
تتسم العلاقات المصرية الروسية بدرجة عالية من الأهمية، بما يمكننا من تصنيفها على أنها علاقات ذات طبيعة استراتيجية، وينظر دائمًا إلى روسيا كشريك سياسي وأمنى وتنموي. وقد اكتسبت العلاقات المصرية الروسية زخمًا كبيرًا خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة وأن لدى البلدين رؤى مشتركة فيما يتعلق بالحوكمة العالمية بجوانبها السياسية والاقتصادية، لاسيما مبادئ الاحترام المتبادل بين الدول والمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحق كل دولة فى اختيار النموذج التنموى الذي يناسب ظروفها، وتأكيد مركزية دور الأمم المتحدة فى النظام الدولى الحالى والتسوية السلمية للمنازعات.
وكذا، تعد مصر واحدة من الدول المهمة لروسيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ نظرًا إلى كونها تضم العديد من المراكز السياسية والاقتصادية والثقافية الرائدة في المنطقة، فضلًا عن مكانة مصر الكبيرة في العالم الإسلامي. وتعد مصر أحد الشركاء الرئيسين لروسيا الاتحادية في منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية. وتتحدد طبيعة العلاقات المصرية الروسية بـ”اتفاقية الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي” التي وقعها الرئيسان عبد الفتاح السيسي وفلاديمير بوتين” في أكتوبر عام 2018 ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2021.
إذًا، فالعلاقات المصرية الروسية علاقايت متينة ومتجذرة منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن، وتشهد نقلة نوعية بفضل الدعم الكبير الذي يقدمه الرئيسان المصري والروسي.
العلاقات المصرية الروسية.. محطات تاريخية ومصالح مشتركة
مرت العلاقات المصرية الروسية بفترات صعود وهبوط، فحينما كانت روسيا إمبراطورية كبرى تحت مسمى الاتحاد السوفيتي وقفت بقوة بجوار مصر في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، وقدمت دعمًا كبيرًا لمصر في المشروعات الاستراتيجية الكبرى، خاصة بناء السد العال، وإنشاء مصانع الألومنيوم والحديد والصلب والمشاركة في بناء حائط الصواريخ عام 1970 الذي أوقف استباحة الطائرات الإسرائيلية للأجواء المصرية، إضافة إلى أن الانتصار المصري على القوات الإسرائيلية في حرب أكتوبر 1973 كانت بالسلاح الروسي.
وبعد وفاة الرئيس عبد الناصر ومجيء الرئيس السادات في 28 سبتمبر 1970 بادر بطرد الخبراء السوفيت من مصر في صيف 1972، ثم انفتح على الولايات المتحدة والغرب، وظل هذا التوجه أساسيًا في السياسة المصرية طوال عهد الرئيس حسني مبارك منذ عام 1981 وحتى تنحيه عن السلطة في 11 فبراير 2011.
30 يونيو نقطة تحول
كانت ثورة 30 يونيو 2013 نقطة تحول كبيرة في علاقة مصر بروسيا، وتحديدًا منذ الزيارة التي تمت في 14 نوفمبر 2013 وقام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي –وقت أن كان وزيرًا للدفاع- ووزير الخارجية، الأمر الذي بدا أنه مؤشر على تحول مهم في السياسة الخارجية المصرية، ثم تعددت الزيارات المتبادلة بين الجانبين على كافة المستويات.
ومنذ هذا الوقت، توثقت العلاقات المصرية الروسية؛ إذ زار الرئيس عبد الفتاح السيسي موسكو عدة مرات، ومنح شركاتها مشروعات عملاقة أهمها مشروع “الضبعة النووي” الذي دشنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
هذا فضلًا عن تأكيد وزير الخارجية الروسي “لافروف” خلال زيارته الأخيرة إلى مصر في أبريل 2021، للرئيس السيسي عن موقف بلاده الثابت برفض المساس بالحقوق المائية التاريخية لمصر في مياه النيل ورفض الإجراءات الأحادية في هذا الصدد، معربًا عن التقدير للجهود الحثيثة والمخلصة التي تبذلها مصر في هذا الإطار، وتطلع بلاده إلى التوصل إلى حل يحقق مصالح كافة الأطراف من خلال المفاوضات في أقرب وقت ممكن.
ورغم ما قد يشوب العلاقات المصرية الروسية من بعض التوترات أحيانًا مثلما حدث بعد سقوط الطائرة الروسية في سيناء عام 2015 وكذا بعد موقف مندوب موسكو لدى الأمم المتحدة في جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن سد النهضة في 8 يوليو 2021، إلا أن الجانبين يتداركان هذه التوترات سريعًا؛ انطلاقًا من عمق العلاقات التي تجمع البلدين.
موسكو القاهرة.. تعاون متبادل ومصالح مشتركة
في السياق ذاته، أشار السفير الروسي في القاهرة “جيورجى بوريسينكو”، في لقاء على إحدى الفضائيات المصرية يوم 21 أكتوبر 2021، إلى أن روسيا ترغب في تطوير وتقوية الشراكة مع مصر، وأن الاتفاقية الخاصة بالتعاون الشامل والشراكة الاستراتيجية بين البلدين التي تم توقيعها بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال عام 2018 وتم إقرارها خلال العامين الماضيين قد تم تفعيلها خلال هذا العام.
تدرك روسيا الأهمية الكبيرة لمصر في المنطقة، وهو ما تجلى في التوافق بين موسكو والقاهرة في التعاطي مع العديد من القضايا والأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وانعكست تداعياتها بشكل كبير على الدول الأوروبية بشكل عام وروسيا بشكل خاص، مثل الأزمة الليبية والقضية الفلسطينية. هذا علاوة على عن المواقف المشتركة في الأمم المتحدة. لذا من المتوقع أن يستمر نهج العلاقات على هذا المسار، نظرًا إلى وجود بعض المظاهر والدلائل التي تؤكد اتجاه العلاقات بين البلدين إلى التطور في شتى المجالات.
وعلاوة على ذلك، هناك تعاون أيضًا بين القاهرة وموسكو في قضايا الأمن السيبراني وقضايا الإرهاب، فضلًا عن تعزيز التعاون الاقتصادي بوتيرة سريعة منذ عام 2013، الأمر الذي جعل من روسيا الشريك الثالث الأكثر أهمية لمصر بعد الاتحاد الأوروبي والصين؛ انعكاسًا لرغبة البلدين في تطوير العلاقات الثنائية؛ إذ تسعى القيادة السياسية المصرية إلى تنويع شراكاتها الدولية من أجل توسيع استقلالها الاستراتيجي، مع تعظيم العوائد الجيوسياسية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تود روسيا أن تجني فوائدَ أمنيةً وتجاريةً من التعاون.
روسيا ومصر.. اّفاق واعدة للتعاون
هناك آفاق واعدة في عدد من المجالات بين الجانبين المصري والروسي ومن بينها:
- التعاون في مجال السياحة: منذ سنوات أصبحت المنتجعات المصرية مكانًا مفضلًا للسياح الروس؛ إذ يشكل تدفق السياح الأجانب إلى مصر مصدرًا مهمًا للدخل القومي.
- التعاون في المجال السياسي: تعد مصر أحد الشركاء الرئيسيين لروسيا الاتحادية في منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية. وتشكل الاجتماعات المنتظمة لوزراء الخارجية والدفاع في صيغة “2+2” جزءًا مهمًا للحوار السياسي الثنائي، خاصة في ظل المتغيرات والأحداث المتلاحقة التي يشهدها العالم.
- التعاون في مجال التجارة: تعد مصر حاليًا أكبر شريك تجاري لروسيا في الشرق الأوسط وإفريقيا، وبلغت التجارة الثنائية بين موسكو والقاهرة 6.2 مليار دولار عام 2019، من بينها 5.7 مليار دولار قيمة الصادرات الروسية إلى مصر. وقد زادت روسيا بشكل كبير من صادراتها لمصر من وسائل النقل البري بقيمة بلغت 74 مليون دولار، والمعدات الكهربائية بـ39 مليون دولار، بينما زادت مصر من صادراتها إلى روسيا بشكل كبير من الفاكهة والخضروات الطازجة والمصنعة بقيمة 13 مليون دولار.
هذا فضلًا عن أن الشركات الروسية الكبرى، بما في ذلك “روس نفط” و”لوك أويل” و”لادا”، تعمل في السوق المصرية باستثمارات تتخطى 7.4 مليار دولار. ويحرص الجانبان المصري والروسي على استكمال كافة الإجراءات المتعلقة بإنشاء المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي من المتوقع أن تجذب استثمارات روسية تفوق 7 مليارات دولار، وتوفر نحو 35 ألف فرصة عمل جديدة.
- التعاون في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب: يعد البَلَدَان من الدول الرائدة في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، ومن أكثر الدول المستهدفة من قبل الجماعات الإرهابية والمتطرفين. وعليه، فمن الطبيعي أن يحدث تلاقٍ في رؤي الجانبين في التعاطي مع الإرهاب والتطرف. و
في هذا السياق، تؤيد كل من موسكو والقاهرة على الدوام توحيد الجهود من أجل مكافحة الإرهاب الدولي، وتواصلان الحوار الوثيق حول هذا الموضوع في الأمم المتحدة. وكذا، هناك تعاون استخباراتي بين مصر وروسيا، فروسيا تمتلك قدرات استخباراتية ومعلوماتية متقدمة، ولديها رؤية تتطابق مع الرؤية المصرية بضرورة مكافحة الإرهاب واستئصال جذوره من المنطقة بكاملها.
- التعاون في المجال العسكري: إن التعاون المصري الروسي في الجانب العسكري ليس بالأمر الجديد؛ إذ يمتد هذا التعاون بين البلدين منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وتعد مصر أحد الشركاء ذوي الأولوية بالنسبة لروسيا في مجالات التعاون العسكري والتقني.
وقد أسست زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي -حين كان وزيرًا للدفاع- إلى روسيا لتعاون استراتيجي واسع النطاق بين البلدين من خلال تحديث قدرات الجيش المصري، وإمداده بمنظومات دفاعية متقدمة منها طائرات مقاتلة من طراز “ميج – 29 “، وأنظمة دفاع جوي وصواريخ “كورنيت ” المضادة للدبابات، وطائرات مروحية مقاتلة من طراز “كا – 25″، “مي – 28″، “مي – 25″، وتمثل تلك الصفقات دعمًا للمساعدة في القضاء على العناصر الإرهابية المتطرفة.
وشهدت أواخر عام 2020، المناورات البحرية المشتركة بين البلدين تحت عنوان “جسر الصداقة-3″، والتي نظمت لأول مرة في البحر الأسود، وكانت تهدف إلى دعم جهود الأمن والاستقرار في المنطقة. بحيث عبرت بموجبها قطع بحرية مصرية مضيق الدردنيل والبوسفور للاشتراك في المناورات البحرية. وتعد مناورات “جسر الصداقة”، أحد أهم التدريبات المشتركة بين مصر وروسيا لنقل وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة لكلا البلدين وتعزيز آفاق التعاون العسكري.
- التعاون في مجال الطاقة: هناك تعاون بين البلدين في مجالات الطاقة غير التقليدية؛ إذ اتفقت مصر في أبريل 2014 مع روسيا على توريد احتياجات هيئة الطاقة الذرية من الوقود لتشغيل المفاعل النووي البحثي المصري الثاني، في ظل سعي مصر إلى تأمين الوقود النووي اللازم لأغراض البحوث. وتم الاتفاق مع روسيا من خلال بروتوكول تعاون على تحديث وتطوير المفاعل النووي البحثي المصري الأول الذي كانت روسيا قد قامت بتصنيعه في نهاية الخمسينيات. وبجانب ذلك، أعلن مجلس الوزراء المصري في أبريل 2020 إطلاق قمر صناعي جديد لأغراض التنمية من قاعدة باكي نور الروسية بكازاخستان.
- المشاريع المشتركة: تقوم روسيا بتنفيذ بعض المشاريع الكبرى في مصر ومن بينها: بناء محطة الضبعة النووية وفقًا للنمط الروسي، وإنشاء المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وكذلك توريدات عربات السكك الحديدية إلى مصر.
مصر بعد 30 يونيو.. سياسة تنويع الخيارات
تميز مسار السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة بالسياسة القائمة على التنوع الدولي التي لا يفرض فيها طرف بعينه على مصر خارطة علاقاتها. وتوثقت العلاقات المصرية مع عديد من القوى الدولية غير الغربية مثل الصين وروسيا. وبالنسبة لموسكو، على وجه الخصوص، لطالما نظرت موسكو إلى القاهرة بوصفها شريكًا بارزًا في شمال أفريقيا.
في الأخير يمكن القول، إن العلاقات المصرية الروسية علاقات متينة ومتجذرة منذ القرن التاسع عشر وحتى الاّن، وتشهد نقلة نوعية بفضل الدعم الكبير الذي يقدمه الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين. الأمر الذي دفع كليهما إلى إطلاق عام 2021 عامًا للتبادل الإنساني، وهو ما يعد جسرا مهمًا لتوطيد العلاقات بين مصر وروسيا، ومحطة للتعاون الشبابي بين البلدين، مما يسهم في توافق رؤى للدولتين.
باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية




