
التصعيد البحري..هل يزيد “تأزم” العلاقات الأمريكية الروسية؟
في الوقت الذي وصلت فيه العلاقات الروسية الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ نهاية الحرب الباردة؛ وفي تصعيد جديد للأحداث بين الجانبين، منعت البحرية الروسية مُدمرة أمريكية من الإبحار بالقرب من الحدود الروسية، وكانت هذه المدمرة –وفقًا للرواية الروسية- قد حاولت اختراق المياه الروسية مُتهمة إياها بخرق قواعد القانون الدول. أثار التصرف الروسي غضب الولايات المتحدة الأمريكية التي رأت أن ما تقوم به السُفن الأمريكية يعد أمرا مُعتادا ومشروعا ويتوافق مع القانون الدولي ولا يهدف لزعزعة استقرار أي قوى أخرى.
فما هي إرهاصات الأزمة؟ وكيف تعاملت روسيا مع الأمر؟ فضلاً عن كيفية تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الأزمة؟ هل تُنذر تلك المناوشات البحرية بمزيد من تأزم العلاقات؟ هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها في السطور التالية.
إرهاصات الأزمة
جاءت الأزمة في الوقت الذي أجرت فيه روسيا والصين مناورات بحرية مشتركة في المنطقة، حيث أطلقت الصين وروسيا، يوم الخميس 14أكتوبر 2021، مناورات “البحر المشترك 2021” قبالة الشرق الأقصى الروسي. ويُعد ذلك أحدث مؤشر على التحالف السياسي والعسكري بين البلدين. المناورات استمرت حتى يوم 17 أكتوبر 2021. هدفت هذه المناورات إلى تعمق التعاون البحري بين البلدين.
في السياق ذاته، شملت المناورات عمليات مكافحة الألغام، وإطلاق النار على أهداف بحرية، بالإضافة إلى مناورات مشتركة مضادة لغواصات العدو والدفاع الجوي المشترك.
يذكر أن تلك هي المرة الأولى التي تُرسل فيها الصين طائرات حربية مضادة للغواصات ومدمرات تزن أكثر من 10 اّلاف طن من أجل المناورات التي تتم في الخارج، كما شاركت في هذه المناورات سفن حربية وسفن دعم من أسطول المحيط الهادي الروسي وكاسحات ألغام.
دلالات التوقيت
تأتي هذه المناورات لتوجيه رسالة روسية صينية حول معارضتهم للتدخل الأمريكي في الشؤون العالمية، وكانت موسكو وبكين قد عارضتا الإخفاق الأمريكي في أفغانستان وأماكن أخرى من العالم.
وليست هذه المرة الأولى التي تقوم فيها روسيا والصين بإجراء مناورات بحرية مُشتركة، فهذه المناورات بدأت منذ عام 2005 ولكنها توقفت في عام 2020 بسبب تداعيات جائحة “كوفيد-19”.
وخلال المناورات لاحقت البحرية الروسية مدمّرة أمريكية حاولت اختراق المياه الروسية وأجبرتها على التراجع إلى المياه الإقليمية. وذلك عندما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن سفينة “أدميرال تريبوتس” المضادة للغواصات التابعة للبحرية الروسية وجهت عددا من الإنذارات إلى مدمرة “Chafee” الأمريكية التي اقتربت من المياه الإقليمية في بحر اليابان قرب ميناء فلاديفوستوك الروسي، ثم توجهت صوبها بغية إبعادها عن المياه الروسية، وذلك ضمن إطار قواعد الملاحة البحرية الدولية.
السفينة الروسية المضادة للغواصات “الأميرال تريبوتس” وجهت عددًا من الإنذارات للمدمرة الأمريكية لكنها لم تستجب، وبات الاصطدام وشيكًا بين الجانبين.
ووفقا لبيان وزارة الدفاع الروسية جاءت التحذيرات الروسية للمدمرة الأمريكية من التواجد في هذه المنطق المغلقة عسكريًا بسبب التدريبات المشتركة بين روسيا والصين، إلا أن المدمرة الأمريكية رفعت أعلامًا تشير لاستعداد مروحية للإقلاع من على متنها، وهذا يعني أنها لا تستطيع تغيير المسار، وحاولت خرق الحدود الروسية وفقًا للبيان. لكن المدمرة الأمريكية اضطرت لتغيير مسارها بعد ذلك، عندما تقلصت المسافة بينها وبين السفينة الروسية إلى أقل من 60 مترا فقط، وذلك لتفادي الاصطدام الوشيك بين السفينتين.
استنكار روسي
الأمر لم يقف عند حد ابعاد السفينة الأمريكية من المياه الإقليمية الروسية، بل استدعت موسكو الملحق العسكري الأمريكي للاحتجاج على ما وصفته بـ “التصرفات غير المهنية” لطاقم السفينة الحربية الأمريكية.
كما وصفت روسيا التصرف الأمريكي بأنه انتهاك صارخ للأنظمة الدولية الخاصة بمنع التصادم في البحار وفقًا للاتفاقية المبرمة بين موسكو وواشنطن عام 1972؛ بشأن منع الحوادث في المجالين البحري والجوي.
وكانت حادثة 15 أكتوبر 2021، هي المرة الثانية خلال أربعة أشهر التي تُطارد فيها موسكو سفينة حربية تابعة لحلف شمال الأطلسي. ففي يونيو 2021 خرقت المدمرة البريطانية “Defender” المياه الإقليمية الروسية قبالة سواحل شبه جزيرة القرم، ما دفع سفنًا تابعة للبحرية الروسية إلى إطلاق طلقات تحذيرية تجاهها. ورفضت بريطانيا رواية موسكو عن ذلك الحادث، قائلة إن سفينتها تعمل بشكل قانوني في المياه الأوكرانية.
وبعد تلك الحادثة بأيام قليلة، نشرت وزارة الدفاع البريطانية استراتيجية لتحديث القوات المسلحة في البلاد، أكدت فيها، من بين أمور أخرى، موقفَها تجاه روسيا، باعتبارها تمثّل تهديداً، وتحدثت عن خطط لزيادة الوجود البريطاني في منطقة البحر الأسود وبحر البلطيق.

كانت حادثة يونيو هي المرة الأولى منذ الحرب الباردة التي اعترفت فيها موسكو باستخدام الذخيرة الحية لردع سفينة حربية تابعة لحلف شمال الأطلسي، مما يؤكد التهديد المتزايد بحدوث تصادمات عسكرية وسط التوترات بين روسيا والغرب.
وفي أعقاب الحادث، حذرت موسكو من استعدادها لاستهداف أي سفينة حربية إذا لم تستجيب للتحذيرات؛ وفي إشارة إلى قوة البحرية الروسية، نفى الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” أن تقود الحوادث البحرية إلى صراع عالمي حتى لو أغرقت روسيا السُفن الغربية، نظرًا لأن الغرب لا يمكنه كسب معركة بحرية مع روسيا وفقًا لبوتين.
غضب أمريكي
رفضت البحرية الأمريكية ادعاء موسكو بأن السفينة الحربية الأمريكية حاولت دخول المياه الإقليمية الروسية في بحر اليابان خلال المناورات البحرية الروسية الصينية الأخيرة.
وفسرت البحرية الأمريكية وجود المدمرة “Chafee” بالقرب من ميناء فلاديفوستوك الروسي، على أنها تقوم بإجراء عمليات تتم بشكل دوري في المياه الدولية في بحر اليابان. كما وصفت تحركاتها بـ “الاّمنة والمهنية” وأنها تقوم بعملياتها “وفقًا للقانون والعرف الدولي، وأن الرد الروسي لن يُثني البحرية الأمريكية من الاستمرار في الإبحار والقيام بعملها طالما أن ذلك الأمر لا يُخالف القانون الدولي.
هل تُنذر تلك الحوادث البحرية بمزيد من تأزم العلاقات؟
في أعقاب تلك الحوادث سالفة الذكر، رفضت روسيا الحجج الأمريكية والبريطانية بأن سفنها الحربية كانت تمارس حق ما يسمى “بالمرور البريء” بموجب القانون البحري الدولي. كما رأت روسيا في تحركات السفن الغربية والأمريكية بالقرب من المياه الإقليمية الروسية على أنه اختبار أمريكي غربي لمدى القوة الروسية.
كما أحيت هذه المواجهة ذكريات حادثة الحرب الباردة عندما اصطدمت فرقاطة سوفيتية بالطراد الأمريكي “يو إس إس يوركتاون” (USS Yorktown) في البحر الأسود أثناء قيامها “بممر بريء” في المياه الروسية عام 1988، مما ألحق أضرارًا بالسفينة الحربية الأمريكية.
لكن بدا من تعامل روسيا مع المدمرة الأمريكية “Chafee” يوم 15 أكتوبر 2021، أن موسكو على استعداد تام لمنع أي عمليات اقتحام مماثلة في المستقبل، الأمر الذي يعكس نوايا روسية في توجيه رسائل لردع الولايات المتحدة وحلفائها عن إرسال سفنهم في بالقرب من المياه الروسية.
في الأخير، يُمكن تفسير رد الفعل الروسي بطرد المدمرة الامريكية في سياق العلاقات المتوترة بين موسكو والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين والتي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة – وقد توترت العلاقة بسبب قضايا مثل ضم روسيا القسري لشبه جزيرة القرم، ودورها في الصراع في أوكرانيا، والتدخل في الانتخابات الغربية، فضلاً عن الهجمات الإلكترونية التي يزعم الغرب أن قراصنة روس قاموا بتنفيذها. والأن تأتي هذه المناوشات البحرية لتزيد من تعميق جِراح العلاقات المتوترة بين واشنطن وموسكو.
باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية




