روسيا

مقتضيات الضرورة: كيف فرضت التحولات الدولية نفسها في تطوير العقيدة البحرية لروسيا؟

فرضت التحديات الجديدة والأوضاع الجيوسياسية الراهنة في العالم على روسيا الاتحادية تعديل عقيدتها البحرية التي اعتمدتها في 17 يونيو 2015، فضلًا عن تعديل ميثاق أسطولها العسكري بإدراج تعديلات في مواثيق الخدمة الداخلية وخدمات الحماية والحراسة للقوات المسلحة الروسية.

وفي هذا السياق، وقع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” يوم 31 يوليو 2022، مرسومًا بالموافقة على العقيدة البحرية الروسية الجديدة، وذلك في خِطابه الذي ألقاه ضمن الفعاليات الاحتفالية بمناسبة يوم “البحرية الروسية”، في قلعة “بطرس وبولس” بمدينة “سانت بطرسبرج”. 

تُعيد العقيدة البحرية الروسية الجديدة أهداف وغايات السياسة البحرية لروسيا الاتحادية في سياق المواجهة المُتجددة بين القوى العظمى، فالوثيقة المكونة من (55) صفحة، تضمن ردًا على التهديدات والتحديات الرئيسة للأمن القومي والتنمية الروسية المُتمثلة في هدف واشنطن الهيمنة على محيطات العالم، وتحرك البنى العسكرية لـ “حلف الناتو” باتجاه الحدود الروسية.

هذا وتؤكد العقيدة البحرية الجديدة رغبة روسيا القوية في امتلاك أسطول بحري قوي؛ يُدافع عن مصالحها في العالم بقوة، وذلك تماشيًا مع دورها القوي على الساحة الدولية. وترسم في الوقت ذاته حدود ومناطق المصالح الوطنية الروسية.

الاختلاف بين العقيدتين

تحدد العقيدة البحرية الجديدة التي وافق عليها الرئيس “بوتين” الأهداف والمخاطر والتهديدات الرئيسة لروسيا في محيطات العالم، وتسمح باستخدام القوة العسكرية في “مناطقها الحيوية”. هذا واشتملت العقيدة البحرية الجديدة على عدد من الأمور المُستحدثة التي فرضتها معطيات الوضع الراهن، ما جعلها تختلف عن تلك التي جاءت في وثيقة عام 2015. 

ويتمثل الاختلاف الأساسي في العقيدة البحرية الروسية الجديدة في النهج المختلف للمصطلحات والتعريفات التي تم ذكرها. ويمكن تلخيص المفاهيم الأساسية الضرورية وفقًا لما جاء في الفقرة رقم (4) من المادة الأولى؛ إذ تختلف بشكل كبير عن تلك التي جاءت في العقيدة البحرية السابقة. 

أول هذه الاختلافات تمثل في تعريف النشاط البحري؛ إذ تم تعريفه في عقيدة 2015 بأنه “الأنشطة الخاصة بدراسة المحيط العالمي وتطويره واستخدامه لصالح التنمية المستدامة وضمان الأمن القومي لروسيا الاتحادية”. بينما في عقيدة 2022 تم تعريفه بأنه “أنشطة لدراسة وتطوير واستخدام وحفظ موارد ومساحات المحيط العالمي لصالح التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، وضمان الأمن القومي لروسيا الاتحادية”.  

ويتمثل الاختلاف هنا في أن التعريف القديم لفت الانتباه إلى مفهوم “الأمن القومي”، بينما ارتبط التعريف الجديد “بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية”.  إذًا فالتعريف الجديد يعد القوة البحرية جزءًا لا يتجزأ من القوة الاقتصادية للدولة، وبالتالي يعد “القوة البحرية للدولة” على أنها قدرة الدولة على وضع جميع موارد المحيط في خدمة الإنسان واستخدامها بالكامل لتطوير الاقتصاد، بما يخدم في النهاية المواطن الروسي، ويُسهم في تطوير القوة الدفاعية للدولة. 

الاختلاف الثاني يتمثل في مفهوم “المصالح الوطنية” لروسيا في المحيط العالمي؛ إذ تم تعريفها في الفقرة الرابعة من المادية الثانية من عقيدة 2015 على أنها “مجموعة من احتياجات الدولة والمجتمع في مجال الأنشطة البحرية، والتي يتم تنفيذها على أساس الإمكانات البحرية لروسيا الاتحادية”، بينما في العقيدة الجديدة لعام 2022 نصت الفقرة رقم (3) من المادة الرابعة على أن مفهوم المصلحة الوطنية يعني “الاحتياجات المهمة للدولة والمجتمع في مجال الأنشطة البحرية المتعلقة بضمان الأمن القومي لروسيا الاتحادية، وخلق ظروف مواتية للتنمية المستدامة”. 

الفرق هنا مهم لأن معنى التعريف الأول يعني ضمنًا تضمين المصالح الوطنية فقط تلك الاحتياجات التي يمكن تحقيقها على أساس الإمكانات الحالية، بينما يؤكد التعريف الثاني على الأهمية الموضوعية لهذه الاحتياجات، والحاجة إلى خلق شروط لتحقيقها. بالإضافة إلى ذلك، تؤكد العقيدة الجديدة (المادة رقم 8) على الطبيعة العالمية للمصالح الوطنية لروسيا كقوة بحرية عظيمة، وانتشارها في المحيطات بأكملها.

وتولي العقيدة البحرية الجديدة اهتمامًا كبيرًا للتحديات والتهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي الروسي، والتي تمت مناقشتها، إلى جانب المصالح الوطنية، في المادة الثانية من الوثيقة. وعلى وجه الخصوص، تمت الإشارة إلى حالة المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها (المادة 20 الفقرة الثانية) والتهديدات الناشئة عن هذا الوضع (المادة 22 الفقرة الثانية).

يسلط المبدأ الجديد الضوء أيضًا على المخاطر الرئيسة للأنشطة البحرية (المادة 23 الفقرة الثانية)، ومن بينها أيضًا المشكلات التي يجب تصحيحها، مثل تطوير الأسطول التجاري الروسي وعدد من السفن التي ترفع العلم الروسي، وتحديد الأهداف والغايات، والإشارة لنقص القواعد الخارجية للبحرية الروسية.

من الاختلافات أيضًا بين الوثيقتين، أنه وللمرة الأولى يتم النص على بناء حاملات الطائرات في العقيدة البحرية الجديدة؛ فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي منذ أكثر من ثلاثين عامًا لم يتم بناء مثل هذه السفن للبحرية الروسية، ولكن العقيدة الجديدة نصت على إمكانية بناء سفن حربية حديثة تحمل الطائرات، بينما في عقيدة عام 2015كان الأمر يتعلق فقط بتطوير التقنيات التي من شأنها أن تسمح بتطوير أنواع “جديدة بشكل أساسي” من المعدات البحرية، بقدرات لم يكن من الممكن تحقيقها سابقًا. 

التركيز الإقليمي

وعلى الصعيد الإقليمي، فرضت التحديات الراهنة التركيز على الوضع الإقليمي، فأشارت العقيدة البحرية الجديدة إلى أن أولويات السياسة البحرية الروسية تتمثل في الحفاظ على الوجود البحري في الخليج العربي، والحفاظ على نقاط الدعم اللوجيستي في البحر الأحمر والمحيط الهندي، والاستفادة من البنى التحتية لدول المنطقة من أجل ضمان الأنشطة البحرية لروسيا، فضلًا عن تطوير شراكة استراتيجية وتعاون بحري مع الهند وإيران والعراق والمملكة العربية السعودية ودول أخرى في المنطقة.

ومع بعض الاختلافات البسيطة، وتماشيًا مع ما جاء في عقيدة 2015، سلطت العقيدة البحرية الروسية لعام 2022 الضوء على الاتجاهات الإقليمية للسياسة البحرية الروسية؛ ففي وثيقة عام 2015 تم إيلاء التركيز الأكبر على المحيط الأطلسي متبوعًا بالقطب الشمالي والمحيط الهادئ وقزوين، ثم الاتجاهين البعيدين، المحيط الهندي والقطب الجنوبي. بينما في وثيقة عام 2022 –وعكس عقارب الساعة-احتل القطب الشمالي المرتبة الأولى، يليه المحيط الهادئ، ثم المحيط الأطلسي، وبحر قزوين، ثم المحيط الهندي والقطب الجنوبي. 

في سياق آخر، تمت الإشارة إلى إضفاء الطابع الملموس على بعض المهام، ولا سيما إنشاء البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية لمجمع النقل في القطب الشمالي، وتطوير مجمع بناء السفن في الشرق الأقصى، والمقصود بشكل خاص لبناء حاملات طائرات حديثة لروسيا. وتشكيل نقاط الدعم اللوجيستي في بعض الدول. ففي منطقة البحر الأبيض المتوسط​​، اشتملت الأولويات على تعزيز الشراكة مع سوريا على أساس المركز اللوجستي في طرطوس، والذي سيوفر “بشكل دائم الوجود البحري الروسي في البحر الأبيض المتوسط”. 

وذكرت الوثيقة أن روسيا تعتزم أيضًا تحسين وتعزيز تجمع قوات أسطول البحر الأسود في شبه جزيرة القرم وعلى ساحل “إقليم كراسنودار”، وتطوير المراكز اللوجستية في دول البحر الأبيض المتوسط ​​الأخرى، فضلًا عن توسيع الوجود البحري الروسي في منطقة الخليج الفارسي، بما في ذلك إنشاء البنية التحتية في البحر الأحمر والمحيط الهندي والتعاون مع دول المنطقة.

وفقًا للعقيدة الجديدة، تخطط روسيا لبناء نقاط جديدة لخدمة البحرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مما سيسمح “بممارسة السيطرة على سلامة تشغيل اتصالات النقل البحري في هذه المنطقة”. ومن بين المجالات الوظيفية، تم التأكيد بشكل إضافي على الحاجة إلى تطوير بناء السفن، بما في ذلك تطوير الفرص لبناء سفن ذات سعة كبيرة، بما في ذلك حاملات الطائرات. وتنص العقيدة البحرية كذلك على زيادة القدرات القتالية للبحرية الروسية لضمان الأمن القومي وحماية المصالح الروسية، ومن المخطط تعزيز البنية التحتية العسكرية في شبه جزيرة القرم، وتعزيز الأسطول الروسي في البحر الأسود.

أولويات السياسة البحرية الروسية

في سياق آخر، أشارت الوثيقة إلى أن روسيا ستزيد من القدرات العملياتية للبحرية الروسية من أجل ضمان الأمن القومي للبلاد وحماية المصالح الروسية في المحيطات. بالإضافة إلى ذلك، ووفقًا للعقيدة، فإن السيطرة على الأنشطة البحرية للدول الأجنبية في مياه بحر الشمال هي إحدى أولويات السياسة البحرية الوطنية لروسيا في منطقة القطب الشمالي. وتحدد العقيدة أيضًا مهمة زيادة القدرة القتالية وتطوير نظام القاعدة للأسطول الشمالي، وقوات جهاز الأمن الفيدرالي، وقوات ووسائل الحرس الوطني. 

وأشارت الوثيقة أيضًا إلى “ضمان نظام العمليات المحدد في منطقة القطب الشمالي من خلال تعزيز الإمكانات القتالية للقوات التابعة لأساطيل شمال المحيط الهادئ”. ومن الأولويات الأخرى للسياسة البحرية الروسية، تطوير التعاون العسكري مع القوات البحرية لدول منطقة بحر قزوين، وتعميق العلاقات الاقتصادية والعسكرية والثقافية مع دول هذه المنطقة. وأشارت الوثيقة إلى أن العامل الحاسم في العلاقات مع الناتو يتمثل في عدم قبول تقدم البنية التحتية للحلف إلى الحدود الروسية، إضافة إلى التمسك الصارم بتوفير المصالح الوطنية لروسيا، وخلق الظروف لتعاون اقتصادي مستقر مع الدول الأخرى.

في الختام، تؤكد العقيدة البحرية الجديدة على استخدام أدوات السياسة البحرية لحماية المصالح الوطنية لروسيا في محيطات العالم، مع إمكانية استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر. ويُشير تحديد الأولويات إلى الاستعداد للتعاون السلمي مع أي مواضيع أخرى للنشاط البحري، وفهم لأسبقية التنمية الاقتصادية كأساس للقوة البحرية. في الوقت نفسه، تتطلب التحديات والتهديدات الحالية الحفاظ على إمكانات بحرية كافية، لحل مشاكل الدفاع عن البلاد والحفاظ على الوجود في مناطق الصراع ذات الاهتمام الاقتصادي والسياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى