أوروبا

الدعوة للاستفتاء في روسيا..مُجازفة أم مٌغامرة محسوبة؟

حدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، خلال اجتماع مع إدارة اللجنة المركزية للانتخابات وأعضاء فريق العمل الخاص بمقترحات التعديلات الدستورية الأخيرة ، الأول من يوليو المقبل موعدا رسميا للتصويت الشعبي العام على التعديلات الدستورية في روسيا.

ودعا بوتين مواطنيه إلى المشاركة بشكل نشط في التصويت ، فيما أوعز إلى اللجنة المركزية للانتخابات والسلطات المحلية في الأقاليم أن تولي إهتماما خاصا بكل ما يضمن أمن المواطنين الصحية.

كان من المقرر أن يتم إجراء هذا الاستفتاء في الثاني والعشرين من أبريل الماضي، ولكن تسببت جائجة فيروس كورونا المُستجد- وما خلفته من نتائج سلبية جعلت من روسيا ثالث أكبر البلدان إصابة بفيروس كورونا بعد الولايات المتحدة والبرازيل – في تأجيل الاستفتاء علي التعديلات الدستورية.

في السياق ذاته، اقترحت رئيس اللجنة المركزية للانتخابات في روسيا ” إيلا بامفيلوفا” منح المواطنين إمكانية لبدء الإدلاء بأصواتهم قبل ستة أيام من الموعد الجديد، بما يقلص فرصة الاحتكاك بين الناس لأدنى درجة ممكنة، وأيضا لتجنب الازدحام في مراكز الاقتراع، وبالتالي تقليص درجة الإصابة بفيروس كورونا المستجد لأدنى درجة مُمكنة.

ودعم رئيس لجنة التشريع لدى مجلس الاتحاد الروسي ” أندريه كليشاس” الموعد المحدد لإجراء التعديلات قائلا :” إن الوقت بات مواتيا للعودة إلى مسألة الاستفتاء بعد أن صار الوضع الوبائي في الأقاليم ملائما لذلك”.

وتشمل التعديلات الدستورية الروسية إعادة توزيع الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الوزراء والبرلمان وتوسيع مهام مجلس الدولة وتصفير العداد الرئاسي وتعديلات أخرى تسمح للرئيس الحالي بالترشح لانتخابات 2024 و2030. وإقرار صفة روسيا كوريثة الإتحاد السوفيتي في الاتفاقات والمنظمات الدولية.

ويأتي قرار بوتين بإجراء التعديلات الدستورية في الوقت الذي لا تزال تتفشى فيه جائحة الفيروس التاجي، حيث ارتفع عدد الوفيات في روسيا منذ بدء تفشي فيروس كورونا “كوفيد-19” إلى 5037 شخصا، فيما بلغ عدد المصابين 423 ألفا و741 شخصا. بينما يقول مسؤولون رووس إن الأزمة قد تجاوزت ذروتها.

وأظهرت بيانات صادرة عن المركز الروسي لاستطلاعات الرأي أن نحو 90% من المواطنين الروس علي علم بالتعديلات الدستورية، وأن ذات النسبة تدعم إجراء تلك التعديلات، الأمر الذي يؤكد أهميتها. 

الدوافع والمبررات

يأتي قرار القيادة الروسية بإجراء الاستفتاء في الأول من يوليو المقبل مبررًا بأن ذروة تفشي فيروس كورونا المًستجد قد تلاشت. 

اعتبر بوتين أن “تحسن الوضع مع فيروس كورونا” وكون لا يزال هناك “شهر كامل لاتخاذ الاجراءات الضرورية بهدف تحسين الأمور في شكل أكبر”، يبرران تماما إجراء الاستفتاء في الأول من يوليو وخاصة أن تفشي الوباء يشهد استقرارا في روسيا منذ 15 يوما رغم أن عدد الإصابات الجديدة التي تراوح بين 8-9 آلاف يومياً لا يزال في مستوى مرتفع.

وسبق أن أعلن الرئيس الروسي أن الوباء بلغ ذروته وأمر بأن ينظم في 24 يونيو العرض العسكري الكبير الذي كان مقررا في التاسع من مايو، في الذكرى الخامسة والسبعين لانتصار الجيش الأحمر على ألمانيا النازية في مايو 1945.

حث بوتين المواطنين على المشاركة بنشاط في التصويت على التعديلات الدستورية،  موضحا أن الدستور هو أساس حياة البلاد الذي يحدد الضمانات القانونية الأساسية وينظم العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل ويحدد مبادئ التواصل والتفاعل مع جميع الشركاء الدوليين. 

الإجراءات الوقائية المُتخذة لضمان إجراء الاستفتاء في موعده

مهدت سلطات مدينة موسكو الطريق للتصويت على الاستفتاءات الدستورية، عندما خفضت في الأول من يونيو الجاري قيود الإغلاق المفروضة منذ أواخر مارس، والتي تم تطبيقها لأكثر من تسعة أسابيع، حيث تم السماح بإعادة فتح متاجر البيع بالتجزئة ومراكز التسوق وتمكن السكان من ممارسة الرياضة في الشوارع قبل الساعة 9 صباحًا، ولكن مع ارتداء الأقنعة المطلوبة في جميع الأوقات والقفازات اللازمة في المتاجر ووسائل النقل العام. مع استمرار غلق المقاهي والمطاعم ودور السينما وأماكن التجمعات حتى 14 يونيو.

في السياق ذاته، أوضحت اللجنة المركزية للانتخابات، أنه تم اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية لتأمين وتنظيم الاستفتاء في موعده، كما تم تخصيص موارد إضافية كبيرة لذلك. من بينها تزويد جميع المشاركين في التصويت وأعضاء اللجنة والمراقبين وممثلي وسائل الإعلام، وأعضاء اللجنة المسؤولين عن ذلك،  بجميع معدات الحماية الشخصية الضرورية. مع تقديم الأقنعة والقفازات والأقلام التي يمكن التخلص منها مباشرة بعد عملية الاقتراع، وغيرها من أمور الحماية الشخصية للمواطنين والمنظمين لعمليات الاقتراع.

وذكرت اللجنة أن جميع أعضاء اللجان الانتخابية سيخضعون لفحص الفيروس التاجي.

وفيما يتعلق بإمكانية إجراء الاستفتاء علي التعديلات الدستورية من خلال “التصويت الالكتروني”، أوضحت  “إيلا بامفيلوفا”، في اجتماعها مع أعضاء مجموعة العمل حول تعديل الدستور، إنه لن يكون هناك تصويت الكتروني علي تعديلات الدستور. مبررة أن التصويت الالكتروني يُصاحبه دائماً فضائح كثيرة لذلك فهذا الامر مرفوض فيما يتعلق بالاستفتاء علي التعديلات الدستورية الروسية وذلك. لكنها أشارت إلى أنه في منطقتين او ثلاث مناطق روسية فقط قد يجوز فيها إجراء تصويت إلكتروني على تعديلات الدستور لكن هذا الأمر غير مؤكد حتي الأن.

موقف المُعارضة الروسية

حذرت المعارضة الروسية من أن السلطة الروسة تتحرك بسرعة أكبر من اللازم للحركة نحو الانفتاح، دون مراعاة لحياة الناس وصحتهم حيث نددت الناشطة الروسية المعارضة “ليوبوف سوبول”، والحليفة لـ “”أليكسي نافالني” المعارض الروسي البارز بخطة إجراء التصويت الدستوري في يوليو. موضحة أن بوتين يخاطر بحياة الناس وصحتهم.

يعول بوتين على نجاح الاستفتاء نتيجة عدد من العوامل منها:

  • أنه سيتم إجراؤه خلال مرحلة ابتهاج المواطنين نتيجة بدء انحسار الوباء، وبدء رفع القيود الصارمة المفروضة حالياً. 
  • سيتم اجراء الاستفتاء بدءًا من يوم 25 يونيو، أي في اليوم التالي من العرض العسكري الضخم احتفالاً بذكرى انتصار الجيش الأحمر علي النازية والذي سيجري يوم 24 يونيو هذا الشهر، وهي ذكرى قومية عزيزة لدى الروس. 
  • يٌمثل اختيار موعد قريب للاستفتاء من يوم النصر وتوسيع خيارات التصويت، ضمانة لارتفاع نسبة الإقبال. 
  • أظهرت الاستطلاعات التي تديرها الدولة والمستقلة أن أغلبية أو نسبة قريبة  من غالبية الروس تعرب عن استعدادها للتصويت لصالح التعديلات، والتي بالإضافة إلى إعادة تعيين حدود فترة الرئاسة تكرس الضمانات الاجتماعية.

علي الصعيد المقابل، ربما لا تبدو الصورة وردية بهذا الشكل، إذ ستؤدي وقائع حياة المواطنين وظروفهم الاقتصادية الصعبة نتيجة تفشي وباء “كوفيد-19” وتأثيراته السلبية علي الاقتصاد الروسي وتراجع أسعار النفط إلى تصفير هذا المزاج الإيجابي، بعد أن يتضح أن العديد من المطاعم والمحلات قد تم إغلاقها لاجل غير مُسمي، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار في المتاجر. وربما يستخدم السكان التصويت للتعبير عن استيائهم من القيود والمشكلات الاقتصادية. وحتى الموالون أصبحوا ينتقدون بعض الإجراءات، بعد أن استشعروا تراجع دخولهم وحتمية ارتفاع معدل البطال.

سيناريوهات إجراء الاستفتاء 

يمكن رصد عدد من السيناريوهات بشأن توقع إجراء  الاستفتاء على التعديلات الروسية المقبلة والتي تقرر لها يوم 1 يوليو في ظل انتشار فيروس كورونا المُستجد:

  • السيناريو الأول: اجراء الاستفتاء في موعده، وذلك رغبة من بوتين في ذلك إذ أكد علي أهمية التصويت علي التعديلات الدستورية ، قائلا إن “الدستور يشكل أساس حياة بلادنا”، ويريد بوتين من جراء الاستفتاء تعزيز شرعيته والتي تأثرت بشكل ما نتيجة لتداعيات وباء “كوفيد-19” الأمر الذي جعل بوتين في وضع غير مستقر، كما إن إلغاء التصويت سيكون علامة ضعف للنظام الروسي وهو أمر غير مقبول لبوتين. كما يريد بوتين تحسين صورة الاقتصاد الروسي والتي تأثرت كثيرا بعمليات الإغلاق التي أمر بها النظام الروسي في أواخر مارس الماضي، والتي ألحقت أضراراً بالغة بالاقتصاد الذي تأثر أيضاً بالانخفاض الحاد في أسعار النفط، مما أثار السخط الاجتماعي، وتراجعت معدلات الرضا عن أداء الرئيس بوتين إلي 59% في أبريل – وفقاً لاستطلاعات رأي أجراها مركز ليفادا، أكبر مركز استطلاعات رأي مُستقل في روسيا – وهي أدنى مستوى للرئيس بوتين في العقدين اللذين قضاهما في السلطة. وبالتالي يسعى بوتين من خلال إجراء الاستفتاء في موعده لمواجهة هذه التحديات مُجتمعة.
  • السيناريو الثاني، أن يتم إجراء الاستفتاء عن طريق التصويت الالكتروني “On line” بدلاً من خروج الناس لصناديق الاقتراع، وذلك لمواجهة أزمة تفشي فيروس كوروونا، وخوفاً علي صحة المواطنين الروس من العدوي، لكن اللجنة المركزية للانتخابات والمسؤولة عن تنظيم إجراء الاستفتاء، استبعدت ذلك الأمر، ولكن ربما يتم اللجوء إليه في وقت لاحق، إذا ما طرأت أي تغيرات جديدة علي مدي استعداد المواطنين للمشاركة في الاستفتاء الدستوري. 
  • السيناريو الثالث، تأجيل الاستفتاء علي التعديلات الدستورية لموعد اّخر يُحدد لاحقاً، وسيحكم ذلك استمرار تسجيل حالات إصابة بفيروس كورونا بأعداد كبيرة في صفوف المواطنين الروس، ما سيدفع الروس إلي عدم الخروج تجنباً لإصابتهم بالعدوي، وربما يكون لمراكز استطلاعات الرأي الحكومية الروسية دور في ذلك خلال الأيام القادمة وقبل الموعد المُحدد للاستفتاء، ربما تأخذ  الحكومة الروسية قرار التأجيل، مثلما حدث مع تأجيل العرض العسكري الكبير والذي كان مُقرراً له يوم 9 مايو الماضي في ذكري انتصار الجيش الاحمر علي النازية في 9 مايو 1945 وتم تأجيل العرض ل 24 يونيو من هذا الشهر.

إذن  يرى البعض أن مغامرة إجراء الاستفتاء على  التعديلات الروسية في الأول من يوليو، في ظل تفشي فيروس كورونا المُستجد، مٌجازفة لا يمكن التنبؤ بعواقبها، في حين يرى النظام أن هذه المغامرة محسوبة ومدروسة بشكل كبير، وفي ظل حالة عدم اليقين هذه ستكشف الأيام القادمة التي ستسبق إجراء الاستفتاء عن كثير في هذا الصدد. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى