أوروبا

“أوكوس”..اتفاقية تاريخية لمواجهة تنامي “النفوذ الصيني”

في اتفاقية ثلاثية، ربما تكون أهم ترتيب أمني بين مجموعة من الدول منذ الحرب العالمية الثانية؛ أعلنت المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا؛ توقيع اتفاقية أمنية تاريخية يوم 15 سبتمبر 2021.
يُنظر إلى الاتفاقية على أنها محاولة لمواجهة تنامي نفوذ الصين في منطقة اّسيا والمحيط الهادئ؛ التي بدورها نددت بالاتفاقية ووصفتها بأنها تقوض بشكل خطير؛ السلام والاستقرار الإقليميين وتزيد من حِدة سباق التسلح. كما تسببت الاتفاقية أيضًا في خِلاف مع فرنسا، التي خسرت بموجبها اتفاقية كانت وقعتها مع أستراليا لبناء 12 غواصة في عام 2016.
فما هي اتفاقية “أوكوس”؟ ومدى أهميتها للدول الثلاث؟ ولماذا أزعجت الشراكة الاستراتيجية الجديدة كلاً من الصين وفرنسا؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في السطور التالية.

ما هو تحالف “أوكوس”؟

تحالف “أوكوس” هو تحالف دفاعي استراتيجي تم توقيعه يوم 15 سبتمبر 2021، بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وأستراليا، بموجب هذا الاتفاق تسعى الدول الثلاث لبناء فئة من الغواصات تعمل بالطاقة النووية. بينما يظل الهدف الأهم والأسمى لهذا التحالف مُتمثلاً في تنسيق العمل بين الدول الثلاث في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يُنظر إلى صعود الصين على أنه تهديد متزايد في تلك المنطقة، مما يستوجب تطوير تقنيات جديدة قادرة على ردع القوة الصينية، على غِرار استهداف الناتو للتهديدات الروسية. وهذه الصفقة تُعد هي المرة الأولى التي تُشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية تكنولوجيا الطاقة النووية مع حليف أخر بعيد عن المملكة المتحدة.
و تم الإعلان عن الشراكة الجديدة في مؤتمر صحفي افتراضي مُشترك بين الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ورئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” ونظيره الأسترالي “سكوت موريسون” يوم الأربعاء 15 سبتمبر 2021.
وتتجاوز أهمية هذا التعاون التدريبات البحرية والتعاون في مجال بناء الغواصات؛ إذ من المقرر أن تعمل الدول الثلاث المشاركة في التحالف على تبادل الخبرات ومشاركة التقنيات الاستراتيجية، كما ستغطي الاتفاقية الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى.

أهمية الاتفاقية للدول الثلاث

تأتي هذه الاتفاقية التاريخية بين الدول الثلاث؛ ردًا على تنامي النفوذ الصيني بشكل كبير، خاصة بعد إعلان بكين الشروع في رصد أكبر ميزانية للإنفاق العسكري في التاريخ. كما تسعى الدول الثلاث من الاتفاقية لطمأنة حلفائهم في تلك المنطقة في مواجهة تنامي النفوذ الصيني. ومؤخرًا اتُهمت بكين بإثارة التوترات في المناطق المتنازع عليها مثل بحر الصين الجنوبي. في هذا السياق، تتأتى أهمية الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية في كونها أسرع بكثير ويصعب اكتشافها من الأساطيل التي تعمل بالطاقة التقليدية، كما يمكن أن تبقى مغمورة بالمياه لشهور، ولديها القدرة على إطلاق الصواريخ لمسافات طويلة.
الأهمية الأخرى للاتفاقية، جاءت على لسان رئيس الوزراء البريطاني، عندما أوضح أن الاتفاقية “ستحافظ على الأمن والاستقرار في جميع أنحاء العالم، كما سُتسهم في خلق مئات الوظائف التي تتطلب مهارات عالية الدقة.

كما أن لهذه الاتفاقية أهمية جيوسياسية كبيرة، فبموجب هذه الاتفاقية سيتعين على الصين أن تواجه تحالفًا دفاعيًا قويًا جديدًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو تحالف رحب به الشركاء الإقليميون مثل اليابان.
كما توضح الدول الثلاث أن هذه الاتفاقية بمثابة فرصة تاريخية لهم ولحلفائهم لحماية القيم المُشتركة وتعزيز الأمن والازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولهذه الاتفاقية ماّلات وتداعيات على الدول الثلاث على النحو الاتي:
بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية: تٌعد الاتفاقية خُطوة أكثر دراماتيكية بالنسبة لتنافس الولايات المتحدة الأمريكية مع الصين ولا سيما التحدي البحري الذي تشكله في المحيط الهادئ. كما تُعتبر الاتفاقية خلفية قوية للقمة الأولى لقادة الرباعي –الولايات المتحدة الامريكية وأستراليا والهند واليابان – التي من المٌقرر عقدها في 24 سبتمبر الجاري، والاهمية الكبرى لهذا تتمثل في أن الولايات المتحدة التي وُصفت الشهر الماضي في انسحابها العشوائي من أفغانستان بأنها خذلت حلفاءها، تعود الاّن لتراهن على هؤلاء الحلفاء الذين بدورهم يضاعفون رهانهم عليها أيضًا.
بالنسبة لبريطانيا: تُمثل الاتفاقية أهمية كبيرة لرئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”؛ فهي توضح الدور المتغير لبلاده في العالم، كما أنها تتناغم بشكل كبير مع جهود ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي للترويج لـ “بريطانيا العظمى”.
بالنسبة لأستراليا: كان انضمام استراليا إلى اتفاقية “أوكوس” بسبب الضغط الشديد الذي تمارسه الصين عليها خاصة بعد الاستجابة الدولية لدعوة أستراليا لإجراء تحقيق مُستقل في أصول فيروس “كوفيد-19″؛ وهو ما أدى إلى اهتمام دولي أغضب الصين. بالإضافة للمطالب الصينية لإجراء تغييرات في السياسة الأسترالية.

ترحيب إقليمي

دفعت تصرفات الصين دول المنطقة لتأييد تحالف “أوكوس- AUKUS”، فبالنسبة للهند، تمثلت نقطة التحول في الاشتباكات العسكرية في جبال الهيمالايا الصيف الماضي. أما بالنسبة لليابان، فهي لديها نزاع إقليمي مع الصين في بحر الصين الشرقي وتتعرض لمضايقات متزايدة من قِبل جيش التحرير الشعبي الصيني.
وقد أثار قرار الصين بناء قواعد عسكرية عبر بحر الصين الجنوبي قلق القوى الإقليمية مثل فيتنام والفلبين، ففي يوليو الماضي، استضافت فيتنام وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن”. ولم تنس كوريا الجنوبية الضغط الاقتصادي الذي مارسته بكين ضدها بعد أن وافقت سيول على استضافة درع أميركي مضاد للصواريخ.

غضب فرنسي

أسفرت الاتفاقية التي جرى توقيعها في 15 سبتمبر 2021 عن قيام استراليا بإلغاء عقد غواصات تعمل بالديزل والكهرباء مع فرنسا بعشرات المليارات من الدولارات – كان قد تم توقيعه في عام 2016 – واستبداله بأسطول من الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية. وقد وصُف تخلي أستراليا عن عقد الغواصات مع فرنسا بأنه واحدً من أكبر العقود في تاريخ أستراليا، ولهذا يمكن اعتبار أن فرنسا من الخسائر الجانبية لهذه الاتفاقية.
ففي عام 2016، وصفت فرنسا اتفاقها مع استراليا بأنه صفقة القرن وبداية زواج مدته 50 عامًا. كان القصد منه أن يرمز إلى تحالف أسترالي فرنسي أوسع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من شأنه أن يمتد ليشمل مجالات استخباراتية وتطوير الأسلحة والاتصالات، وكانت الشراكة الأسترالية أيضًا محورية في الاستراتيجية الفرنسية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ لعام 2018.
كما تُعد اتفاقية “أوكوس” أكثر من مجرد خسارة عقد غواصات عملاق، ففرنسا تعلق أهمية كبيرة على دورها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تحتفظ فيها بحوالي 7000 جندي ولديها ما يقرب من مليوني مواطن يعيشون بها.
وردًا على الاتفاق الثلاثي، صبًّت فرنسا جام غضبها على الدول الثلاث، ووصف وزير خارجيتها “جان إيف لورديان” الاتفاقية بأنها خيانة وطعنة لفرنسا من الخلف من قِبل الحلفاء الثلاث. وفي 17 سبتمبر الحالي، سحب الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” سفيري فرنسا من واشنطن وكانبرا.
الغضب الفرنسي نابع أيضًا من عدم إخطارها بتلك الاتفاقية على الرغم من أنه وعلى مدار الأشهر التي كانت فيها اتفاقية “أوكوس” قيد الإعداد كان هناك العديد من المؤتمرات بين فرنسا وأستراليا.

لماذا تم استبعاد فرنسا؟

في الوقت الذي تسير فيه العلاقات الأمريكية الصينية في مسار تصاعدي، قد يُفضي في نهاية المطاف لمواجهة مُحتملة. جاء الغضب الفرنسي من الدول الثلاث لينم عن اهتزاز في التحالف الغربي. فاستبعاد فرنسا قد يكون قرارًا أمريكيًا، نتيجة قلق الولايات المتحدة الأمريكية من سياسات الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” الذي دعا مرارًا وتكرارً إلى إيجاد أرضية مُشتركة بين القوتين العظميين “الولايات المتحدة الأمريكية والصين”، كما تحدث كثيرًا عن أوروبا المُستقلة التي يجب أن تعمل إلى جانب أمريكا والصين، دون الارتماء في أحضان أيًا منهما.

تنديد صيني

نددت الصين بتلك الخطوات التي وصفتها بالاستفزازية، موضحة أن الدول الثلاث مازال يسيطر على تفكيرها نمط الحرب الباردة والمفاهيم الجيوسياسية ضيقة الأفق؛ وأن هذا سيقود في نهاية المطاف إلى الإضرار بمصالح تلك الدول وخاصة دول المنطقة، كما ألقت باللوم على استراليا نتيجة دخولها في تحالف ثلاثي مع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، كما أوضحت بكين أنه من المرجح أن تكون القوات الأسترالية هم الدفعة الأولى من الجنود الغربيين الذين سيتم إرسالهم إلى منطقة بحر الصين الجنوبي.
في اليوم التالي لتوقيع الاتفاقية 16 سبتمبر 2021 تقدمت الصين بطلب للانضمام إلى “اتفاق الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ ” (CPTPP)، وهي اتفاقية تجارية عبر المحيط الهادئ تضم 11 دولة قامت الولايات المتحدة بالتحريض على تدشينها كوسيلة للحد من نفوذ الصين لكنها انسحبت منها بعد ذلك.
أشارت هذه الخطوة إلى جوهر الاهتمام الاستراتيجي لبكين في جنوب شرق آسيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ؛ لتعميق تكاملها الاقتصادي مع المنطقة لدرجة أن الدول تنجذب بفعل الجاذبية الاقتصادية المطلقة للصين إلى الانضمام لهذه الاتفاقية. كما أن انضمام الصين للاتفاقية سُيسلط الضوء على حقيقة أن الولايات المتحدة ستجد نفسها خارج الاتفاقيتين التجاريتين الرئيسيتين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وفي الأخير، فإن التنافس الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة كان دومًا يوصف بأنه التحدي الجيوسياسي المحدد للقرن الحادي والعشرين، والاّن جاءت اتفاقية “أوكوس” لتُحدث تحولاً تاريخيًا عميقًا ونادرًا في هذا التحدي الطويل الأمد.

وخِتامًا، سيظل من المبكر القول بفشل الاستراتيجية الصينية ونجاح التحالفات الأمريكية-الاّسيوية، فتأسيس تحالف معقد ليس بالأمر السهل، وما يستتبعه من تداعيات وردود فعل ستُزيد الأمور صعوبة، فضلاً عن التوترات المتوقعة مع بكين نفسها بالإضافة للتوترات مع الحلفاء التقليديين كما حدث مع باريس، فمهمة الولايات المتحدة لاحتواء الصين لن تتم بسهولة.

+ posts

باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية

أحمد السيد

باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى