان المحليين، حتى لو لم تتسبب في وقوع إصابات فورية، ولكن بالنسبة أوروبا، سيكون حدثًا غير مهم من حيث العواقب على الصحة أو البيئة.  

إدانات دولية

سرعان ما أثارت أنباء القصف إدانات دولية، إذ وصف الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريس” أي هجوم على المنشآت النووية بأنه انتحاري، وحث رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية “رفائيل جروسي” الطرفين على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتجنب كارثة نووية.

في السياق ذاته، أدان الاتحاد الأوروبي القصف الذي تم على المنشأة النووية، مٌحمّلًا روسيا مسؤولية القصف. مُعتبرًا ما وصفه –بالسلوك المتهور-من قبل القوات العسكرية الروسية يُشكل خطرًا كبيرًا على التشغيل الآمن للمحطة. وأكد الاتحاد الأوروبي على لسان رئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي للطاقة “كادري سيمسون” أن أنظمة مراقبة النشاط الإشعاعي في الاتحاد الأوروبي لا تشير إلى أي زيادة في الإشعاع في دول الاتحاد أو أوكرانيا، وحذرت من أن أي نشاط عسكري بالقرب من المحطة يُمثل خطرًا بشكل غير مقبول.

وفي السياق ذاته، تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم مليار دولار أخرى كمساعدات عسكرية جديدة لأوكرانيا. مع تسليم عدد من الصواريخ والذخيرة وأسلحة أخرى من مخزونات وزارة الدفاع الأمريكية للقوات الأوكرانية. وبهذا التعهد الأمريكي ترتفع إجمالي المساعدة الأمنية الأمريكية التي تعهدت بها إدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” لأوكرانيا إلى 9.1 مليار دولار منذ اندلاع الحرب في 24 فبراير.

تقييم الوضع

على الرغم من أن التقييمات الأولية للوكالة الدولية للطاقة الذرية عقب عمليات القصف على المحطة جاءت مُطمئنة بأن الوضع الحالي للأمان والأمن النوويين يبدو مستقرًا، مع عدم وجود تهديد مباشر للسلامة النووية؛ إلا أن خُبراء نوويين حذروا من أن قصف محطة “زابوريجيا”، أمر محفوف بالمخاطر، وأشار البعض إلى أن الطريقة التي تدار بها المحطة تحت سيطرة القوات الروسية والقتال الدائر حولها يشكلان تهديدات صحية وبيئية خطيرة. 

وفي هذا السياق؛ حذر “رفائيل جروسي” من أن أي عمل عسكري من شأنه تهديد أمن وسلامة محطة الطاقة النووية أمر غير مقبول على الإطلاق ويجب تجنبه بأي ثمن. وأن أي قوة نيران عسكرية موجهة إلى المنشأة أو منها سترقى إلى مستوى اللعب بالنار، مع عواقب وخيمة قد تنشأ. وناشد بشكل عاجل جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس في محيط هذه المنشأة النووية المهمة. 

وحث جروسي روسيا وأوكرانيا على الالتفات إلى “ركائز الأمان السبعة التي لا غنى عنها”، والتي حددتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية عندما تدخلت القوات الروسية أراضي كييف في فبراير الماضي. وتتطلب تلك الركائز الحفاظ على سلامة المحطة النووية وأن تظل جميع أنظمة ومعدات السلامة والأمن تعمل بكامل طاقتها في جميع الأوقات، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سلامة موظفي المحطة الأوكرانيون والسماح لهم بالقيام بواجباتهم دون تهديدات أو ضغوط تقوض ليس فقط سلامتهم ولكن أيضًا سلامة المنشأة نفسها. وحث روسيا وأوكرانيا على تسهيل مهمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي من شأنها أن تسمح لمفتشي ضمانات الوكالة بإجراء أنشطة التحقق الأساسية في المحطة. وأضاف أن الوكالة ستقدم أيضًا معلومات محايدة ومستقلة عن وضع المحطة النووية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى