مكافحة الإرهاب

حتمية المواجهة: ماذا يعني قرار حل جماعة الإخوان المسلمين بالأردن؟

أعلنت المخابرات الأردنية في 15 أبريل 2025 القبض على مجموعة من المتهمين بالتورط في أنشطة غير مشروعة تستهدف أمن واستقرار البلاد، وفي اعترافات مصورة بثت على التلفزيون الرسمي أعلن المتهمون انضمامهم لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نتج عنه في النهاية إصدار وزير الداخلية الأردني يوم 23 أبريل قرارًا بحظر جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ومصادرة ممتلكاتها، وهو ما يستدعي النظر إلى هذا القرار ودلالاته وتداعياته.

ضمت المجموعة التي أُلقي القبض عليها 16 متهمًا بالتورط في مخططات تهدف إلى المساس بالأمن الوطني وإثارة الفوضى والتخريب بالمملكة، وتضمنت المخططات التي كانت تحت المتابعة بشكل استخباري دقيق منذ عام 2021 تصنيع صواريخ بأدوات محلية وأخرى جرى استيرادها من الخارج لغايات غير مشروعة، وحيازة مواد متفجرة وأسلحة ناريةـ وإخفاء صاروخ مُجهز للاستخدام، ومشروع لتصنيع طائرات مسيرة، بالإضافة إلى تجنيد وتدريب عناصر داخل المملكة وإخضاعهم للتدريب بالخارج.

وحسب التصريحات الرسمية، فقد كانت هناك أربع قضايا مرتبطة بهذه الخلية، الأولى في الفترة بين شهري مايو ويونيو 2023 وتورط فيها 4 عناصر، عمل 3 منهم بشكل أساسي على نقل وتخزين متفجرات شديدة الانفجار من أنواع “تي إن تي” و”سي فور” و”سيمتيكس إتش”، وأسلحة أوتوماتيكية مهربة من الخارج، فيما عمل العنصر الرابع في الخلية بشكل منفصل على إخفاء صاروخ “كاتيوشا” مجهز بصاعق بمنطقة “مرج الحمام”. أما القضية الثانية، فتم القبض على عناصرها في شهر فبراير 2025، وتتكون من 3 عناصر تلقت الأموال والتدريبات من الخارج، وباشرت العمل على تصنيع الصواريخ بموارد محلية ومستوردة وتمكنت من إنتاج النموذج الأول لصاروخ قصير المدى، وأنشأت مستودعين في العاصمة عمّان ومحافظة الزرقاء أحدهما تم تنفيذه بالخرسانة المسلحة بهدف تخزين الصواريخ التي تم تصنيعها فيه، ويتضمن غرف سرية مغلقة.

فيما انخرط عناصر القضية الثالثة البالغ عددهم 4 عناصر في محاولات تصنيع طائرات مسيرة بعد القيام بزيارات خارجية لعدة دول للحصول على الخبرات اللازمة لتنفيذ هذا المخطط، ونجحت بالفعل في صنع مجسم لطائرة مسيرة باستخدام مواد أولية، فيما تورط عناصر القضية الرابعة التي تضم 5 متهمين وتدرب بعضهم في الخارج، بالعمل على تجنيد وترشيح عناصر جديدة بعد إخضاعها لدورات وتدريبات أمنية غير مشروعة. كما أعلن وزير الداخلية الأردني أنه ضُبطت محاولة لتصنيع المتفجرات قام بها أحد أبناء قيادات جماعة الإخوان لاستهداف الأجهزة الأمنية ومواقع حيوية في البلاد.

أعلن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية الأربعاء 23 أبريل حظر جماعة الإخوان في الأردن وحظر كافة أنشطتها ومصادرة ممتلكاتها، واعتبار أي نشاط لها أيا كان نوعه مخالفًا للقانون يستدعي المساءلة القانونية، واعتبار الانتساب لها أمرًا محظورًا بحكم القانون وكذلك حظر الترويج لأفكارها. وقد مثّلت هذه القرارات تصعيدًا كبيرًا ضد جماعة الإخوان المسلمين التي تنشط هناك منذ ثمانين عامًا، وسيكون لها تداعيات متعددة على مختلف الأصعدة.

وتنطلق دوافع القرارات الأردنية من أن الخلية الإرهابية المضبوطة مثلت تغيرًا نوعيًا في طبيعة تحرك جماعة الإخوان في الأردن، وخروجها من إطار العمل الدعوي والسياسي ومحاولة بناء علاقات مع الدولة مرت بمجموعة من المراحل ما بين الشد والجذب إلى الاحتواء والدمج المجتمعي والسياسي، وخرجت إلى إطار العمل المسلح الذي لم يقتصر على محاولة حيازة الأسلحة والمتفجرات فقط وإنما امتد إلى مرحلة محاولة “التصنيع”، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الأردني بكافة أشكاله، وخطًا أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه.

ولذلك فإن المرحلة القادمة ستكون مرحلة حرجة للغاية وتستدعي التعامل بحذر شديد على المستويين السياسي والأمني للحفاظ على استقرار الأردن، وذلك في ضوء الاعتبارات التالية:

أولًا: ناشدت جبهة الإخوان المسلمين – تيار التغيير الموجودة في تركيا، والذين يطلق عليهم “الكماليون” -نسبة إلى القيادي الإرهابي محمد كمال مؤسس خلايا الإخوان النوعية في مصر والتي مارست الإرهاب داخل مصر بعد إقصاء حكم الإخوان بعد ثورة 30 يونيو 2013- الشباب الأردني إلى مواجهة الدولة في ضوء هذا القرار، ومحاولة استغلال حالة الغضب التي قد تكون موجودة لدى بعض الشباب الأردني وخاصة من صغار السن إلى الانخراط في العمليات الإرهابية ضد الدولة وأجهزتها الأمنية، خاصة وأنه منذ ضبط الخلية الإرهابية وتعمل على جماعة الإخوان على الترويج إلى أن أعمالها كانت موجهة لدعم المقاومة الفلسطينية في الأراضي المحتلة في ضوء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وليست موجهة للداخل الأردني، وهو ما قد يلقى أذانًا لدى البعض من الشباب، على الرغم من أن القضية الأولى التي تتعلق بهذه الخلية ترجع إلى شهر مايو 2023، أي قبل اندلاع عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، وهو ما يدحض فرضية عمل هذه الخلية على دعم فصائل المقاومة.

ثانيًا: أمام جماعة الإخوان في الأردن حاليًا مسارين: الأول، هو الانسحاب التدريجي والتفكيك الذاتي للجماعة من الساحة السياسية الأردنية والانحناء للعاصفة لفترة ما من الزمن حتى هدوء الأوضاع ومن ثم تستعيد نشاطها بشكل تدريجي، مع الحفاظ على وجودها على الساحة الشعبية لتكون حاضنة شعبية لها تضمن استمرارها؛ والثاني، هو الاتجاه للعمل السري والتصعيد ضد الدولة، وهو الأمر الذي سيكلف الجماعة ثمنًا باهظًا على مختلف المستويات ويفتح المواجهة مع الدولة، خاصة وأن السلطات الأردنية لم تتخذ حتى الآن قرارًا بتنصيف الجماعة “إرهابية”، ومن ثم فإنها لو قررت الذهاب إلى العمل المسلح سينتهي وجودها داخل الأردن إلى غير رجعة، وهو الأمر الذي لا ترغب فيه جماعة الإخوان في ظل الانحسار الكامل الذي تعاني منه في المنطقة العربية، وحرصها على استمرار وجودها في المنطقة عبر الأردن. ولكن رغم ذلك فإن الجماعة قد تعمد إلى تنفيذ عمليات فردية بسيطة؛ بهدف الضغط على المملكة لفك الحصار عنها والإيحاء بأن وجود الجماعة في المشهد العام مهم لمنع ظهور تيارات إسلامية متطرفة.

ثالثًا: ستكون محطة المواجهة القادمة مع جماعة الإخوان هي مع حزب “جبهة العمل الإسلامي” الذراع السياسية للجماعة في الأردن والذي فاز بـ 31 مقعدًا من أصل 138 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في سبتمبر 2024، والذي تطاله التهديدات بفقدان شرعيته السياسية وفق القانون الأردني حال ثبوت تورط أعضائه في أي عمل مسلح. وهو الأمر الذي استبقه الحزب بعد القبض على الخلية الإرهابية واعتراف ثلاثة من المتهمين بأنهم أعضاء في الحزب، حيث أعلن عن تجميد عضويتهم، وقال الأمين العام للحزب وائل السقا إن “الحزب مستمر في أداء دوره الوطني كحزب سياسي أردني مستقل استقلالية تامة عن أي جهة أخرى”.

وفي حال قررت السلطات الأردنية حل الحزب فإن إشكالية قانونية ستظهر وتستوجب التعامل معها وتتمثل في عدد المقاعد التي ستكون شاغرة في البرلمان بعد حله، وسيكون أمام الحكومة ثلاثة مسارات: الأول،  حل البرلمان وإجراء الانتخابات خلال أربع شهور، ورحيل الحكومة برئاسة جعفر حسان مع عدم تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة وفق المادتين 73 و 74 من الدستور الأردني، وهو ما قد يتعارض مع رغبة صانع القرار الأردني ببقائه في ضوء نتائجه الجيدة، ولكن يمكن التعامل مع هذه الإشكالية من خلال حل البرلمان وتكليف حكومة جديدة تتولى إجراء الانتخابات البرلمانية الجديدة وتستقيل بعد الانتهاء من مهمتها، ومن ثم يمكن تكليف “حسان” مرة أخرى؛  الثاني، اللجوء إلى فصل نواب حزب الجبهة وإحلال من يليهم في الاقتراع، الثالث، اللجوء أخيرًا إلى تعديل الدستور وهو أمر مستبعد لتكلفته السياسية الكبيرة.

رابعًا: انعكاس تطورات الأوضاع في غزة والضفة الغربية على الجبهة الداخية الأردنية، وهو ما يتمثل في لجوء عدد من شباب العشائر في الأردن إلى تنفيذ عمليات ضد إسرائيل منذ بدء الحرب على قطاع غزة، سواء من خلال العمليات الهجومية المباشرة مثل واقعة إطلاق النار بمعبر الكرامة والتي نفذها “ماهر الجازي” ابن قبيلة الحويطات، أو محاولات تهريب أسلحة للأراضي المحتلة، أو المظاهرات الشعبية المنددة بالحرب والتي تقودها التيارات الإسلامية في الأردن وعلى رأسها جماعة الإخوان، إلى جانب التطورات الخارجية وموقف الأردن منها وخاصة فيما يتعلق بالمخططات الإسرائيلية ضد القضية الفلسطينية سواء فيما يخص التهجير أو ضم أجزاء من الضفة الغربية، وهو ما يفرض على صانع القرار الأردني تمتين الجبهة الداخلية لتكون داعمة للمملكة في مواجهة أية مخططات خارجية تستهدف أمنها القومي أو استقرارها الداخلي.

ختامًا، تخوض المملكة الأردنية الهاشمية معركة تقليم أظافر مع جماعة لا تعترف بالدولة الوطنية أو الحفاظ على مقدرات وأمن شعوبها، في ظل عدد من التطورات غير المسبوقة إقليميًا تحمل في مجملها تهديدات متعددة المستويات، وهو ما يستدعى التعامل بأكبر قدر من الحذر واتخاذ القرارات بقدر محسوب، وتوفير الدعم العربي اللازم للأردن لتجاوز هذه المرحلة، وهو الأمر الذي بدأته مصر من خلال الاتصال الهاتفي بين الرئيس السيسي مع العاهل الأردني قبل أيام وتم التأكيد خلاله على دعم مصر المطلق للأردن في مواجهة كافة أشكال الإرهاب والجماعات المتطرفة التي تستهدف أمن واستقرارها.

  1. المخابرات الأردنية تعلن إحباط مخططات تستهدف أمن واستقرار المملكة تورط بها 16 متهمًا: https://www.almamlakatv.com/news/166481-%D8%A5%D8%AD%D8%A8%D8%A7%D8%B7-%D9%85%D8%AE%D8%B7%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%81-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D9%88%D8%A5%D8%AB%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%B6%D9%89-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86
  2. وزير الداخلية الأردني يعلن حظر نشاطات جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها جمعية غير مشروعة:

https://www.almamlakatv.com/news/167140-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B8%D8%B1-%D9%86%D8%B4%D8%A7%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%D8%A9

https://representatives.jo/Ar/Pages/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1

+ posts

باحث أول بالمرصد المصري

صلاح وهبة

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى