المراكز الأمريكية

مركز أمريكي : كيف يمكن لواشنطن إدارة شراكات الدفاع بالشرق الأوسط في خضم منافسة القوى العظمى ؟

في مقال نُشر على موقع “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى“، للكاتبين (جرانت روملي و كاثرين ويلبارغر)، أوضحا فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية يُمكنها – وكبديل لانسحاب قواتها من منطقة الشرق الاوسط – بناء خطط أمنية تعاونية طويلة المدى على المستوى الإقليمي، فضلاً عن توضيح سياسة العقوبات في إطار قانون “كاتسا” (CAATSA)، وهو القانون الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي، في 2 أغسطس 2017، ويستند إلى سياسة فرض العقوبات كـ “تعزيز الضغوط على خصوم واشنطن”.

كما أوضح الكاتبان أنه وفي الوقت الذي تقوم فيه إدارة الرئيس “جو بايدن” بمراجعة الموقف العسكري الأمريكي في العالم، فإن من الأمور المٌتفق عليها أن الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط سوف يتقلص.  وفي 3 مارس 2021 أشارت “وثيقة الدليل الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي الأمريكي”، والتي تناولت موضوعات ارتبطت بمشهد الأمن العالمي وأولويات الأمن القومي الأمريكي، إلى الحاجة إلى تحديد “الحجم اللازم والمطلوب” للقوة الأمريكية بما يُمكنها من مواجهة وردع الشبكات والتنظيمات الإرهابية وردع العدوان الإيراني وحماية المصالح الأمريكية الحيوية الأخرى. 

ولكن البعض رأى أن إشارة الوثيقة إلى إشراك إيران دبلوماسيًا، فضلاً عن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان؛ يُعني أن الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط سوف يتقلص. الأمر الذي أثار قلق شُركاء الولايات المتحدة الأمريكية، واعتبروه بمثابة تخلي عن المنطقة. 

أوضح الكاتبان أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك وسائل كثير لمواجهة هذه المخاوف، إذ لا يجب أن يعني الانخفاض في وجود القوات الأمريكية انخفاضًا في التأثير أو الفعًّالية، وتبقى الحقيقة أنه لا يوجد منافس آخر يمكنه أن يضاهي شبكة العلاقات الدفاعية القوية لواشنطن في المنطقة. ومع ذلك، يرى الكاتبان أن الإدارة الجديدة وإن كانت تأمل في تبديد الحديث عن التراجع الأمريكي، وتأمين المصالح الأمريكية، وقطع الطريق على المنافسين الأخرين، فستحتاج إلى زيادة جهودها الدبلوماسية على جبهات مختلفة، وتوضيح رسالتها، وطمأنة شٌركائها المحليين. 

في يناير 2021 أشار الجنرال “كينيث ماكنزي” قائد القيادة المركزية الأميركية، إلى أن القيادة المركزية الأمريكية تستكشف خيارات قواعد بديلة في المنطقة، وذلك لتقليل المخاطر التي تشكلها الصواريخ الباليستية الإيرانية على القواعد الأمريكية، بحيث ترتكز العديد من هذه القواعد في دول الخليج، وبالتالي ستكون على مسافة قريبة من إيران لمواجهة أي تهديدات قد تنشأ من طهران، وأضاف الجنرال ماكنزي أن نقل القوات الأمريكية إلى قواعد أخرى يقلل من المخاطر الكلية ويزيد من مرونة واشنطن في الرد على التهديدات في المواقع المختلفة.

في السياق ذاته، وفي 8 يناير 2020، أطلق الحرس الثوري الإيراني، في عملية عسكرية سميت باسم “عملية الشهيد سليماني”، العديد من الصواريخ الباليستية على قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، غرب العراق. وبينما قالت الولايات المتحدة في البداية إنه لم يصب أو يُقتل أي من أفراد القوات الأمريكية في الهجوم، لكن وزارة الدفاع الأمريكية قد اعترفت باصابة 109 جنود أمريكيين بارتجاج في الدماغ جراء الضربات الإيرانية.

وردًا على ذلك عززت الولايات المتحدة من قواتها في العراق، وعظمت من قدراتها الدفاعية والجوية. وبهذا تُظهر الولايات المتحدة الأمريكية التزامًا بتشديد الدفاعات من أجل زيادة طول بقاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، بما يرسل رسائل طمأنة للحلفاء ورسائل ردع للخصوم. 

أوضح الكاتبان أيضًا أن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة بما تملكه من مميزات أن تطمئن شركائها، وذلك يتضح من التدريبات العسكرية الإقليمية والمناورات العسكرية والجهود المشتركة التي تقوم بها بالتعاون مع حلفائها لمكافحة الإرهاب، منها على سبيل المثال (الأسد المتأهب مع الأردن، ومناورات Eager Defender مع الكويت، ومناورات النجم الساطع مع مصر). بالإضافة لذلك، يواصل الأسطول الخامس الأمريكي ومقره البحرين رعاية مبنى الأمن البحري الدولي المكون من ثمانية أعضاء لأنه يحمي التدفق الحر للتجارة عبر مضيق هرمز. بالإضافة إلى إجراء تدريبات منتظمة بشأن حرية الملاحة مع الشركاء. ومؤخرًا صادر الأسطول الخامس شحنة من الأسلحة الصغيرة كانت متجهة على الأرجح إلى المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

وفي جزء أخر من المنطقة، نقل البنتاجون إسرائيل من منطقة مسؤولية القيادة الأوروبية إلى القيادة المركزية الأمريكية، وستمنح هذه الخطوة إسرائيل المزيد من الفرص لدمج جهودها الأمنية مع الشركاء العرب. علاوة على ذلك، من المرجح أن يشمل التخطيط الدفاعي للولايات المتحدة لإسرائيل أصولًا من القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا ” EUCOM”، والتي لها تاريخ طويل في توفير الخدمات اللوجستية والدعم للقوات الإسرائيلية.

بناء خطط تعاون أمني طويلة المدى

يقول الكاتبان أن شركاء الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، ينظرون إلى التعاون الأمني على أنه استفتاء حول كيفية رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لعلاقتها الشاملة معهم، ففي الماضي أدت المستويات المتغيرة من مبيعات الأسلحة بين الإدارات الأمريكية والشروط التي كانت تفرضها عليهم إلى تأجيج بعض التوترات مع واشنطن، واليوم، تنطوي مثل هذه الممارسات على مخاطر إضافية تتمثل في احتمال تحول الشركاء إلى روسيا والصين من أجل شراء الأسلحة. 

على سبيل المثال، ارتفعت صادرات الصين من الطائرات بدون طيار إلى الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، وذلك وفقًا لأحدث البيانات التي قدمها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. 

كما يرى الكاتبان أن إدارة بايدن قد تقوم بتقليص مبيعات الأسلحة إلى شركاء محددين – وهو استنتاج معقول بالنظر إلى العواقب السلبية التي ظهرت في بعض الأحيان من بيع الأسلحة الأمريكية إلى المنطقة – لكنهم يرون أيضًا أن إحداث تغيير فجائي قد يعرض العلاقات الثنائية الأمريكية والأولويات العالمية للخطر.

ولتجنب مثل هذا الاضطراب، يوضح الكاتبان أن على واشنطن تطبيع ما تعتبره المستوى الأساسي للدعم العسكري للشركاء، على أن يكون ذلك أمر متعارف ومٌعتاد عليه تسير وفقًا له الإدارات اللاحقة، وبالنسبة للبلدان التي تعتمد على التمويل العسكري الأجنبي، يجب أن يشمل ذلك التشاور الوثيق مع الكونجرس لتوقع مستويات التمويل في المستقبل. بالنسبة للبلدان التي لديها الأموال اللازمة للشراء من خلال برنامج المبيعات العسكرية الخارجية (FMS)، ويجب على الولايات المتحدة حثها على التركيز على الطلبات التي من غير المرجح أن تثير رد فعل من الكونجرس، مثل الأنظمة المخصصة للدفاع ضد الصواريخ الباليستية، وأمن الحدود، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. فلدى بعض البلدان التي تعتمد على التمويل العسكري الخارجي (على سبيل المثال، الأردن) آليات تخطيط لسنوات قادمة يتشاور فيها المسؤولون الأمريكيون مع نظرائهم الأردنيون حول كيفية الموازنة بين أولويات الاستحواذ والتمويل المتوقع في المستقبل. كما يجب على واشنطن أن تفكر في توسيع هذا النموذج ليشمل دول أخرى. 

يوضح الكاتبان أيضًا أهمية وجود جدول زمني طويل ومٌخطط له بعناية بحيث يطمئن الشركاء حتى لو انحسر التعاون الأمني الأمريكي مع تغير الإدارات المتعاقبة، إلا أنه لن يتبدد بين عشية وضحاها. 

التنبؤ بالمخاطر بشكل أكثر وضوحًا

أوضح الكاتبان أن هناك عاملين أساسيين قد ساهما في تعقيد الشراكات الدفاعية الأمريكية بشكل متزايد في السنوات الأخيرة. 

  • العامل الأول: هو قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال فرض العقوبات “قانون كاتسا” (CAATSA) لعام 2017، والذي يتطلب من الحكومة الأمريكية فرض ما لا يقل عن خمسة من اثني عشر عقوبات محتملة ضد أي دولة تقوم بعمليات شراء عسكرية من روسيا. وحتى الآن، طبقت واشنطن عقوبات CAATSA على الصين (عندما قامت بشراء طائرات مقاتلة روسية من طراز ((Su-35 ونظام الدفاع الجوي (S-400) وتركيا (لشراء وقبول أنظمة S-400 الروسية). 
  • العامل الثاني: هو الوجود المتزايد للعتاد العسكري الروسي والصيني في الدول الشريكة للولايات المتحدة، مما يزيد من مخاطر جمع المعلومات الاستخباراتية ضد المنصات الأمريكية. ومما يزيد الأمر تعقيدًا زيادة الاستثمار التجاري الصيني في المنطقة والقلق المتزايد من أن هذه الصفقات غالبًا ما تتضمن أصولًا استخباراتية وعسكرية.

وبعد مرور عام على إقرار قانون “كاتسا”، أصدر الكونجرس تشريعات إضافية تسمح للرئيس بإصدار إعفاءات في الحالات التي تحل فيها مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية محل الغرض من العقوبات. 

أوضح الكاتبان أن “الهند” هي المرشح الرئيس لمثل هذه الإعفاءات، على الرغم من أنها تتمتع بعلاقة دفاعية طويلة الأمد مع روسيا لكنها مهمة بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية في مواجهة الصين. وعلى الرغم من أن نيودلهي قد نوعت إنفاقها واشترت المزيد من العتاد الأمريكي في السنوات الأخيرة، إلا إنها اشترت أيضًا (أنظمة S-400) من موسكو في عام 2016 ومن المتوقع أن تتسلمها هذا العام، ويرجح الكاتبان أن تنتظر إدارة بايدن حتى تلك النقطة لتقرر ما إذا كانت ستصدر تنازلًا أم لا. 

في المقابل، فإن تركيا، وهي عضو في الناتو قد استلمت (أنظمة S-400) من موسكو، على الرغم من التحذيرات المتعددة من الولايات المتحدة، مما أدى إلى فرض عقوبات CAATSA عليها، واستبعادها من بيع طائرات F-35 لها. 

ومع ذلك، فإن التأخير في الرد على الهند والشركاء الآخرين الذين اشتروا السلاح الروسي (على سبيل المثال، مصر التي اشترت طائرات Su-35) جعل العديد من الحكومات تتساءل عن سياسة واشنطن في تطبيق قانون “كاتسا” بالتحديد.  

يواصل الكاتبان القول بأنه وفيما يتعلق بالوجود المتزايد لأسلحة العدو بالقرب من الأصول الأمريكية، سنجد حالة S-400 / F-35 التركية هي المثال الروسي الأبرز، لكن العديد من الأمثلة الصينية تستحق الذكر أيضًا –وفقًا للكاتبان- حيث اختارت بكين جيبوتي كموقع لقاعدتها الأجنبية الأولى، واستقرت في النهاية على بعد كيلومترات فقط من القاعدة الأمريكية في “معسكر ليمونير”. ووفقًا لتقرير صادر عن المعهد البحري الأمريكي في أبريل 2021، يقدر المسؤولون العسكريون الأمريكيون أن الصين وسعت الآن من قدراتها هناك لتكون قادرة على إصلاح حاملات الطائرات. وعلى الصعيد التجاري، هناك استثمارات صينية معينة – مثل توقيعها صفقة لإدارة ميناء حيفا الإسرائيلي (الذي يستخدمه أحيانًا الأسطول السادس للولايات المتحدة)، كما تُخطط لبناء شبكة (5(G في الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن سعي الإمارات لشراء منظومة (f-35)، كل تلك الأمور من وجهة نظر الكاتبان قد تعرض أمن الأصول الأمريكية في المنطقة للخطر، كما ستٌعقد من علاقات الولايات المتحدة مع هذه البلدان.

أوضح الكاتبان أيضًا، أن وزارة الدفاع الأمريكية تجري كل عام منتديات عسكرية متعددة مع شركائها الإقليميين، بعضها متعدد الأطراف، وبعضها بشكل منفصل. ورأو ضرورة استخدام هذه الحوارات كمنتدى لمعالجة سياسة قانون “كاتسا”، بما في ذلك ما تراه واشنطن كمحفزات للعقوبات والإعفاءات منها. سيوفر هذا المنتدى أيضًا فرصة مفيدة لتحديد معايير محددة لمستوى ونوع الاستثمار الصيني الذي قد يحفز واشنطن على الحد من تعاونها الأمني مع شريك معين.

الخاتمة

في يونيو الحالي، أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية حاملة الطائرات “رونالد ريجان” (Ronald Reagan) للشرق الأوسط لدعم انسحاب واشنطن من أفغانستان.

ويرى الكاتبان أنه وبمجرد عودة حاملة الطائرات “رونالد ريجان” إلى المحيطين الهندي والهادئ، سيكون لدى المنافسين الأمريكيين نقطة نقاش مناسبة لتسليط الضوء على التراجع الأمريكي المتصور عن المنطقة. 

ولمواجهة هذه الرواية، وصد المنافسين من القوى العظمى في الشرق الأوسط، وإعادة تركيز الموارد في أماكن أخرى بطريقة أكثر فاعلية واستدامة، ستحتاج إدارة بايدن إلى اتخاذ عدة خطوات عاجلاً وليس آجلاً. ويرى الكاتبان أن يجب على إدارة الرئيس بايدن تحويل التركيز بعيدًا عن مجرد “وضع القوات على الأرض”، بل عليها السعي لتوضيح سياسة قانون “كاتسا”، وتعزيز التعاون الأمني مع الشركاء الإقليميين الرئيسيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى