المراكز الأوروبية

استراتيجية موسكو في نزاعات الشرق الأوسط وشمال افريقيا (2-7)

في مقال للكاتبة “شيارا لوفوتي”  علي موقع “معهد السياسات الدولية” بإيطاليا، تتناول فيه الأوضاع في سوريا بعد مرور ثماني سنوات من الصراع الدامي، الأمر الذي أودي بلجوء أكثر من 5.6 مليون لاجئ ينتشر معظمهم في أنحاء تركيا ولبنان والأردن. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة فإن إعمار دولة مثل سوريا يحتاج إلي ما يقرب من نحو 250 مليار دولار – لإعادة بناء بلد دمرتها الحرب ومزقتها الصراعات.

توضح الكاتبة، أن سوريا بلا شك الأزمة الأكثر بروزاً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي ستتردد وتمتد آثارها على المنطقة بأسرها. على هذا النحو، من المرجح أن تستمر  الأزمة السورية في احتلال مكانة بارزة في سياسة روسيا للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المستقبل المنظور.

 ومع ذلك، فإن السؤال الذي يُثار هنا هو:  إلى أي مدى تعتبر سوريا أولوية قصوى بالنسبة لصُناع السياسة الخارجية الروسية في الوقت الذي ينتهي فيه النزاع وتنتقل البلد ببطء نحو مرحلة جديدة؟، وما هي مصالح وتوقعات موسكو الحقيقية؟.

تقول الكاتبة بأنه قد تم تسريب الكثير من الأخبار للتحقيق ولفهم سياسة روسيا تجاه سوريا على مدار السنوات الأربع الماضية، فمنذ أن بدأت الحملة العسكرية في أواخر سبتمبر 2015. أشار بعض المحللين إلى استراتيجية روسية لسوريا، والتي تهدف إلى تعزيز نظام بشار الأسد لتعزيز نفوذ موسكو في البلاد وفرض رؤيتها لـما تطلق عليه موسكو “Russian Pax – أو أعوان الروس”  في الشرق الأوسط الكبير.

ووصف آخرون التدخل الروسي في الدفاع عن الأسد بأنه انتهازي نوعًا ما، يهدف إلى استغلال الأزمة السورية لتقديم روسيا نفسها كلاعب بناء ويستطيع حل المشكلات، وذلك من أجل إعادة وضع موسكو تدريجياً على رقعة الشطرنج العالمية إزاء تهميشها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. 

في كثير من الأحيان، أوضح المراقبون كيف استخدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المكاسب في سوريا لتعزيز شعبيته في الداخل. رغم أن بوتين لم يكن أمامه منافسين كثيرين خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة؛ ومع ذلك، فإن النجاحات الروسية في الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والمكاسب الدبلوماسية في سوريا ساهمت في تعزيز موقفه، مما يثبت أنه قادر على “جعل روسيا قوة عظمي مرة أخرى”.

ومع ذلك تقول الكاتبة، أنه غالبا ما يتم إهمال جانب مهم. وهو أنه في حين أن سوريا قد تبدو أهم مسعى لموسكو في المنطقة وهدفها الرئيسي، فإن ملفات أخرى بدأت تظهر تدريجياً والتي قد تحتل مرتبة أعلى من سوريا في التسلسل الهرمي لسياسة الكرملين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. 

فخلال السنوات القليلة المقبلة، ستهتم روسيا بشكل متزايد بتعزيز التعاون الاقتصادي مع أكبر عدد ممكن من الدول، معظمها في مجالات الطاقة والمجالات العسكرية. على سبيل المثال، سيتم إعطاء الأولوية للحفاظ على صفقة “أوبك +” مع المملكة العربية السعودية بشأن خفض الإنتاج وترتيبات أسعار النفط ؛ فعلى عكس التعاون مع دمشق، يمثل التعاون مع الرياض فرصة اقتصادية لموسكو. وبالمثل، ستزداد أهمية العلاقات الروسية العراقية في مجال الطاقة (مع رغبة شركة Lukoil في زيادة الاستثمارات في البلاد) والمجالات العسكرية (مع تطور المناقشات حول شراء بغداد لصواريخ S-400 من موسكو). والعلاقات العسكرية التي تم إحياءها حديثًا مع مصر ستكون أيضًا من بين ملفات الشرق الأوسط الرئيسية للكرملين، والتي تكشف عن رغبة مشتركة في تقوية العلاقات الثنائية وتمثل فرصة اقتصادية أخرى لموسكو، تسعي لاستغلالها.

كما لعبت سوريا دورًا مهمًا في تعزيز التعاون بين موسكو والجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية. 

في الواقع، هناك اثنين من أهم المكاسب الناشئة عن التدخل الروسي في سوريا:-

  • أولاً: المصداقية التي تمكنت موسكو من الحصول عليها، ويعود الفضل في ذلك إلى عملية أستانا (التي بادرت بها موسكو بالشراكة مع تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني في عاصمة كازاخستان في عام 2017). 
  • ثانياً: شبكة العلاقات الواسعة والقوية التي تمكنت موسكو من بنائها مع العديد من أصحاب المصلحة في الأزمة السورية. كما قال ديمتري ترينين (الباحث بمركز كارنيجي موسكو) ، فإن “التحالفات شبه المرنة” مع شركاء مثل تركيا وإيران، والتي تم توحيدها من خلال عملية أستانا، تمثل أكبر نجاح تمكنت الدبلوماسية الروسية من الاستفادة منه في الحملة العسكرية. ومع تركيا، على سبيل المثال، يمكن لموسكو التعاون بشأن التسوية في شمال شرق سوريا – على الرغم من الاختلاف في وجهات النظر بين الطرفين في هذا الأمر- لكن في الأخير سيتم التوصل الي صيغة مشتركة للتسوية. أيضاً تركيا تسعي للحصول علي منظومة (S-400) و عقد اتفاقيات في مجال محطات الطاقة النووية في نفس الوقت.”حصلت أنقرة على منظومة الصواريخ الروسية بالفعل”

وتتسائل الكاتبة في نهاية مقالها قائلة، إذا كان صحيحاً أن سوريا كانت ضرورية لتقوم روسيا بتوسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فهل هذا يكفي لتحقيق مصلحة موسكو في المنطقة؟ وتجيب الكاتبة بالنفي، مبررة أنه من الناحية الدبلوماسية، قد أتت سوريا بثمارها بالفعل على روسيا، ولم يتبق الكثير لموسكو للبناء عليه. فبعد انتصارها في الحرب، أصبحت روسيا الآن على وشك كسب السلام، من خلال مواصلة محادثات أستانا ومزيد من المناقشات حول الأمور السياسية المستقبلية في سوريا وعودة اللاجئين.. وفيما يتعلق بإعادة الإعمار، تري الكاتبة أنه من المستحيل على موسكو تحمل مثل هذا العبء الثقيل وحدها، وفي هذه الحالة أيضًا قد تستفيد روسيا من شبكتها الواسعة من الشركاء في المنطقة وخارجها ( مثل الصين على سبيل المثال)؛ يمكن للتعاون مع أصحاب المصالح الرئيسيين في إعادة إعمار سوريا أن يحقق فوائد ملموسة للشركات الروسية. ومع ذلك، تظل حقيقة أن سوريا لديها القليل لتقدمه مقارنة بالدول الأخرى. فهناك الاتفاقيات النفطية مع دول الخليج، والصفقات العسكرية والنووية مع مصر وتركيا – التي تعود بموارد مالية علي روسيا-  هذا الأمر لا تقدمه سوريا لموسكو. ومع ذلك، لم يكن أحد يتخيل أن مثل هذا الشراكات لموسكو كان يمكن لها أن تتحقق قبل تدخلها في سوريا، وإمساكها بكافة خطوط اللعبة هناك.

+ posts

باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية

أحمد السيد

باحث أول بوحدة الدراسات الأسيوية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى