
ترقب وحذر..مستقبل غامض لفاجنر بعد مقتل “بريجوزين”
يبدو أن قصة “فاجنر” لم تنته باغتيال زعيمها “يفجيني بريجوزين”، إثر حادث طائرة يوم 23 أغسطس 2023، وذلك بعد شهرين من قيادته لتمرد ضد الدولة الروسية. ففي أخر تطور للأحداث عقب الاغتيال، أصدر الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” مرسومًا يأمر مقاتلي “فاجنر” وغيرهم من المتعاقدين داخل المجموعات العسكرية الخاصة بالتوقيع على قسم الولاء الرسمي لروسيا. يأتي ذلك رغبة من القيادة الروسية في تحجيم نفوذ تلك الجماعات والسيطرة عليها.
وفي هذا السياق، نتطرق في السطور التالية لتوضيح أهداف الخطوة الروسية، والإجابة عن بعض الأسئلة التي تتعلق بمستقبل “فاجنر” وكيفية إحكام السيطرة عليها، وأبرز الشخصيات المرشحة لتولي زمام القيادة بعد رحيل “بريجوزين”.
إحكام السيطرة
جاء إعلان الكرملين بإصدار الرئيس “بوتين” مرسومًا؛ يلزم جميع المتعاقدين العسكريين الخاصين في روسيا بأداء قسم الولاء الرسمي لروسيا كـ”خطوة لصياغة الأسس الروحية والأخلاقية للدفاع عن روسيا”. وينظر لهذا الأمر على أنه؛ رغبة من الرئيس “بوتين” في إخضاع هذه المجموعات لسيطرة أكثر صرامة من قبل الدولة الروسية، كما تعد بمثابة وسيلة يستخدمها الكرملين لتشديد سيطرته على “فاجنر” والجماعات المماثلة. وذلك بإلزام أي شخص يؤدي مهمة لصالح الجيش أو يدعم “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، بأداء قسم الولاء الرسمي.
ووفقًا لهذه الخطوة سيكون على مقاتلي “فاجنر” ومقاتلي الشركات العسكرية الخاصة؛ التعهد باتباع أوامر الرئيس “بوتين” بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية. وهذا من شأنه أن يضع قوات “فاجنر” رسميًا تحت قيادة “بوتين” المباشرة، على عكس ما كان عليه الحال عندما أكد الكرملين أنها جهات فاعلة خاصة مستقلة عن الدولة. وبالتالي يهدف الرئيس “بوتين” إلى تعزيز سيطرته على وكيل قوي ينفذ العديد من المهام في مناطق مختلفة من العالم خاصة في إفريقيا.
مستقبل غامض
هل بمقتل “بريجوزين” تنحل مجموعة “فاجنر” وينتهي عملها؟ من الصعب التنبؤ بنهاية “فاجنر” بشكل قاطع في هذه المرحلة، نتيجة عدد من الاحتمالات منها؛ استمرار الدعم الروسي المادي واللوجيستي الذي قد يطيل عمر “فاجنر” لفترة طويلة خاصة مع انخراط المجموعة في العديد من العمليات العسكرية خارج الأراضي الروسية وخاصة في إفريقيا، وبالتالي من مصلحة روسيا استمرار نشاط “فاجنر” واحتواء مقاتليها، بالإضافة إلى أن إعلان روسيا عن توقيع مقاتلي “فاجنر” على مرسوم الولاء للدولة الروسية، يؤكد رغبة موسكو في احتواء مقاتليها والاعتماد عليهم “في ظل قيادة جديد” في المستقبل. لذا فمصير “فاجنر” مرهون بعوامل كثيرة.
لكن على الجانب الأخر، قد يؤدي مقتل “بريجوزين” إلى اضطرابات مؤقتة داخل المجموعة، لكنه لن يقود بالضرورة إلى انهيارها. كذلك من المتوقع أن تواجه المجموعة بعض حالات عدم الاستقرار والصراعات الداخلية حول القيادة الجديدة، ما قد يؤثر معنويًا على مقاتليها، وبالتالي على أنشطة عملها. لكن على المدى المتوسط، من المحتمل أن يتم الاستقرار على قيادة جديدة، بما يمكنها من مواصلة السيطرة على أماكن عملها. على أن تظل “فاجنر” عاملًا مهمًا في الولاء لروسيا.
قيادة جديدة
حتى الآن، لم يتم تحديد خليفة واضح لتولي قيادة مجموعة “فاجنر” بعد مقتل “يفجيني بريجوزين”. ومع ذلك، هناك بعض الأسماء التي طرحت في الأيام الماضية من المتوقع أن تكون تلك الأسماء الأبرز لتولي قيادة “فاجنر” في المستقبل، وهم:
- أندرية تروشيف: يلقب بـ “ذو الشعر الرمادي”، ويعد من أقوى المرشحين لتولي قيادة “فاجنر” بعد مقتل “بريجوزين”، ويعد من الرجال الأكثر ولاءًا للرئيس “بوتين”، أنضم لفاجنر في عام 2015، وشارك في القتال في شرق أوكرانيا، وساهم في تأسيس وحدة “فاجنر” الخاصة وهي مجموعة مقاتلين محترفين داخل المجموعة. واكتسب سمعة جيدة باعتباره قائدًا عسكريًا ذكيًا ومحنكًا في القتال. وشارك في العديد من المعارك الرئيسة ضد القوات الأوكرانية. ويعتبر حاليًا أحد أبرز قادة مجموعة فاجنر بعد وفاة زعيمها السابق.
- أندري كوزيافكوف: أحد مساعدي “بريجوزين” وله دور في تنظيم العمليات، ويتمتع بدعم ولاء المقاتلين داخل “فاجنر”.
- سيرجي كوروتكوف: قائد سابق لأحد الوحدات العسكرية التابعة لفاجنر، وشارك في العديد من المعارك.
- أليكسندر خوداكوف: زعيم فصيل “فيوكتوريا” التابع لفاجنر. شارك في الاشتباكات الي حدثت منذ عام 2014.
- فاليري ميتاليف: نائب بريجوزين السابق وقائد فرقة “سوما” التابعة لفاجنر، ويعتبر خبيرًا عسكريًا وله خبرة في القتال.
وعلى الرغم من توقع أن يتولى أحد هذه الأسماء زعامة فاجنر في المرحلة المقبلة، لكن في نهاية المطاف، ستذهب القيادة إلى من يستطيع الحفاظ على الفاعلية العملياتية على الأرض مع تحقيق التوازن أيضًا بين المصالح السياسية للكرملين، وكذلك قدرته على السيطرة واحتواء الموالين لبرجوزين داخل “فاجنر”.
هل يؤثر تغيير القيادة على استراتيجية “فاجنر”؟
كان بريجوزين يتمتع بقبول واسع في روسيا، نظرًا لنجاحاته التي تحققت في المعركة الروسية الأوكرانية، حيث كان لمجموعة “فاجنر” دور كبير في السيطرة على مدينة “باخموت” وترجيح كفة القوات الروسية في المعركة. ولكنه تحول من “بطل” لــ “خائن” عندما قرر التمرد على القوات الروسية في نهاية يونيو الماضي، وهذا الأمر قلل كثيرًا من شعبيته.
وبالتالي وعقب اغتياله في حادث الطائرة، يدور الحديث حول الزعيم القادم لمجموعة “فاجنر”، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول المسار الذي ستتخذه القيادة الجديدة بشأن استراتيجية المجموعة، وهنا يمكننا القول بأن القيادة الجديدة ستتمتع ببعض الاختلافات عن سابقتها، وقد يتبين ذلك في العديد من الأمور منها:
- قد تكون القيادة الجديدة أقل خبرة وتأثيرًا من “بريجوزين”، مما قد يضعف قدرتها على التحكم والتنسيق في العديد من العمليات.
- ستكون القيادة الجديدة أكثر اعتمادًا على الأوامر المباشرة من القيادة العسكرية الروسية، وإذا ما وقع أعضاؤها على مرسوم الولاء للرئيس بوتين، فهذا يعني أن قيادة “فاجنر” سيكون لها دور محدود في اتخاذ العديد من القرارات.
- لا يتوقع أن تقوم “فاجنر” ببسط سيطرتها على أماكن جديدة في المستقبل القريب، والأكثر ترجيحًا أن تركز على الدفاع عن المناطق الخاضعة لسيطرتها بدلًا من شن هجمات جديدة.
- من المحتمل أن تستمر المجموعة في أدوارها كقوة شبه عسكرية موالية للكرملين، نظرًا لاعتماد روسيا الكبير على تلك المجموعات خاصة في القيام بعمليات عسكرية في دول خارجية -ينأى الجيش عن القيام بها- تحسبًا للمساءلة.
وبالتالي من المتوقع أن تبقى الاستراتيجية العامة لفاجنر تحت تأثير الأوامر الروسية في الأيام القادمة.
صدامات محتملة
نظرًا للطبيعة الغامضة والمركبة التي تسيطر على مجال العمل الداخلي لفاجنر، سيكون من الصعب التنبؤ بشكل قطعي بالصراعات على السلطة التي يمكن أن تنشأ عقب مقتل “بريجوزين”، ومع ذلك، فإن هناك بعض الاحتمالات التي يمكن التكهن بها والتي تشمل:
- التنافس على السيطرة: تتألف مجموعة “فاجنر” من وحدات شبه مستقلة لكل وحدة قائد يرأسها، ونتيجة مقتل “بريجوزين” يتوقع أن ينتهي الأمر بتلك الوحدات إلى الدخول في صدامات من أجل الهيمنة وقيادة المجموعة برمتها.
- التوتر بين الأجنحة العسكرية والأجنحة التجارية/السياسية: تتشكل فاجنر من جناحين، أحدهما عسكري، وهو يقوم بعمليات عسكرية، وآخر سياسي-تجاري، يشارك في استخراج الموارد. وقد تنشأ صراعات بين الجناحين على الزعامة.
- تقاسم الولاءات: يمكن أن تتشكل الخلافات بين الوحدات المسلحة أو القادة الموالين للدائرة الداخلية “لبريجوزين”، ضد أولئك الأكثر تحالفًا مع الكرملين والرئيس “بوتين”.
- وكلاء لسلطة الجيش والمؤسسة العسكرية: بعد رحيل “بريجوزين” يمكن أن يحاول الأوليغارشية وأجهزة الأمن الروسية تدعيم حلفائهم في قيادة فاجنر، وتحويلها في الأساس إلى وكيل لهم، خاصة في الصراعات الخارجية.
- الانقسامات العرقية/القومية: يدور حديث عن توترات بين المقاتلين الروس والمقاتلين الأوكرانيين/الصرب داخل فاجنر. وقد تتفاقم هذه التوترات بما يؤدي لصدام داخلي بين الطرفين.
- الانشقاقات: قد يستخدم بعض وحدات أو قادة فاجنر موت “بريجوزين” كفرصة للانشقاق عن المجموعة، والسعي لتحقيق أهدافهم الخاصة مما يضعف تماسك “فاجنر”.
هذه هي بعض الاحتمالات التي يمكن أن تشكل مستقبل “فاجنر” بعد مقتل زعيمهم “بريجوزين”، لكن يظل احتمال سيطرة النظام الروسي على المجموعة وتطويعها لخدمة مصالحه هو الاحتمال الأكثر ترجيحًا.
أخيرًا، من المرجح أن يهدف “بوتين” خاصة بعد إجبار مقاتلي الوحدات والشركات العسكرية الخاصة على توقيع قسم الولاء للدولة الروسية؛ إلى ضمان السيطرة على مجموعة فاجنر. لكن التفاصيل تظل غير واضحة حول خطط الخلافة أو الصراعات على السلطة التي قد تنشأ داخل المجموعة بعد أي تغيير قد يحدث في القيادة، وبالتالي يظل الترقب للوضع المستقبلي لما قد تؤول إليه الأمور هو الضامن الوحيد لترجيح أي من الاحتمالات السابقة.
باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية




