المراكز الأوروبيةمكافحة الإرهاب

المركز الدولي لمكافحة الإرهاب: تأثير متبادل للتطرف العنيف والنزوح الجماعي في الساحل الأفريقي

عرض _ منى قشطة

أدت أزمة العنف العشوائي التي شهدتها منطقة الساحل الإفريقي طيلة العقد الماضي، بفعل هجمات تنظيمي داعش والقاعدة والحركات المسلحة الأخرى، وعمليات مكافحة الإرهاب، وارتفاع مستويات اللصوصية والتوترات بين المجتمعات المحلية، والجريمة المنظمة، فضلًا عن آثار التغيرات المناخية واستنفاذ الموارد؛ إلى إجبار أعداد متزايدة من السكان المحليين على الفرار، مما أدى إلى نزوح أكثر من 2.8 مليون شخص قسرًا عبر مالي والنيجر وبوركينا فاسو. 

وفي حين يمثل النزوح في كثير من الأحيان استراتيجية المواجهة الوحيدة المتاحة لهؤلاء الأشخاص، إلا أنه يعرضهم لمواقف أكثر خطورة وأوضاع معيشية مزرية في مخيمات اللاجئين التي يقيمون بها، وفي الوقت ذاته يفرض تحديات كثيرة للمجتمعات المضيفة لهم؛ ذلك لأن التدفق الهائل للسكان النازحين من شأنه خلق توترات بين أفراد المجتمع المضيف الذين قد يتم استبعادهم في بعض الحالات من المساعدات لصالح تقديمها للنازحين، مما يؤجج حالة الشعور بالاستياء والمظالم المحلية التي قد تستغلها التنظيمات المتطرفة العنيفة بعد ذلك في تجنيد المزيد من العناصر. 

ولفهم المتلازمة الثابتة التي تربط بين عمليات النزوح الجماعي وديناميكيات الصراع المحلي والتطرف العنيف في منطقة الساحل، نشر المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في 15 أغسطس 2022، تقريرًا بعنوان “النزوح الجماعي والتطرف العنيف في منطقة الساحل: حلقة مفرغة؟“، استكشف من خلاله الارتباطات المعقدة بين النزوح الجماعي والتطرف العنيف، وكيف يشكل النزوح في نفس الوقت أحد أكثر الأعراض الملموسة الناتجة عن تصاعد العنف والتطرف، فضلًا عن كونه عاملًا محتملًا لتفاقم أزمة الساحل، ولإدامة الظروف المؤدية إلى التطرف العنيف من خلال زيادة التوترات المحلية والمظالم التي من المعروف أن الجماعات المتطرفة العنيفة تستغلها، وفيما يلي عرض لأبرز النقاط التي وردت بالتقرير.

تنامي مُعضلة النزوح في منطقة الساحل

شهدت السنوات الأخيرة مستويات غير مسبوقة من النزوح القسري؛ فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، شهدت بلدان الساحل زيادة كبيرة في عدد النازحين داخليًا، والذي ارتفع من حوالي 170 ألف نازح في منتصف عام 2017 إلى أكثر من 2.4 مليون في أوائل عام 2022 (كما هو موضح في الشكل رقم 1)، بما في ذلك حوالي 365،000 لاجئ.

وقد بلغ العدد الإجمالي للأشخاص النازحين قسرًا في جميع أنحاء بوركينا فاسو ومالي والنيجر أكثر من 2.8 مليون (كما هو موضح في الشكلين 2 و3). ووصل السكان النازحون إلى موريتانيا وتشاد المجاورتين، اللتين تستضيفان معًا أكثر من نصف مليون لاجئ، ويضطرون بشكل متزايد إلى البحث عن ملاذ جنوبًا في دول غرب إفريقيا الساحلية، بما في ذلك كوت ديفوار التي شهدت دخول حوالي 7000 لاجئ من بوركينا فاسو إلى البلاد منذ منتصف عام 2021.

وتعد بوركينا فاسو، التي تستضيف أكثر من 1.8 مليون نازح داخليًا، الأكثر تضررًا، حيث شهدت منذ عام 2015 تدهورًا كبيرًا في وضعها الأمني ​​وتواجه الآن أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة، وهو ما أدّى إلى زيادة عدد النازحين داخليًا في جميع أنحاء البلاد عشرة أضعاف بين عامي 2018 و2020.  ويتركز أكثر من نصف النازحين الموجودين في جميع أنحاء البلاد في منطقتي الساحل ووسط الشمال. 

ولجأت أعداد من سكان بوركينا فاسو أيضًا إلى الدول المجاورة، حيث استمرت النيجر في استضافة نسبة أكبر من اللاجئين وطالبي اللجوء من دولتي الساحل الأخريين (مالي وبوركينا فاسو)؛ إذ إن حوالي 75% من أصل 280 ألفًا في النيجر الآن هم من مواطني نيجيريا المجاورة، و20% منهم قادمون من مالي التي تعد المصدر الأول للأزمة في المنطقة، والتي كانت تشهد في الأصل فرار العديد من مواطنيها إلى البلدان المجاورة، لكن عدد الأشخاص النازحين داخليًا على أراضيها زاد بنسبة 30% خلال العام الماضي، وأرجع التقرير سبب هذه الزيادة إلى أن الدول المجاورة لم تعد توفر ملاذًا آمنًا للنازحين كما فعلت من قبل.

كيف يتسبب النزوح في تفاقم العنف والإرهاب في منطقة الساحل؟

في حين أظهر الجزء الأول من التقرير أن النزوح يمثل أحد أكثر الأعراض الملموسة للأزمة الأمنية الحالية التي تعيشها منقطة الساحل الإفريقي، فإن هذا الجزء يبحث ما إذا كانت حالات النزوح الجماعي وانعكاساتها على كل من النازحين والمجتمعات المضيفة وأحوالهم المعيشية قد تغذي المظالم والتوترات المحلية التي تم استغلالها تاريخيًا من قبل المنظمات المتطرفة العنيفة النشطة في جميع أنحاء المنطقة، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى إدامة الظروف المؤدية إلى انتشار التطرف العنيف. وهو ما يمكن إيضاحه فيما يلي:

• استمرار العنف بعد النزوح: إذا كان العنف الإرهابي من بين العوامل التي تدفع السكان إلى الفرار، فلا يزال من غير المؤكد إلى أي مدى يمثل النزوح استراتيجية تكيف ناجحة؛ إذ يتعرض النازحون لأشكال مختلفة من العنف -بما في ذلك العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي- بعد النزوح. ويتم كذلك استهداف مواقع النازحين من قبل الجماعات المسلحة (المتطرفة)، ومن ذلك، الهجوم الذي وقع في مايو 2020على مخيم للاجئين في النيجر والذي أسفر عن ثلاث وفيات، بما في ذلك اثنان من اللاجئين، وهو حادث يضاف إلى قائمة واسعة بالفعل من الهجمات التي تستهدف مواقع اللاجئين في جميع أنحاء البلاد، وهو ما تسبب في إغلاق بعض هذه المخيمات بسبب تدهور الوضع الأمني بها واختراقها من قبل التنظيمات الإرهابية.  

وتتعدد دوافع الجماعات الإرهابية من وراء هذه الهجمات، ومنها تحقيق بعض المكاسب المادية من خلال سرقة الماشية والمال والدراجات النارية والأدوية وغيرها. ويرى المراقبون أيضًا هذه الحوادث محاولة من قبل هذه الجماعات لدفع وجود الدولة بعيدًا وتوسيع سيطرتها الإقليمية، فضلًا عن بعض الفوائد غير المباشرة التي تستفيد منها التنظيمات الإرهابية، ومنها محاولة التسلل للاختباء داخل تدفقات ومخيمات النازحين، وهو ما قد يؤدي إلى إعاقة تقديم استجابة إنسانية فعالة وزيادة حالة الضعف التي يعاني منها هؤلاء السكان، من خلال تأليب المجتمعات المضيفة ضد اللاجئين وتحويلهم من ضحايا إلى مُشتبه بهم، فمثل هذه الحوادث تغذي بالفعل انعدام الثقة بين السكان المحليين والنازحين.

علاوة على ذلك، فإن وقوع الهجمات الإرهابية في مواقع النازحين وحولها قد تؤدي بدورها إلى تدخلات قوات مكافحة الإرهاب، والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى مزيد من العنف والانتهاكات التي تُرتكب ضد السكان النازحين. ففي مايو 2020، في أعقاب الهجمات التي استهدفت قوات إنفاذ القانون بالقرب من مخيم مينتاو في شمال شرق بوركينا فاسو، دخلت قوات الأمن والدفاع المخيم بحثًا عن المشتبه بهم، بزعم ارتكابهم أعمال عنف ضد اللاجئين، مما أدى إلى إصابة 32 شخصًا. وبشكل عام، واجهت القوات المسلحة الوطنية اتهامات بالاختفاء القسري، وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء ضد النازحين في المنطقة. ومثل هذه الانتهاكات ليست فقط انتهاكات مدانة في حد ذاتها، ولكنها أيضًا إشكالية خاصة بالنظر إلى تأثيرها على تأجيج المظالم ضد قوات الدولة وسلطاتها، والتي ثبت أنها مفيدة لاستراتيجيات تجنيد الإرهابيين.

• التنظيمات الإرهابية واستثمار التوترات المحلية: بالإضافة إلى الصدمة النفسية المرتبطة به، يؤثر التهجير القسري بشدة على الظروف المعيشية للنازحين والمجتمعات المضيفة، مما قد يؤدي إلى الإحباط والمظالم وربما يؤدي إلى تفاقم النزاعات التي يحركها التنافس على الموارد. فيجد النازحون أنفسهم بدون وسائل للعيش، وعدم كفاية الغذاء والمياه الصالحة للشرب، والوصول المحدود إلى الخدمات الأساسية. علاوة على ذلك، يتم إيواء السكان النازحين في كثير من الأحيان في ملاجئ محفوفة بالمخاطر ومؤقتة لا يمكنها تحمل آثار الفيضانات وغيرها من المخاطر المناخية، مما قد يدفع العديد من هؤلاء إلى الانضمام لصفوف الجماعات المتطرفة.

وعلاوة على ذلك، إن التدفق الهائل للمشردين قسرًا في المجتمعات التي هي بالفعل على شفا انعدام الأمن الغذائي، يفرض مزيدًا من الضغط على الأراضي والموارد الطبيعية النادرة والمتنازع عليها في كثير من الأحيان. ففي حين تم تشريد حوالي 2.1 مليون شخص قسرًا في أواخر عام 2021، احتاج أكثر من 10 ملايين إلى المساعدة الإنسانية، وعانى 4.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مما يدل على أن المجتمعات غير النازحة ليست مستثناة من الحرمان. 

وفي ظل هذه الأوضاع، تعرضت المجتمعات المضيفة لما وصفه البعض بالآثار الجانبية لوصول أعداد كبيرة من النازحين حيث تضع هذه الظاهرة عبئًا إضافيًا على الخدمات الأساسية المحدودة، مثل البنى التحتية التعليمية والصحية، الأمر الذي من شأنه مفاقمة التوترات المحلية بين النازحين والمجتمعات المضيفة، وهو ما قد تستغله التنظيمات الإرهابية في بسط سيطرتها في المنطقة، سواء عبر استغلال المظالم المحلية في تجنيد المزيد من العناصر، أو من خلال تقديم نفسها كوسيط في النزاع للتحكيم وتسوية النزاعات المحلية لا سيما تلك التي تنشأ حول الأراضي والموارد.

• إثارة التوترات حول تقديم المساعدات للنازحين: يمكن أن يؤدي الدعم المقدم إلى السكان النازحين أيضًا إلى تأجيج الاستياء بين المجتمعات المضيفة بسبب اختلال التوازن (الحقيقي أو المتصور) في المساعدات. فبينما يبدو أن العديد من المنظمات والشركاء المنفذين يولون اهتمامًا كبيرًا لهذه الآثار الجانبية غير المقصودة، من خلال تقديم الدعم لكل من النازحين والمجتمعات المضيفة، يبدو أن هذا الشعور بالظلم والمعاملة المفضلة لا يزال قائمًا، حيث يشعر السكان أن الشركاء الإنسانيين يولون أهمية كبيرة للنازحين مقارنة بهم، لذا يتهمونهم بالتسول ومحاولة إثراء أنفسهم بناء على المساعدات الإنسانية التي يتلقونها.

وثمة تحدٍ آخر تفرضه المساعدات المُقدمة للنازحين، وهو مخاطر تحويل تلك المساعدات من قبل السلطات المحلية لمصالحهم الخاصة أو لمصالح عائلاتهم، فضلًا عن خطر حرمان الفئات الأكثر تهميشًا في المجتمعات المحلية من المساعدة، فقد أشار عدد كبير من الأشخاص الذين أوردهم التقرير إلى تفضيل السلطات العرفية لدوائرهم الاجتماعية الوثيقة على حساب المجتمع الأوسع في تحديد المستفيدين من المساعدات، مما يزيد من مشاعر الظلم والتظلمات لدى السكان ضد النخب المحلية والجهات الفاعلة في الحكم، وهو ما تستفيد منه التنظيمات الإرهابية في تجنيد أكثر شرائح المجتمعات حرمانًا.

ختامًا، خلُص التقرير إلى أن النزوح الجماعي الناتج عن تزايد انعدام الأمن والعنف الإرهابي لديه القدرة على زيادة تأجيج الصراعات المحلية، والتي من المعروف أن الجماعات المتطرفة العنيفة تستغلها لتجنيد وزرع وتوسيع سيطرتها في جميع أنحاء منطقة الساحل الإفريقي. وبالإضافة إلى كونها مصدرًا رئيسًا للمخاوف الإنسانية، فإن الاستجابة لأزمة النزوح في منطقة الساحل تبدو ضرورية لتحقيق السلام المستدام. ومع ذلك، فإن الاستجابات نفسها، إذا لم يتم التخطيط لها وإجراؤها بشكل كافٍ، قد تسهم أيضًا في خلق مظالم بين المجتمعات المضيفة، والتي قد يُنظر إليها على أنها تُعامل بشكل غير عادل وتُستبعد من المساعدة والدعم المقدمين للنازحين، ومن ثم تجد التنظيمات الإرهابية فرصة سانحة لتعزيز قدراتها على التجنيد. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى